لبنان – عنجر ليست عوكر… والذاكرة ليست تفصيلاً

اخبار لبنانمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
لبنان – عنجر ليست عوكر… والذاكرة ليست تفصيلاً

اخبار لبنان – وطن نيوز

اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-10 07:51:00

بين النفوذ الذي يمارس اليوم والوصاية التي حكمت بالأمس، تعود «عنجر» إلى الواجهة ليس مقارنة سياسية، بل كاختبار لذاكرة السيادة في لبنان، حيث لا يكفي استحضار الماضي… بل يجب فهمه بدقة. هناك كلمات في الحياة السياسية لا تقال كغيرها، كلمات تحمل تاريخاً كاملاً في حروف قليلة، وتثير أكثر مما تعلن. وكلمة “عنجر” هي واحدة منها. ترددت كثيراً قبل أن أكتب هذا المقال. البلد يغلي، والشعب يتعرض لضغوط يومية، وربما ليس هذا هو الوقت المناسب لاستحضار الماضي بكل مآسيه. ولكن، في مرحلة ما، شعرت أن هناك ما هو أقوى من هذا التردد؛ شيء يدفعني إلى الكتابة، ليس من باب الحنين، بل من الذاكرة، والذاكرة هنا ليست خيارا، بل مسؤولية. في بداياتي، لم تكن “عنجر” بالنسبة لي سوى اسم مكان جميل. كنت في عمر لم يسمح لي بفهم السياسة أو تفكيك علاقات القوة. كنت أسمع عبارات تتكرر: «فلان زار عنجر»، أو «قل له تعال تناول فنجان قهوة في عنجر». فكرت ببراءة أنهم يتحدثون عن قلعة عنجر، عن التاريخ والحجر والهدوء، عن لبنان الذي نحبه بالصور. لم أفهم حينها لماذا قيلت هذه الجمل بنبرة مختلفة، بشيء من الحذر وربما الرهبة. ولم أكتشف إلا لاحقاً أن “عنجر” لم تكن مكاناً بل مرجعاً؛ لم تكن دعوة لشرب القهوة، بل كانت دعوة إلى مركز قرار حيث رُسمت السقوف ورُسمت الحدود السياسية. عندما سمعت مؤخراً الرئيس نبيه بري يقول إن «عوكر اليوم يلعب دور عنجر»، لم أسمع مجرد مقارنة سياسية، بل استحضار ذكرى كاملة بكل ما تحمله من ثقل. على السطح، تبدو المقارنة بسيطة: التأثير الخارجي بالأمس والتأثير الخارجي اليوم. لكن في العمق، نحن أمام نموذجين مختلفين جذرياً في طبيعة السلطة وحدودها. لم تكن عنجر رمزاً للنفوذ السياسي العابر، بل كانت مركز القرار الفعلي في فترة الوصاية السورية، حيث لم تكن القرارات تناقش داخل المؤسسات اللبنانية بقدر ما كانت تصاغ خارجها وتمرر من خلالها. ولم يكن الخلل في تلك المرحلة مجرد خلل، بل كان انتهاكا مباشرا لجوهر السيادة. ولم يكن فرض الرؤساء استثناءً، ولم يكن تشكيل الحكومات نتيجة مفاوضات داخلية، ولم يكن البرلمان مساحة للتمثيل الحر، ولم تكن الأجهزة الأمنية مستقلة في قراراتها. فالدولة، بمعناها العميق، كانت تدار من خارجها. ولعل الأخطر من ذلك هو المناخ العام الذي حكم الحياة السياسية، حيث لم يكن الخلاف يدار ضمن قواعد ديمقراطية، بل يتم قمعه ضمن حدود محددة مسبقا، في ظل تاريخ ثقيل من الاغتيالات والترهيب وإسكات الأصوات، ما جعل السياسة نفسها يحكمها منطق الخوف، وليس منطق التعددية. في المقابل، وفي مقاربة أعمق للدور الأميركي في لبنان، يظهر البعد الشخصي أحياناً في تشكيل بعض الشخصيات الدبلوماسية، لا سيما عندما تكون من أصول. لبناني، كما هو حال السفير ميشال عيسى. ولا يمكن فصل هذا الانتماء تماماً عن طريقة قراءة الواقع اللبناني، البلد الذي تتشابك فيه السياسة مع الذاكرة الاجتماعية والهجرة القسرية التي طالت مئات الآلاف من العائلات. ومن هذا المنطلق، اكتسبت زيارة بكركي بعداً يتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، نظراً للوزن التاريخي الذي تمثله هذه المرجعية الروحية في الضمير اللبناني، وما تحمله من رمزية تتعلق بمسألة الاستقرار والحفاظ على ما تبقى من التوازن الداخلي. ورأى البعض في هذا الخطاب تقاطعاً بين هموم لبنانية عميقة واهتمام خارجي بمنع تفكك الدولة وتفاقم موجات الهجرة التي طالت عيسى ذات يوم. لكن على الرغم من هذا البعد الرمزي أو الثقافي، تبقى الحقيقة الأساسية أن العمل الدبلوماسي لا يدار بالانتماءات الفردية أو الذاكرة، بل بسياسات الدول ومصالحها. فالسفير، مهما كانت جذوره، لا يتحرك كامتداد لهوية محلية، بل كممثل لدولة صاحب قرار مستقل. إضافة إلى ذلك، لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة تمارس نفوذاً واضحاً في لبنان، وأن حضورها السياسي عبر سفارتها في عوكر يمتد إلى ملفات متعددة، من الاقتصاد إلى التوازنات الداخلية. إلا أن هذا التأثير، مهما عظم، لا يرقى في طبيعته إلى ما مثلته عنجر. الدولة اللبنانية لا تدار من عوكر، والسلطات الدستورية لا يتم تعيينها رسمياً من خلالها، والأجهزة الأمنية لا تتحكم في قراراتها المباشرة، ولم تعد الحياة اليومية للبنانيين مسيطراً عليها من خلال مركز خارجي واحد. الفرق هنا ليس في الدرجة بل في النوع. ما نشهده اليوم هو نفوذ يمارس ضمن توازنات معقدة، في حين أن ما مثلته عنجر هو سلطة مباشرة لا لبس فيها. إن الخلط بين هذه المستويات لا يضعف الحاضر فحسب، بل يشوه قراءة الماضي، لأن الذاكرة في بلد مثل لبنان ليست تفصيلاً بل هي جزء من تعريفنا للسيادة. فحين تختلط المفاهيم نجازف بمساواة ما لا يمكن مساواته، والتقليل من ثقل مرحلة لم تكن عادية في تاريخ البلاد. ومع ذلك، ليس من الممكن الوقوع في الوهم المعاكس. ولبنان، حتى اليوم، لا يعيش سيادة كاملة، بل يبقى ساحة تتقاطع فيها الإرادات الخارجية وتتقاطع فيها الحسابات الإقليمية والدولية. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: ليس في عنجر وحدها، ولا في عوكر، بل في غياب القدرة الداخلية على إنتاج قرار سيادي مستقل. ولذلك أقول بكل احترام: عذراً سيدي الرئيس، المقارنة غير مناسبة. ليس لأننا نقلل من خطورة أي تدخل خارجي، بل لأننا نعرف، من خلال التجربة وليس من التحليل فقط، ما تعنيه عنجر ونظام الأسد على وجه الخصوص، حليفكم الدائم. وفي النهاية، المسألة ليست دفاعاً عن حزب ولا مبرراً للنفوذ، بل هي دفاع عن فكرة يجب أن تظل واضحة: أن السيادة لا تقسم ولا تقاس بالمقارنات، بل تمارس. فالاستقلال، كما نص عليه الدستور، ليس شعاراً في الخطابة، بل قاعدة في الممارسة. إما أن نعيش في دولة قادرة على حماية قرارها، أو نواصل، في كل مرة، البحث عن اسم جديد لوصف ما لم يتغير.

اخبار اليوم لبنان

عنجر ليست عوكر… والذاكرة ليست تفصيلاً

اخر اخبار لبنان

اخبار طرابلس لبنان

اخبار لبنان الان

#عنجر #ليست #عوكر.. #والذاكرة #ليست #تفصيلا

المصدر – الصحافة – صوت بيروت إنترناشونال