اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-04 17:01:00
وتعكس التطورات الأخيرة في الجنوب تحولاً مهماً، مع تقدم أدوات منخفضة التكلفة وعالية المرونة لتأكيد نفسها ضمن معادلة عسكرية اعتمدت لفترة طويلة على التفوق الجوي والتكنولوجي كعنصر حاسم. وفي هذا السياق، تظهر الطائرات المنقضة كعنصر اهتمام متزايد في الخطاب الإسرائيلي، ليس كإضافة هامشية إلى ترسانة الخصم، بل كظاهرة عملياتية تعطل أنماط المواجهة القائمة. إن التقنيات التي تتجاوز فعالية أنظمة التشويش التقليدية وتعمل خارج نطاق الكشف المعتاد تمثل لأنظمة الدفاع نوعًا مختلفًا من التحدي. ومع تداخل الجبهات وإعادة صياغة الأولويات العسكرية، تنتقل المناقشات داخل إسرائيل من مستوى الردع العام إلى مستوى القدرة على التكيف مع التهديدات غير النمطية، في ظل إعادة توزيع الموارد العسكرية وحركة أو نقل الألوية من لبنان إلى غزة، وهو ما يعكس بدوره حالة التأهب المستمرة. ويقول الخبير الاستراتيجي بهاء حلال إن قراءة نقل الألوية الإسرائيلية من الجبهة اللبنانية إلى غزة، في ظل ضغط الخسائر الناجمة عن المسيرات الهجومية، تتطلب التمييز بين الأولوية العملياتية المباشرة والأولوية الاستراتيجية طويلة المدى. وعلى المستوى العملياتي، قد يعكس هذا النقل الحاجة الملحة إلى إعادة تعزيز جبهة غزة إذا كانت هناك معارك برية مكثفة أو أهداف لم يتم حسمها بعد. ويفرض القتال في المناطق الحضرية في غزة إنفاقاً كبيراً للقوات ويتطلب وحدات مناورة جاهزة، مما يدفع إلى انسحاب بعض الألوية من الشمال إذا اعتبر أن مستوى التهديد هناك يمكن احتواؤه مؤقتاً بوسائل أخرى مثل القوة الجوية والاستخبارات وأنظمة الدفاع الجوي. وبهذا المعنى يمكن القول أن هناك عرضاً مؤقتاً لغزة كأولوية قتالية نشطة. لكن استراتيجياً، تبقى الجبهة اللبنانية التهديد الأخطر، نظراً لقدراتها الصاروخية والنوعية واتساع مسرح العمليات. لذلك، يرى العميد حلال أنه من غير المرجح أن تكون عملية النقل تعبيراً عن تراجع حقيقي في أهميتها. إن ما يحدث أقرب إلى إعادة توزيع السلطة وفق مبدأ «اقتصاد القوى»، أي الإبقاء على الحد الأدنى من الردع في الشمال مقابل تركيز القوة على الجبهة الأكثر اضطراباً في الوقت الراهن. أما بالنسبة لتأثير الطائرات بدون طيار الهجومية، فهو عامل مهم. وإذا فرضت هذه الوسائل خسائر ملموسة، فإنها قد تدفع، كما يقول حلال، إلى الحاجة إلى تعديل الانتشار، أو تقليل التمركز المكشوف، أو سحب الوحدات لإعادة تنظيم تكتيكاتها الدفاعية وتكييفها. وهذا لا يعني الانسحاب تحت الضغط بقدر ما هو تكيف تكتيكي مع تهديد متغير. في ضوء ذلك، إلى أي مدى يمكن اعتبار غزة مخرجاً لإسرائيل من مأزقها في جنوب لبنان؟ وبحسب العميد حلال، إذا كان المقصود أن غزة تشكل «مخرجاً» لإسرائيل من خلال نقل ألوية من جنوب لبنان، فمن الأدق عسكرياً أنها مخرج تكتيكي مؤقت لإدارة الضغوط، وليس حلاً استراتيجياً للمأزق في الشمال. ويمكن فهم انسحابها ضمن منطق إعادة التموضع، لجهة تخفيف الاحتكاك المباشر على جبهة مكلفة (جنوب لبنان)، حيث تتعرض القوات لضغوط مستمرة، بما في ذلك تهديد الطائرات المسيرة والنيران الدقيقة، ونقل جزء من هذه القوات إلى ساحة تعتبر أكثر قابلية للسيطرة النسبية من حيث إيقاع العمليات (غزة). وبهذا المعنى، توفر غزة «صمام تنفيس» يسمح بتخفيف الخسائر المباشرة وإعادة تنظيم الوحدات، وربما تدويرها بعد استنفادها. لكن هذا لا يرقى إلى كونه مخرجاً بالمعنى الحاسم. أولاً، التهديد في الشمال لا يختفي بانسحاب الألوية، بل يبقى حاضراً، وأي تقليص للحشد قد يفسر على أنه فرصة سانحة للخصم. ولذلك، تحرص إسرائيل عادة على الحفاظ على الحد الأدنى من الردع: القدرات الجوية، والاستخبارات، والدفاعات، وقوات الاحتياط التي يمكن تعبئتها بسرعة. ثانياً، إن نقل العبء إلى غزة يعني تغيير شكل الاستنزاف، وليس إنهائه. ويستهلك القتال في المناطق الحضرية الموارد البشرية واللوجستية ويحد من حرية المناورة، وهو ما قد ينعكس على الاستعداد لأي تصعيد واسع النطاق في الشمال. ثالثاً، هناك بعد الرسالة، إذ قد يهدف تركيز العمليات في غزة إلى تحقيق إنجاز عملياتي (رمزي) يعزز الردع ويستعيد زمام المبادرة، مع تعديل الجبهة الشمالية لتجنب حرب متعددة الجبهات. وبينما يتحدث البعض عن وقوع إسرائيل في «فخ استراتيجي» في لبنان، يرى العميد حلال أن هذا التوصيف مبالغ فيه جزئياً، إذ إن ما تواجهه إسرائيل أقرب إلى مأزق عملياتي مكلف، وليس «فخاً» مغلقاً. إن نجاح المسيرات الهجومية في إحداث الخسائر يرفع تكلفة البقاء ويقيد حرية الحركة، لكنه لا يلغي التفوق الإسرائيلي في مجالات أخرى مثل الاستخبارات والقوات الجوية والاحتياط. لقد عدلت المسيرات القواعد أكثر مما أحدثت “ثورة كاملة”، إذ رفعت حساسية الانتشار الثابت، وخفضت عتبة إلحاق خسائر نوعية بتكلفة منخفضة، ودفعت إلى المرونة والانتشار اللامركزي، وهو تحول مهم في السلوك القتالي. وفي هذا السياق، تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن مشروع مواجهة الطائرات بدون طيار، المتمثل بنظام دفاعي جديد. وبحسب قراءة العميد حلال العسكري فإن المشروع خطير للغاية لأن التهديد فعال ومتصاعد. ولكن الحل لا يكمن في نظام واحد، بل في طبقات: الإنذار المبكر، والحرب الإلكترونية، والدفاع عن النقاط قصيرة المدى، وتكتيكات الانتشار الجديدة. الوقت عامل حاسم. من الممكن إجراء تحسينات تدريجية بسرعة، ولكن تحييد التهديد على نطاق واسع يتطلب وقتًا أطول وتكيفًا مستمرًا. وعليه، فإن الأهداف الواقعية لإسرائيل جنوب الليطاني، بحسب العميد حلال، تكمن في إزالة التهديد المباشر عن الحدود (تقليل الوجود المسلح وقواعد النيران القريبة)، وتقليل كثافة النيران القصيرة والمتوسطة المدى، وفرض معادلة ردع جديدة تعيد حرية العمل على الحدود، وترتبط أحيانًا بهدف سياسي أمني تكميلي يتمثل في تهيئة الظروف لعودة السكان إلى البلدات الحدودية. ولكن هل تستطيع إسرائيل الانسحاب من دون تحقيق هذه الأهداف؟ يجيب العميد الحلال: نعم، لكن بثمن يتمثل في تآكل الردع وصورة محدودة من الإنجاز، إذ قد تلجأ إلى خروج مرحلي مشروط (ترتيبات، رقابة، تفاهمات غير مباشرة) إذا ارتفعت التكلفة، مع التعويض عبر ضربات عن بعد للحفاظ على الردع.

