اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-15 11:30:00
في زمن يندفع فيه الفن المعاصر نحو السرعة والواقعية المفرطة، يبقى فن الأيقونات مساحة مختلفة للتعبير، حيث يتحول الرسم إلى فعل تأملي وروحي يتجاوز حدود الجمال البصري. وفي هذا الفن القديم، لا تكون الصورة مرسومة بقدر ما «تُكتب» وفق التقاليد اللاهوتية والرمزية المتجذّرة في التراث المسيحي الشرقي. وفي هذا السياق، يبرز الفنان اللبناني جيروم فرح كأحد الوجوه الشابة التي اختارت اتباع هذا المسار الفني والروحي، الذي يجمع بين المعرفة الأكاديمية والعاطفة الإيمانية. يحمل فرح شهادة في الهندسة المعمارية، وبدأ مسيرته الفنية في مجال اللوحات الزيتية، لكن مسار حياته اتخذ اتجاهاً مختلفاً عندما شعر بما يصفه بـ”دعوة” داخلية للتوجه نحو الفن الديني. وهذا التحول دفعه إلى دراسة فن «كتابة الأيقونات» البيزنطي والتعمق في أسسه الفنية واللاهوتية، ليبدأ رحلة فنية امتدت سنوات وأثمرت أعمالاً زينت عدداً من الكنائس في لبنان، كما قال لـ«لبنان 24». وخلال حوالي تسع سنوات من العمل في هذا المجال، أنجزت فرح الجداريات والأيقونات التي تم وضعها في عدد من الكنائس، بما في ذلك مطرانية بيروت للملكيين الكاثوليك، إضافة إلى كنائس أنطلياس وشكا والحازمية. ويؤكد أن علاقته بالكنيسة تعود إلى طفولته، حيث نشأ في أجواء الخدمة الكنسية، باعتبار أن والده كاهناً، الأمر الذي أسس لعلاقات روحية عميقة انعكست لاحقاً على مسيرته الفنية. وتوضح فرح أن الأيقونة ليست لوحة فنية تقليدية، بل هي نص لاهوتي معبر عنه بالألوان والخطوط. كل التفاصيل لها معنى رمزي المقصود. فالملامح لا ترسم وفق الواقعية الإنسانية، بل وفق المعاني الروحية. الأنف الطويل يرمز إلى الصبر، والعيون الواسعة ترمز إلى اليقظة الروحية، والفم الصغير يرمز إلى الصوم والصلاة. كما تحمل الألوان معاني لاهوتية واضحة، فالأحمر يرمز إلى الألوهية، والأزرق يرمز إلى الإنسانية، أما الأبيض فيرمز إلى البعث والنور الإلهي. ولا يقتصر التزام فرح بالتقاليد على الرمزية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى المواد المستخدمة في صنع الأيقونة. وتستخدم تقنيات تقليدية يعود تاريخها إلى قرون مضت، باستخدام الأصباغ الطبيعية المستخرجة من التربة والنباتات، بالإضافة إلى صفار البيض والخشب والكتان. كما يرفض ما يعرف بـ”الشيخوخة الاصطناعية” للأيقونات، معتبرا أن الزمن وحده هو الذي يعطي الأيقونة تأثيرها الطبيعي ويترك بصماتها عليها. ويصف الفنان لحظات العمل على الأيقونة بأنها أقرب إلى حالة روحية خاصة، حيث يتحول الاستوديو إلى مساحة للصلاة والتأمل، مصحوبة في كثير من الأحيان بالترانيم والقراءات الروحية. وبحسب تعبيره فإن كتابة الأيقونة ليست مجرد عملية فنية، بل هي عمل صلاة، قائلا إن “من يكتب أيقونة كأنما صلى مرتين”. وإلى جانب أعماله الفنية، يسعى فرح إلى نقل هذا التراث إلى الأجيال الجديدة. ويشارك بالتعاون مع بطريركية الروم الملكيين الكاثوليك في الربوة، في تدريس هذا الفن البيزنطي ضمن معهد متخصص، في محاولة للحفاظ على هذا الإرث الفني والروحي ومواصلته. بهذا النهج الذي يمزج بين الفن والإيمان، يواصل جيروم فرح رحلته، واضعاً فرشاته في خدمة تراث عريق يرى فيه رسالة تتجاوز حدود الرسم، لتصبح جسراً بين الجمال والتأمل الروحي.



