اخبار اليمن – وطن نيوز
اخبار اليمن اليمن الان – اخبار اليمن اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-18 23:37:00
وجدي الأهدل* عثر على كتاب بعنوان “جحا.. حكايات فولكلورية من الصين”، ترجمه إلى العربية وليد الغازي، ونشرته شركة MK Publishing Distribution في القاهرة، 2016. أول ما خطر في ذهني هو هل وصل عمنا جحا وحماره إلى الصين؟ كيف وصلت؟؟ المسافة بعيدة! تفرغت لقراءة الكتاب، وهو كتاب ممتع كما توقعت. هل هناك من يمل من قصص ونوادر جحا؟! وبعد الانتهاء من القراءة توصلت إلى النتيجة التالية: شخصية جحا وحماره لا وجود لها في الثقافة الصينية، ولا في فلكلورها القديم. لكن في مقاطعة صينية نائية تقع في جنوب غرب الصين (سينجينج)، هناك أقلية عرقية من أصول تركية، وهم شعب الإيغور، الذي يصل عددهم إلى 7 ملايين نسمة. ويتمركزون في مدينة كاشغر، وهي آخر مدينة وصل إليها الفاتحون المسلمون في فتوحاتهم شرقاً، في عهد الدولة الأموية. ولدى هذا الشعب المسلم حكايات شعبية قديمة تناقلتها الأجيال شفويا عن شخصية لطيفة اسمها “نصر الدين أفندي”. وبحسب شهادة المترجم وليد الغازي فإن اسم (جحا) غير معروف على الإطلاق بين شعب الإيغور، ولكن لشعبية اسم جحا بيننا فضل الإشارة إلى “نصر الدين أفندي” باسم “جحا”. معظم القصص الـ 65 التي يتضمنها الكتاب مشتركة بيننا، مع وجود اختلافات طفيفة في المواقف والأشخاص والكلمات. شخصية “نصر الدين أفندي” تكاد تكون مطابقة تمامًا لشخصية “جحا” المعروفة عند العرب. منذ سنوات انعقد مؤتمر في إسطنبول ضم عشرات الباحثين. كان موضوع البحث هو التحقيق في كل تفاصيل شخصية جحا، وهل هو شخصية حقيقية؟ وإذا كان إنساناً حقيقياً فأين ولد ونشأ؟ هل هي عربية أم تركية أم فارسية؟ فهل يمكن أن تحتوي جميع القصص والحكايات المنسوبة إليه في مجلد واحد؟ ويخصص المترجم وليد الغازي قسما في نهاية الكتاب للحديث عن عالمية قصص جحا، وكيف عبروا الحدود والقارات ووصلوا إلى أماكن لا يمكن تصورها، وهذا صحيح إلى حد كبير. وبحسب وليد الغازي فإن كل أمة اخترعت جحا خاصا بها، ونسبت إليه القصص والحكايات الشهيرة المنتشرة بين الشعوب رغم اختلاف الألسن والبيئات. فمثلاً بالنسبة لليمنيين اخترعوا شخصية “أحمد المطري”، ونسبوا إليه الكثير من الحكايات الشائعة عن جحا، فأضافه وليد الغازي إلى قبيلة الجهويات! وذكر وليد الغازي لها الصنعاني، المعروف في اليمن بـ”أحمد المطري”، عدة حكايات، منها هذه الحكاية: “أتاه رجل من جيران أحمد المطري بكتاب ليقرأه عليه، فلم يستطع أن يقرأه لضعف الخط، ولا يعرف فيه شيئا، فقال له: من أين جاءك هذا الكتاب؟ قال: من مدينة حلب”. فقال المطري: صدقت، ولهذا عرفت قراءته لأني لا أعرف القراءة بالحلبي». وقد لا يتفق البعض مع اقتراح وليد الغازي، فهناك من يرى أن “أحمد المطري” من أهل اليمن اللطيفين، وشخصية يمنية كوميدية أصيلة، ولا علاقة له بجحا الذي انتشرت شهرته عبر الآفاق. لكن هل “أحمد المطري” شخص حقيقي؟ فهل نجد له نبذة كتبها أحد المؤرخين؟ ومن المرجح أن يكون “أحمد المعطري” شخصية ابتكرها الخيال الشعبي اليمني. وهو الوتد الذي علق عليه اليمنيون سخريتهم ونكتتهم ومهزلتهم، هرباً من أي عقاب محتمل. يتميز “نصر الدين أفندي” في الفلكلور الإيغوري بلسانه الحاد وسرعة بديهته وقدرته على الاستهزاء بالسلطة ورجالها. وهو ذراع شعب الأويغور لتقويض السلطة الظالمة. وبما أن شعب الإيغور قليل العدد نسبيًا، ويقع على حدود القوميات والإمبراطوريات الكبرى، فإنهم يجدون أنفسهم عبر التاريخ تحت تأثير قوى إقليمية أكبر منهم، ولا ملاذ لهم للتنفيس عن محنتهم إلا عن طريق النكات السياسية، وكثيرًا ما كان نصر الدين أفندي بطل هذه النكات السياسية اللاذعة، ومن بينها هذه النكتة ذات الدلالة الواضحة: “سأل الوالي جحا ذات مرة: قل لي يا جحا، عندما أموت، هل تذهب روحي إلى الجنة أم إلى الجنة؟” جحيم؟ فأجاب جحا على الفور: الجحيم بالطبع! فقد الوالي أعصابه، وبدأت عيناه تضطرب، ثم بدأ يسب جحا ويسبه، فأوقفه جحا محاولا تهدئته: يا سيدي والله لا تغضب… الجحيم هو المكان الوحيد المتاح لك الآن، فقد قتلت الكثير ممن يستحقون الجنة، فأصبح المكان مزدحما ولن تجد لك فيه غرفة فارغة. وليد الغازي، من مواليد القاهرة عام 1971، عمل كمساعد مخرج مع مجموعة من المخرجين منهم علي بدرخان، وأشرف فهمي. شارك في كتابة وتنفيذ العديد من الأفلام والبرامج التلفزيونية والوثائقية. أصدر عدة كتب أدبية منها “ناجي العلي” و”الصياد”، وكان مؤسس ومدير الندوة الأدبية “ريشا وورقة”. ولعل هذا النشاط الفني في مجال الدراما فتح أعين مترجم الكتاب على أهمية الكوميديا في المجال الفني والأدبي. لقد أعجبت بشخصية جحا منذ مراهقتي، وكنت أجمع حكاياته كلها، وأشعر بالأسف لأنني وجدت في نفسي ميلا إلى اختراع شخصية كوميدية حديثة موازية لجحا، لكنني لم أجد الشجاعة الأدبية لسلوك هذا الطريق.. وهذا اعتراف متأخر بأنه خطأ العمر. يحتاج العربي، والعربي المنكوب بالحروب بشكل خاص، إلى شخصية كوميدية تخرج من بيئته المحلية لتبدد غيوم الحزن والاكتئاب والجدية المفرطة، وتبث في النفس قدرا من الخفة والفرح والضحك الذي أصبح نادرا هذه الأيام. * روائي وكاتب يمني




