اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-24 18:00:00
يتصدر التصعيد الإسرائيلي المتواصل ضد لبنان، في ظل الانتهاكات اليومية للسيادة والاستهداف المستمر. وفي مقابل هذا الواقع، يحتدم الجدل الداخلي حول الخطاب السياسي الرسمي وحدود فاعليته في التعامل مع هذا التصعيد، من منطلق المسؤولية الوطنية في الاقتراب من مرحلة حساسة للغاية. وفي هذا السياق، تشير مصادر سياسية مطلعة إلى أن خطاب رئيس الجمهورية جوزاف عون الأخير، وخصوصاً أمام السلك الدبلوماسي، كان محسوباً في لغته ومقصوداً في وجهته، مع تركيز واضح على مخاطبة الخارج واعتماد الهدوء خياراً لإدارة المرحلة. وبحسب هذه المصادر، فإن هذا الخطاب يندرج ضمن مقاربة تسعى إلى ضبط الإيقاع وتجنب توسيع دائرة الانفجار. لكن المشكلة، بحسب المصادر، لا تكمن في طبيعة الخطاب نفسه، بل في الفجوة بين مضمونه السياسي وما أنتجته الوقائع على الأرض، حيث يبدأ السؤال الفعلي عند ترجمة المواقف إلى نتائج ملموسة. المشكلة إذن ليست في اعتماد التهدئة كخيار، بل في تحولها إلى ممارسة أحادية لا تنتج حماية. فالالتزام، أي التزام، يفقد معناه السياسي عندما لا يكون جزءاً من معادلة متوازنة، وعندما لا يقابله التزام مماثل تجاه الطرف الآخر. من هنا يصبح السؤال منطقيا: هل السياسة المتبعة قادرة على فرض حدود على السلوك الإسرائيلي، أم يقرأها العدو على أنها مرونة فتحت شهيته لمزيد من الانتهاكات؟ وتشير المصادر إلى أن الأحداث الميدانية التي أعقبت هذا الخطاب لم تعكس أي تغيير في سلوك إسرائيل، بل كانت على العكس منه، مع تصاعد واسع في وتيرة الهجمات المسجلة. ويتطلب هذا التطور، بحسب المصادر ذاتها، طرح سؤال مباشر حول مدى فعالية النهج المعتمد، إذ يتحول الخطاب عمليا، في غياب عناصر الضغط أو التكاليف الواضحة على الطرف المعتدي، إلى هامش مفتوح للمناورة، بدلا من أن يكون سقفا رادعا قادرا على ضبط السلوك أو تعديل المعادلات. وبالتوازي مع التصعيد الميداني، ظهرت ردود فعل شعبية وإعلامية واسعة عكست مستوى مرتفعاً من الغضب والتوتر، كتعبير واضح عن شعور عام بأن الخطاب الرسمي بقي دون مستوى الهجوم. تصاعد. ومن هذا المنطلق، فإن هذه الردود لم تكن مجرد عاطفة عابرة، بل جاءت كنتيجة طبيعية لتراكم الأهداف واستمرار القصف، في ظل واقع أمني ضاغط وغياب أي مؤشرات ميدانية توحي بكبح العدوان الإسرائيلي أو تغيير مساره. وفي ظل هذا المناخ المشحون، برز ملف الاستدعاء القضائي بحق صحافيين وناشطين، كتطور إضافي ساهم في تعقيد المشهد، من خلال نقل النقاش من مستواه السياسي والإعلامي إلى المسار القضائي المباشر. وفي هذا السياق، أعاد هذا التحول، في توقيته وسياقه، فتح النقاش حول حدود التعامل مع التعبير العام، وحول التمييز الدقيق بين تنظيم الحق في التعبير وتقييده. تشكل حرية التعبير والصحافة، وفق القواعد الدستورية والقانونية، جزءاً لا يتجزأ من النظام العام الديمقراطي، ولا تدار، بحسب المصادر، بمنطق الردع المسبق أو توسيع دائرة المساءلة خارج أطرها المختصة. وحتى في حالات الاشتباه بوجود مخالفات إعلامية، يبقى القانون واضحا في تحديد السلطة الرقابية، إذ تحال قضايا النشر والرأي إلى محكمة المطبوعات، باعتبارها الجهة المختصة بالنظر في الأمور المتعلقة بالعمل الصحفي وحدوده، وليس إلى مسارات التحقيق العامة التي تحمل دلالات سياسية. ومن هنا فإن توسيع نطاق الاستدعاءات خارج هذا الإطار يثير مشكلة تتجاوز الأفراد المعنيين، لتؤثر على المناخ العام للحريات. إن معالجة أي مشكلة إعلامية عبر أدوات قضائية غير متناسبة، وفي لحظة توتر وطني، لا يسهم في ضبط الخطاب أو تصحيحه، بقدر ما يؤدي إلى تراكم التوتر ودفع النقاش إلى مجالات أكثر حدة. ولعل رفض سياسة تكميم الأفواه في هذا السياق لا يُطرح كاعتراض سياسي، بل كخيار دفاعي عن بنية الدولة نفسها ومعيار عملي لما يسمى «لبنان الجديد». لبنان الذي يقدم نفسه نموذجاً للحرية والديمقراطية، لا يستطيع إدارة التوتر الداخلي عبر تقييد التعبير أو توسيع نطاق الاستدعاءات. وبما أن حرية الصحافة والرأي شكلت تاريخيا أحد عناصر قوة هذا البلد، وبالتالي فإن أي مسار يفرض عليها قيودا يضع الخطاب الرسمي عن الدولة الحديثة في تناقض مباشر ويحول إدارة الخلاف من عمل سياسي إلى إجراء يشوش صورة الدولة أكثر مما يحصنها. في الختام، من الصعب التعامل مع هذه الملفات كمسارات منفصلة. خطابات التهدئة واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية والغضب الشعبي والاستدعاءات القضائية، كلها تتقاطع في مشهد سياسي واحد يعكس حدود النهج المعتمد. المطلوب ليس رفع السقوف أو إضعاف المؤسسات، بل إعادة تقييم أدوات إدارة هذه المرحلة، بما يسمح بفرض الأعباء على الطرف المعتدي من جهة، ويمنع التضييق غير المبرر لمساحة النقاش الداخلي من جهة أخرى. إن الدولة القادرة لا تقاس بقدرتها على التحكم في الخطاب، بل بقدرتها على حماية سيادتها وإدارة الاختلاف ضمن أطر سياسية وقانونية واضحة.


