اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-27 14:24:00
والطريف أن العناوين التي نقرأها في الصحف منذ عقود عن المشاعات ومشاكل قانون الإيجارات والحدود المفتوحة وأزمات النظام العقاري والنظام السياسي… لا تزال على حالها، دون أي تقدم ملموس. نفس الصراعات، ونفس المخاوف، ونفس الخلافات، وكأن التاريخ يعيد نفسه على الورق، بينما أرض الشعب الحقيقية تحت تهديد مستمر. التعميم الذي أصدره وزير المالية ياسين جابر بتاريخ 25 شباط 2026 (من دون نشر رقمه رسمياً في البيان المتداول) أعاد فتح ملف المشاعات في جبل لبنان على مستوى وطني حساس. التعميم الذي يفرض تسجيل العقارات غير المساحية والمشاعة باسم الدولة أولاً قبل أي نقل لاحق، يمنع المخاتير من إصدار بيانات “علم ومعلومات” عن هذه العقارات، ويقصر التحقق من ضبط الحيازة على القاضي العقاري، كخطوة تنظيمية لضبط المخالفات. إلا أن تأثيرها يتجاوز الإطار الإداري إلى عمق البنية التاريخية للملكية في الجبل. وبحسب المؤرخ والباحث الدكتور عصام خليفة، فإن المشاعات هي ثلاثة أنواع واضحة: مشاعات للشعب، ومشاعات للبلديات، ومشاعات للدولة. وهذا التصنيف ليس مجرد اختلاف عددي، بل يعكس نظاماً تاريخياً دقيقاً يضمن استمرارية القرى ويؤمن احتياجاتها اليومية. ويحصد منه الحطب، وترعى منه الماشية، وتقوم عليه دورة حياة اقتصادية واجتماعية متكاملة. ولم تكن فلسفة المشاعات في يوم من الأيام مجرد تنظيم عقاري، بل كانت نظام حماية اجتماعية سبق قيام الدولة الحديثة. ومن هنا ينبع القلق. تسجيل المشاعات باسم الدولة، ولو تحت عنوان التنظيم المؤقت، يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام خطوة إدارية فنية، أم أننا أمام إعادة تعريف للملكية الجماعية للأراضي؟ ويُستشهد بالتجربة في الجنوب كمثال تحذيري. وعندما دخلت السياسة إلى المشاعات هناك، تم توزيعها ضمن التوازنات الحزبية، وتأسست التأثيرات طويلة المدى. فالأرض، عندما تدخل في لعبة السلطة، تتحول إلى أداة سيطرة. ومن يشوه الجغرافيا يشوه التاريخ. وفي هذا السياق، كتب الدكتور فارس سعيد على منصة “X”، “حذرت من مذكرة الوزير علي حسن خليل بتاريخ 31-12-2015، صدر اليوم تعميم من الوزير ياسين جابر مكمل لمذكرة علي حسن خليل، مشاعات جبل لبنان التي هي ملك لأهالي قرى جبل لبنان أصبحت باسم الجمهورية اللبنانية والقوى السياسية تناقش الانتخابات. ملكية المحفظة العقارية تقوض معنى لبنان”. وهذا الموقف يضع التعميم في سياق سياسي يتعلق بالقرار. وسابقاً في العام 2015، اعتبر أن نقل الملكية إلى اسم الجمهورية اللبنانية يغيّر جوهر «المحفظة العقارية» لجبل لبنان. ويتردد في التداول السياسي والإعلامي أن هناك مراجعات وضغوطات قد تدفع الوزير الحالي إلى التراجع عن قراره، مع الحديث عن تحركات لأطراف سياسية وروحية، بينها الرابطة المارونية. ومع ذلك، لم يتم تأكيد أي انخفاض محتمل رسميًا بعد. مشاع تنورين تمثل نموذجاً دلالياً: مساحة تقدر بحوالي ثلث قضاء البترون، ورئة تنمية للمنطقة. ويمكن لهذه الأراضي أن تحتضن مشاريع زراعية وبيئية وسياحية تضمن بقاء أهلها هناك. إن نقلها إلى الملكية المركزية دون ضمانات واضحة لمشاركة المجتمع المحلي في قراره التنموي يُفهم على أنه تغيير في ميزان القوى على الأرض. ومن الناحية القانونية، لا يمكن للقرار الإداري أن يغير طبيعة الملكية الجماعية التاريخية دون أساس تشريعي واضح. وإذا صدر مرسوم بتكريس هذا التحول، يصبح الطعن أمام مجلس شورى الدولة خياراً مشروعاً، ويمكن لعشرة نواب أن يبادروا إلى إعادة النظر في الإلغاء إذا ثبت تجاوز حد السلطة أو انتهاك الحقوق المكتسبة. ولكن بعيداً عن القانون، فإننا نواجه لحظة سياسية حساسة. تتطلع القوى السياسية إلى الانتخابات المقبلة، وتتحول القضايا الحساسة في مثل هذه المواسم إلى أدوات تعبئة وشعبوية. والخطورة هي أن تتحول المشاعات إلى مادة في سوق انتخابي: تستخدم لإثارة المخاوف أو تسجيل المواقف، في حين أن جوهر القضية هو حماية نظام الملكية الجماعية المتجذر في التاريخ اللبناني. المشاعات ليست فائضاً عقارياً لتغطية عجز مالي، ولا بطاقة ضغط ظرفية. وهي محمية القرى، وذاكرة الأرض، وأحد ركائز التوازن اللبناني. وأي تغيير في ملكيته دون إجماع وطني وضمانات دستورية راسخة لن يكون مجرد تنظيم إداري، بل خطوة تمس هوية الكيان نفسه. وفي لحظة تتنافس فيها الشعارات، يبقى السؤال الأساسي: هل نريد دولة تنظم وتحمي، أم دولة تعيد تعريف ملكية الناس باسم التنظيم؟ المشاعات ليست أرقاماً على الورق، ولا أدوات مالية لتغطية عجز الدولة. وهي محمية القرى، وذاكرة الأرض، ورافعة استقرار المجتمع المحلي. ومن يغير ملكيتها من دون ضمانات واضحة ومشاركة الشعب لا يغير القانون فقط، بل يغير ميزان الجغرافيا والتاريخ وهوية لبنان نفسه. ومع اقتراب موسم الانتخابات، يصبح الحفاظ على هذه المساحات اختبارا حقيقيا لمقاومة الشعبوية والضغط السياسي على الأرض، لأنه عندما تستخدم الأرض كورقة انتخابية، يفقد المجتمع المحلي حقه في تقرير المصير، وتضيع هوية المكان الذي صاغته الأجيال بحياتهم وأعمالهم.



