اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-21 11:30:00
لم يكن نهائي كأس العالم بين إسبانيا والأرجنتين مجرد مواجهة كروية على اللقب. وقبل إطلاق صافرة البداية، كانت إسرائيل قد دخلت على خط المباراة باصطفاف سياسي صاخب إلى جانب ميسي ومنتخبه، مما دفع المشهد نحو انقسام تجاوز حدود الرياضة. ما كان من المفترض أن يكون منافسة كروية بين فريقين، تحول إلى ساحة للرموز والمواقف والاصطفافات، بعد أن دفعت إسرائيل بثقلها السياسي إلى الساحة وحاولت جعل فوز الأرجنتين انتصارا رمزيا لنفسها أيضا. وربما كان الاصطفاف الإسرائيلي العلني مع الأرجنتين، وخاصة خلف ميسي، قد غيّر المزاج المحيط بالمباراة بسرعة. ومع المواقف المتلاحقة لشخصيات إسرائيلية بارزة الداعمة للمنتخب الأرجنتيني، تجاوز الانقسام التشجيع الكروي، وبدأت السياسة تفرض نفسها على خيارات الجمهور. المباراة التي جمعت فريقين يتنافسان على اللقب، حملتها المواقف الإسرائيلية إلى مواجهة رمزية لم يخترها اللاعبون ولا الجماهير، لكنها أجبرت الكثيرين على إعادة تحديد موقفهم فيها وفق حسابات لا علاقة لها بكرة القدم. وزاد من حساسية هذا الاصطفاف التقارب الوثيق بين الحكومة الإسرائيلية والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي اتخذ منذ وصوله إلى السلطة مواقف منحازة بشدة تجاه إسرائيل، وهو ما أعطى الضيافة الإسرائيلية للأرجنتين أهمية سياسية أكبر في الوعي الشعبي، وجعل الموقف من المباراة يتأثر بشكل متزايد. مع الخلفية السياسية المحيطة به. وبدأ تأثير هذا المشهد يظهر بوضوح على الجمهور نفسه، حيث وجد بعض المشجعين الأرجنتينيين أنفسهم مضطرين إلى التأكيد على أن دعم ميسي أو الانحياز إلى فريق تاريخي لا يضعهم في الفئة الإسرائيلية، ولا يعني تبني مواقف ميلي أو نتنياهو. في المقابل، تحرك كثيرون ممن لم تكن إسبانيا خيارهم الكروي الأول، لتأييدها، بعد أن دفعهم انحياز إسرائيل الصارخ للأرجنتين نحو الجانب الآخر. وهكذا تحول الاختيار الرياضي لشريحة كبيرة من الجمهور إلى انحياز يحكمه الموقف السياسي أكثر من كرة القدم. وهكذا نجحت إسرائيل في خلق انقسام تجاوز بكثير حدود المنافسة بين فريقين، وحوّل الفارق الطبيعي في الدعم الرياضي إلى مواجهة سياسية حادة بين جمهورين لم يكن من المفترض أن يجمعهما سوى كرة القدم. انقسام امتد إلى مواقع التواصل الاجتماعي والمقاهي والتجمعات التي كانت مساحة للفرح والمنافسة، وظهرت معه اتهامات قاسية وصلت إلى حد وصف المشجعين الأرجنتينيين بـ”الصهاينة”. وهو اتهام، وإن كان ظالما، لكنه يكشف حجم الضرر الذي أحدثه تورط إسرائيل في المشهد، لدرجة أن مشجع كرة قدم اضطر لتبرير خياره الرياضي وكأنه يعلن موقفا سياسيا، في مشهد يلخص كيف يمكن للسياسة أن تفسد حتى أكثر المساحات قدرة على جمع الناس. في المقابل، حملت إسبانيا في الأصل رمزية مختلفة للجمهور العربي والمؤيد للفلسطينيين، بعد أن راكم موقفها من الحرب على غزة حضورا سياسيا ملحوظا داخل أوروبا، بدءا من الاعتراف بدولة فلسطين والمواقف الحادة التي تبنتها حكومة بيدرو سانشيز، وصولا إلى الإجراءات والضغوط التي طالت العلاقة مع إسرائيل، مما أعطى مدريد مكانة رفيعة لدى شريحة واسعة من الجمهور، وجعل اسم إسبانيا مرتبطا بصوت أوروبي خرج بشكل واضح عن الموقف التقليدي تجاه القضية الفلسطينية. قضية. ولم تقتصر العوامل التي عززت هذه الصورة على المسافة بين مدريد وتل أبيب، إذ أضاف التوتر الأخير بين إسبانيا وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدا سياسيا آخر، بعد أن واجهت مدريد انتقادات وضغوطا أميركية على خلفية مواقفها واختياراتها. وهكذا، دخلت إسبانيا المباراة وهي تحمل، خارج المستطيل الأخضر، صورة الدولة التي اختارت، في ملفات أساسية، رفع سقف موقفها، في وقت ظلت العواصم الغربية الأخرى أسيرة لحساباتها وتحالفاتها السياسية. ولهذا لم يكن مفاجئاً أن تتحول إسبانيا ليلة المباراة النهائية إلى «صوت فلسطين» لدى شريحة واسعة من الجمهور، بعد أن قوبلت المواقف التي راكمتها مدريد خلال الحرب على غزة بأصوات من داخل المنتخب الوطني نفسه أعربت عن دعم القضية الفلسطينية ورفض الإبادة الجماعية، إضافة إلى رفع العلم الفلسطيني في أكثر من فعالية. مناسبة تدخل إسبانيا في النهائي برمزية سياسية وشعبية جعلت الانحياز إليها، بالنسبة للكثيرين، خارج حسابات كرة القدم. على الجانب الآخر من المشهد، لم يكن الدعم الإسرائيلي الصاخب لميسي والأرجنتين هو الشيء الوحيد الذي أثر على نظرة قطاع من الجمهور نحو النهائي، إذ دخل النجم الأرجنتيني المباراة محاطا بجدل آخر رافق مسيرة بلاده في البطولة. الحديث عن المعاملة التفضيلية للنجم الأرجنتيني والقرارات التي تصب في مصلحة منتخبه لم يقتصر على جمهور غاضب على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحول إلى نقاش شارك فيه متخصصون ومحللون رياضيون، وبلغ ذروته بعد مباراة مصر وما رافقها من اعتراضات على القرارات التحكيمية. ورغم أن هذا الجدل لم يستند إلى أدلة تثبت وجود قرار مسبق بمنح ميسي البطولة، إلا أنه عكس مدى الشكوك التي تراكمت حول المعاملة التي تلقاها النجم الأرجنتيني قبل الوصول إلى النهائي. ومع تراكم هذه الصورة، بدأ قسم من الجمهور يتعامل مع خسارة الأرجنتين على أنها أكثر من مجرد نتيجة كروية، إذ اعتبرها إسقاطا لرهان واضح يحيط بميسي، سواء من شخصيات إسرائيلية تراهن على فوزه، أو من انطباع واسع النطاق بأن الفيفا نفسه منح النجم الأرجنتيني مساحة استثنائية طوال البطولة. لذلك، أراد الكثيرون نهاية مختلفة عن تلك التي بدا أنها تتجه نحو تتويج ميسي في نهاية مسيرته في كأس العالم، بينما كان السياسيون الإسرائيليون يترقبون هذا الفوز باعتباره مكسبا معنويا يمكن إدراجه في رواية أوسع تسعى إسرائيل من خلالها إلى ترسيخ صورة نفوذ تمتد من السياسة والاقتصاد إلى الثقافة والفن والرياضة، ليتحول انتصار من تدعمهم إلى دليل إضافي تستخدمه لتأكيد حضورها وقدرتها على فرض نفسها في مختلف الساحات كمكسب معنوي يمكن إضافته إلى الصورة. من التأثير الذي يحرص عليه. لإدامتها في كل ساحة. لكن هذه الصورة التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها ترد اليوم بنتيجة معاكسة تماماً. إسرائيل التي راكمت خلال حربها على غزة وهجماتها على لبنان مخزونا هائلا من الغضب الشعبي نتيجة القتل والدمار والحصار والإبادة وسياسات التهجير والحرق التي ارتبطت بآلتها الحربية، تواجه الآن نفورا يتجاوز حدود المنطقة ويجمع شعوبا مختلفة في أوطانها وأديانها وانتماءاتها. وهكذا يصبح الفريق الذي تراهن عليه موضع حساسية، والفنان الذي تحتفي به موضع جدل، والشخصية التي تعلن دعمها مرفوضة تماماً من شرائح واسعة، في انعكاس واضح لمدى العزلة الشعبية التي خلقتها جرائمها، عزلة بات توسعها يفرض تكلفة سياسية حقيقية، ويضع حتى الدول الكبرى والحكومات الحليفة أمام حرج متزايد في مواجهة الرأي العام. في النهاية خسرت الأرجنتين، لكن الاحتفال بخسارتها بين قطاع عريض من الجمهور لم يكن موجها ضد فريقها أو لاعبيها أو شعبها، بقدر ما عبر عن سقوط الأرجنتين. وربطت كل الروايات فوزها بانتصارات أبعد من كرة القدم. ومع فوز إسبانيا، شعر كثيرون أنهم كسروا الاصطفاف الإسرائيلي خلف ميسي، وخرجوا منتصرين من معركة رمزية لم يختاروها أصلا، بل اصطنعتها إسرائيل عندما ألقت بنفسها في لعبة كان من المفترض أن تجمع الناس. في ليلة أراد البعض أن تكون تتويجا لصورة إسرائيل الحاضرة والمنتصرة في كل ساحة، جاءت النهاية معاكسة تماما، وجاء معها النصر الذي حاولت فيه إسرائيل أن تحجز لنفسها مكانا قبل أن يتحقق.



