اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-15 16:00:00
إن قرار عودة سعد الحريري إلى الحياة السياسية بعد أربع سنوات من التوقف ليس مجرد قرار شخصي، كما أنه ليس تحركاً حزبياً داخلياً يخص تيار المستقبل وحده. إنها لحظة سياسية حاسمة تعلن نهاية مرحلة كاملة في التوازنات اللبنانية، وبداية مرحلة جديدة عنوانها إعادة تشكيل السلطات داخل الشارع السني، وربما إعادة تشكيل جزء من النظام السياسي نفسه عبر شعارات مرفوعة في الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال الرئيس رفيق الحريري. وأهم هذه الشعارات تطبيق اتفاق الطائف كاملاً ومن دون محاباة، والمشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة، لبنان أولاً، بجيش واحد وسلاح واحد، وبعلاقات متينة مع الدول العربية، وخصوصاً مع سوريا الجديدة. منذ توقف العمل السياسي في 24 كانون الثاني/يناير 2022، دخلت الساحة السنية في حالة تشرذم غير مسبوقة. ولم يكن هذا التشتت تنظيمياً فحسب، بل كان أخلاقياً أيضاً. ونتيجة تشتت الصوت السني وانخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة، تحولت الكتلة التصويتية إلى كتلة صامتة وليس كتلة محتجة، رغم الجهود الفردية التي بذلها الرئيس نجيب ميقاتي في أصعب الأوقات لتجنيب لبنان المزيد من الخسائر وتقليل أضرارها. اليوم، مع عودة الحريري، قد ينتهي زمن الصمت. ما يحدث ليس حزباً يستعيد دوره، بل هو محاولة لإعادة تجميع قوة انتخابية كانت منقسمة ومحبطة. وهذا العامل وحده قد يكون كافيا لإحداث تغيير ملموس في ميزان الانتخابات المقبلة. لكن قراءة العودة من زاوية داخلية فقط تبقى قراءة ناقصة. لم يكن الحريري أبداً لاعباً محلياً بحتاً، بل كان دائماً جزءاً من معادلة إقليمية أوسع. لقد كان لبنان تاريخياً ساحة للتوازن بين المحاور، وأي تحرك كبير داخله يعكس بالضرورة تحولات خارج حدوده. وفي هذا السياق تبدو العودة مرتبطة بتغير المناخ الإقليمي. العلاقة بين السعودية ولبنان تمر بمرحلة إعادة تقييم، وليس قطيعة. والرياض، التي انسحبت نسبياً من التفاصيل اللبنانية خلال السنوات الماضية، تبدو اليوم أقل حدة في نهجها، وأكثر ميلاً إلى إدارة النفوذ بدلاً من الانسحاب الكامل. في المقابل، لا يمكن فصل هذه العودة عن موقع إيران في المعادلة اللبنانية. وخلال سنوات الفراغ، نجحت طهران في ترسيخ نفوذ حلفائها دون أي مقاومة سياسية سنية منظمة. عودة «المستقبل» تعني إعادة إدخال عنصر التوازن إلى اللعبة، ليس بالضرورة من خلال المواجهة المباشرة، بل من خلال إحياء الحياة السياسية ضمن بيئة كانت شبه منسحبة. وهذا بحد ذاته تعديل لقواعد التعامل السياسي الداخلي. دولياً، تغير المزاج الدولي تجاه لبنان من منطق الحلول الكبرى إلى منطق إدارة الانهيار. ولم تعد العواصم الغربية تبحث عن تسويات تاريخية، بل عن حد أدنى من الاستقرار يمنع الفوضى. في هذا السياق، تبدو عودة اللاعب التقليدي القادر على السيطرة على جزء من الشارع عامل طمأنينة وليس عامل مواجهة. إن المجتمع الدولي يفضل التوازنات المعروفة على الفراغ المفتوح. انتخابياً، ستفرض هذه العودة إعادة رسم الخرائط قبل فتح صناديق الاقتراع. القوى التي استفادت من الغياب ستفقد جزءاً من مساحتها. المستقلون الذين بنوا وجودهم على الفراغ سيجدون أنفسهم في مواجهة منافس مركزي. فالتحالفات التي تشكلت على أساس غياب الحريري سوف تحتاج إلى إعادة التفاوض من الصفر. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في العودة نفسها، بل في شكل هذه العودة. هل يعود «المستقبل» بنفس الخطاب الذي سبق الانسحاب؟ أم يعود برسالة مراجعة وتجديد؟ الجمهور الذي صمت أربع سنوات ليس هو نفس الجمهور الذي كان في عام 2018. فالأزمة الاقتصادية وانهيار الدولة وتغير المزاج الشعبي فرضت شروطاً جديدة على أي قيادة سياسية. النجاح لن يكون في استعادة الماضي، بل في القدرة على تقديم صيغة مختلفة للمستقبل. لذلك، تمثّل عودة الحريري اختباراً مزدوجاً، اختباراً لقدرته على لم شمل بيئته، واختباراً للنظام اللبناني نفسه في استقبال لاعب مركزي بعد تجربة طويلة من الغياب. وإذا نجحت هذه العودة في إنتاج توازن سياسي جديد، فقد نشهد برلماناً مختلفاً في الشكل والوظيفة. أما إذا تحول إلى مجرد ترميم شكلي، فسنواجه إعادة تدوير للأزمة لا أكثر. هذه العودة إذا لم تأخذ الواقع السياسي جدياً في الاعتبار ستكون عودة فولكلورية، وإذا لم تأخذ العبر من تجارب الماضي ستكون عودة ناقصة، وإذا لم تأخذ في الاعتبار القادة الذين عملوا بصمت وحافظوا على الحد الأدنى من مكونات الدولة ستكون عودة جزئية، وإذا لم تضعوا خلافات الماضي جانباً ستكون عودة مبتورة، وإذا لم تتعاملوا مع الحاضر والمستقبل بعقلية مختلفة ستكون تكون عودة رسمية. في كل الأحوال، الأكيد أن الانتخابات المقبلة لن تشبه سابقتها بعودة لاعب أساسي من التشكيل اللبناني، لا سيما وأن الميدان السياسي اللبناني بدأ يستعد لجولة مختلفة تماماً.


