اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-17 04:25:00
عند تتبع التاريخ السياسي، يتبين أن الحركات التي تولد في رحم الصراع تتغذى على حرارة المواجهة، ويتماسك بعضها ببعض بوجود خصم محدد المعالم. فالخصم الخارجي يمنحهم وحدة الهدف، ويؤجل الخلافات الداخلية، ويذيب الجليد تحت ضغط الضرورة. غير أن اللحظة الحاسمة في حياة هذه الحركات ليست دائما لحظة الصدام، بل هي لحظة التحول الجذري التي تتبعها، حيث تنتقل من منطق المواجهة إلى منطق البناء، ومن وحدة التعبئة إلى تعقيد السياسة. شكل سقوط نظام معاوية ولد سيد أحمد الطايع عام 2005 نقطة تحول حاسمة أعادت تشكيل المشهد الوطني برمته. وبهذا التحول، خرج تنظيم «فرسان التغيير» من مرحلة التكتم إلى الفضاء العام، وانتقل أعضاؤه من موقع الاضطهاد أو المنفى إلى موقع الفاعل السياسي المسموح له بالمشاركة. وجاء التغيير من خلال مسار قاده ضباط آخرون تحت اسم المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، الذي أعلن عن مرحلة انتقالية وأعاد دمج مختلف الفاعلين في الحياة السياسية، مما خلق بيئة جديدة لم تكن موجودة في الهيكل الأصلي للمنظمة. مصممة لاستيعاب. وكان “فرسان التغيير” بمثابة إطار موحد لمختلف الاتجاهات. وفيها اجتمع الناصريون والإسلاميون ويساريو «الضمير والمقاومة»، مع فئة أخرى لم تكن ذات موقع إيديولوجي، وكانت تحركها قناعة عامة بضرورة التغيير أكثر من اتحادها بمفهوم فكري موحد. ولم يرتكز التنظيم على مشروع أيديولوجي متكامل، بل على تحالف مؤقت بهدف محدد وهو إسقاط النظام. لكن الانتقال المفاجئ إلى مرحلة سياسية مفتوحة كشف عن هشاشة هذا التماسك الظرفي. التنظيم الذي نشأ في سياق عسكري سري قائم على مركزية القرار والانضباط الصارم، وجد نفسه مطالبا بالتحول إلى إطار حزبي مفتوح يتطلب مؤسسات داخلية وبرامج سياسية واضحة وآليات منظمة لإدارة الخلاف، ومرجعية فكرية تتحكم في الاتجاه العام. وتجسدت محاولة الاندماج في تأسيس حزب “حاتم” بزعامة صلاح ولد حنا. ومع ذلك، فإن الانتقال من ثقافة الانضباط العسكري إلى ثقافة التعددية الحزبية لم يكن انتقالاً سلساً. وهنا ظهر الخلل البنيوي بوضوح. ومع اختفاء الهدف الذي وحد الصفوف، ظهرت الخلافات الكامنة في الرؤى والمواقف والطموحات. ولم تعد العلاقة بين الأعضاء محكومة بوحدة الرسالة أو الصداقة، بل أصبحت خاضعة لمنطق التنافس السياسي والتموضع ضمن المشهد التعددي. ومع غياب الأساس الفكري الجامع، تحولت الخلافات الاجتهادية إلى انقسامات حقيقية، لأن العمل الحزبي يقوم بطبيعته على شرعية الصندوق والتعددية، وليس على وحدة القيادة والانضباط العسكري. ومع تصاعد الجدل الإعلامي بين بعض القادة التاريخيين، انتقل الخلاف من نطاق يمكن احتواؤه تنظيمياً، إلى صراع روايات في الفضاءين الوطني والدولي. وسعى كل طرف إلى تأسيس نسخته الخاصة من التجربة وتحديد موقعه فيها، وهو النمط الذي يتكرر في العديد من التجارب عندما تغيب القدرة المؤسسية على إدارة الاختلاف وضبطه ضمن الأطر التنظيمية. واللافت أن رموز المشروع الكبرى أعادت تموضعها على الساحة السياسية. ومنهم من انضم إلى الأحزاب القائمة أو انخرط في أطر جديدة، واستثمر في نضاله في سياقات مختلفة. لكن الإطار الموحد الذي وحّدهم لحظة المواجهة تراجع لصالح تعدد المواقف الفردية التي عكست انتقالهم من وحدة الهدف إلى تنوع المشاريع. ومن الناحية التحليلية، فإن ما حدث لم يكن مجرد خلاف شخصي عابر، بل نتيجة منطقية لمسار لم يحسم فكريا وتنظيميا منذ بدايته. فالمشروع الذي يرتكز على هدف تكتيكي محدد، مهما كانت دوافعه نبيلة، يحتاج إلى قاعدة أيديولوجية ومؤسسية عميقة لكي يستمر بعد تحقيق هدفه. وإلا فإن تغير الظرف الموضوعي يكشف هشاشته الداخلية ويفقده الرابط الذي ضمن تماسكه. تقدم تجربة فرسان التغيير درسا يتجاوز سياقه الخاص بأن وحدة الضرورة لا تعني وحدة الرؤية، وأن الشجاعة في العمل لا تعوض غياب المشروع المتكامل، وأن المنظمة التي لا تحسم أسسها الفكرية والتنظيمية في زمن الصراع ستجد نفسها أمام اختبار صعب في زمن السلم. وهكذا، فإن التفكك الذي أعقب المرحلة التأسيسية للحزب لم يكن حدثاً عرضياً، بل نتيجة منطقية لمسار انتقل من حرارة المواجهة إلى برودة الحسابات السياسية، حيث التاريخ النضالي وحده لا يكفي لضمان استمرارية المشروع.



