موريتانيا – شرف العمل ووصمة الحرفة

أخبار موريتانيامنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
موريتانيا – شرف العمل ووصمة الحرفة

اخبار موريتانيا – وطن نيوز

اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-06 16:33:00

إن الاستهزاء بالحرفيين ليس مجرد سلوك عرضي في حياة المجتمعات. بل هي ظاهرة متجذرة عبر التاريخ، تتغير أشكالها لكن حقيقتها تبقى كما هي: خلل في ميزان القيم، حيث يُعطى المظهر الأولوية على الجوهر، والمكانة الاجتماعية المتخيلة تُفضل على العمل الإنتاجي. وجاء المفهوم الإسلامي ليعيد ترتيب هذا التوازن، لكن يبقى التناقض قائما بين ما قرره الوحي، وبين ما استقر في الواقع الاجتماعي في العصور القديمة والحديثة، وحتى ما أعاد إنتاجه بأشكال أكثر تعقيدا، بما في ذلك تحويل الحرف نفسها إلى أنساب اجتماعية تتوارث وتستذكر حتى بعد التوقف عن ممارستها. وعندما نستقرئ مسار التاريخ، يتبين لنا أن النظرة الدونية للحرف لم تكن مقتصرة على بيئة دون أخرى. بل ظهرت في حضارات متعددة، وظهرت بشكل أوضح في العصور الوسطى وما قبلها، حيث ترسخت الهياكل الطبقية، وأقيمت الحواجز بين «النبلاء» و«عامة الناس». في العديد من المجتمعات الزراعية والإقطاعية، كان يُنظر إلى العمل اليدوي على أنه أمر يليق بالطبقات الدنيا، بينما كان الشرف حكراً على القيادة أو الملكية أو العلم النظري، وهكذا أصبح الحرفي، رغم ضرورته، خاضعاً لنوع من الاحتقار الضمني أو الصريح، ولم تكن هذه النظرة منفصلة عن التصورات الفلسفية القديمة، التي رأت في العمل اليدوي انشغالاً “أدنى” يعيق التأمل أو الإتقان. وقد اجتمع البعد الثقافي مع البعد الاجتماعي لينتج هذا التصور المشوه. وإذا انتقلنا إلى البيئة العربية في عصر الجاهلية نجد أن المعيار السائد للتقدير الاجتماعي كان يقوم على النسب والقوة والزعامة القبلية، وهو ما أنتج بدوره نوعاً من التمييز بين الوظائف. ولم تكن جميع الحرف موضع استهتار، لكن بعض المهن المرتبطة بالخدمة أو الجهد البدني قوبلت بنظرة أقل، خاصة إذا ارتبطت بالانتماء القبلي الضعيف. وقد تجلى ذلك في بعض الأشعار والأمثال التي تعظم أهمية المروءة والكرم، وتتجاهل قيمة العمل. حرفياً، أو جعلها أقل مرتبة، فيشتق “الإكرام” من الأصل لا من الفعل. ثم يأتي التصحيح القرآني في قصة نوح عليه السلام، حيث تظهر السخرية في أوضح صورها: “ويصنع سفينة، وكلما مر به ملأ من قومه سخروا منه”. ومشهد نبي يصنع سفينة بيديه، ويقابل بالسخرية، يكشف عن عقلية ترى العمل اليدوي مدعاة للسخرية إذا لم يتناسب مع تصوراتها، لكن القرآن يعكس هذا المنطق، ليبين أن الحرفة كانت سبب النجاة، وأن السخرية كانت علامة الجهل بالعواقب، وأن القيمة الحقيقية ليست في نظر المجتمع، بل موافقة للحق. وفي العهد النبوي، تجسد هذا التصحيح في الواقع العملي. ولم يعد العمل اليدوي محل ذم، بل أصبح علامة كرامة. وقد ثبت أن أفضل الكسب ما عمل باليد، وأن الأنبياء أنفسهم كانوا يعملون الصناعة. كان داود عليه السلام يصنع الدروع، وكان زكريا نجارا، وموسى راعيا، في إشارة واضحة إلى أن الحرفة لا تقلل من قيمة صاحبها، بل قد تكون طريقا إلى كمال الإنسان. كما تجلى التقدير العملي للعمل في المواقف النبوية التي تشيد بأثر الكدح على اليد، وربط الجهد. والكرامة. لكن هذه البنية القيمية لم تمنع، في مسارات تاريخية لاحقة، من عودة بعض الممارسات التي تعيد إنتاج التمييز، لكن بأشكال مختلفة، أخطرها تحول الحرف من مجرد أعمال إلى «هويات موروثة». وفي بعض المجتمعات، لم تعد الحرف اليدوية مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبحت يتم الاستشهاد بها باعتبارها نسبًا اجتماعيًا يرتبط بالأفراد وأبنائهم، حتى لو توقفوا عن ممارستها. فنجد أحفاد عائلات معروفة بحرفة معينة -كالحدادة أو النجارة أو غيرها- لا زالوا ينسبون إليها، ويصنفون اجتماعيا على أساسها، رغم أنهم لم يمارسوها، وربما عملوا في مهن أخرى أو وصلوا إلى مراتب أكاديمية أو مهنية عالية. وتحمل هذه الظاهرة في طياتها مفارقة معقدة. فهو من ناحية يجعل الحرفة وصمة اجتماعية إذا كانت موضع ازدراء، ومن ناحية أخرى يفرغها من محتواها العملي، فيجعلها مجرد عنوان أو تصنيف صارم. وهنا لم تعد المشكلة في الحرفة نفسها، بل في تحويلها إلى قيد اجتماعي يرتبط بالإنسان، لا بأفعاله، بل بأصل تاريخي انقطع أثره. وهذا يتناقض مع جوهر التصور الإسلامي الذي ربط قيمة الإنسان بعمله وتقواه، وليس بانتماءاته الموروثة. ومع الانتقال إلى العصر الحديث، أصبحت هذه الظواهر أكثر تعقيدا، حيث تعيش المجتمعات نوعا من الازدواجية الصارخة: فهي تعترف نظريا بقيمة العمل، وتستشهد بنماذج نبوية في تمجيده، لكنها في الواقع تعيد إنتاج السخرية من بعض المهن، وتحافظ على التصنيفات الاجتماعية المرتبطة بها، بل وتضفي عليها أحيانا طابعا شبه “طبقي”. ولم تعد هذه السخرية مقتصرة على التجمعات الخاصة، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث يتم تداول صور ونكات ساخرة تستهدف الحرفيين. وتتحول السخرية إلى ممارسة يومية تنطبع في الوعي الجمعي. وتظهر المفارقة أيضاً في التوجيه الأسري والتربوي، حيث يُدفع الشباب نحو مسارات توصف بالهيبة، في حين يُنظر إلى التدريب المهني كخيار أدنى، وكأن الحرفة دليل على العجز وليس الاختيار. في هذا السياق، قد يجد بعض المنتمين إلى عائلات حرفية أنفسهم أمام ضغط مزدوج: ضغط للتنصل من «النسب المهني» الذي يُنظر إليه على أنه دوني، وضغط اجتماعي يبقي هذا النسب حاضراً في التصنيف، مهما تغير الواقع. إن استحضار المنهج النبوي في هذا السياق لا ينبغي أن يبقى في نطاق المعرفة النظرية، بل يجب أن يتحول إلى معيار نقدي يقاس به الواقع. ولم يبطل النبي صلى الله عليه وسلم الحرف نشاطا، ولم يحولها إلى أنساب، بل حررها من الاحتقار وربطها بالكرامة الإنسانية. ولذلك فإن الاستمرار في التعامل معهم كتصنيفات اجتماعية جامدة، أو موضوع للسخرية، يكشف عن فجوة عميقة بين القيم الأصيلة والممارسات السائدة. إن الاستهزاء بالحرفيين، وتحويل الحرف إلى أنساب اجتماعية موروثة، وجهان لنفس الخلل في ميزان القيم، وقد جاء الإسلام ليقوم هذا التوازن، فربط الكرامة بالعمل لا بالأصل، وجعل التمييز على أساس التقوى لا المهنة. لكن استعادة هذا التوازن في الواقع المعاصر تتطلب مراجعة جدية للوعي الاجتماعي، وتفكيك التصنيفات الموروثة، حتى لا يبقى ما نؤمن به نظريا منفصلا عما نمارسه عمليا، ويستعيد العمل مكانته كمصدر شرف وليس مادي. سخرية، وعمل إنساني، وليس نسباً جامداً.

اخبار موريتانيا الان

شرف العمل ووصمة الحرفة

اخبار اليوم موريتانيا

اخر اخبار موريتانيا

اخبار اليوم في موريتانيا

#شرف #العمل #ووصمة #الحرفة

المصدر – الأخبار