اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-01 12:00:00
ما حدث في محيط مجلس النواب خلال اليوم الأخير من مناقشة الموازنة لم يكن مجرد حركة طلب عابرة، بل شكّل مشهداً اجتماعياً بالغ الأهمية، بعد نحو عام من تشكيل الحكومة، كاد أن يطيح بها من باب ميزانيتها. عكست الاحتجاجات التي قادها موظفو القطاع العام والعسكريون المتقاعدون، والتي وصلت إلى حد اقتحام العسكريين للحاجز الأمني وصولا إلى باب مجلس النواب، حجم الإحباط المتراكم بسبب عدم قدرة الحكومة على ترجمة وعودها إلى خطوات ملموسة. ورغم التعهدات بمعالجة ملف المعيشة، تبين أن موضوع تصحيح الرواتب والمعاشات لم يكن مدرجاً في جدول العلاج الفوري، بل عملت الحكومة على تأجيله إلى ما بعد إقرار الموازنة العامة. ومع بدء مناقشات الموازنة، انفجر الشارع في وجه الحكومة والمجلس معاً، في رسالة واضحة بأن سياسة التأجيل لم تعد مقبولة. لماذا وصلت الأمور إلى حافة الانفجار الشعبي؟ خلال الأشهر والأسابيع الماضية، نفذت مجموعة جمعيات القطاع العام إضرابات واعتصامات شملت مختلف الإدارات، لكن الحكومة لم ترد عليها بأي إجراءات جدية، رغم اللقاءات التي عقدتها مع رئيس الوزراء نواف سلام ووزير المالية ياسين جابر، ورغم تقديم دراسات ومقترحات عملية لزيادة الرواتب والمعاشات، إلا أن هذه المقترحات ظلت، بحسب المجموعة، مهملة دون دراسة أو حسم. ورأت المجموعة أن ما صدر عن مجلس الوزراء كشف بوضوح عن نهج المماطلة المتبع، الأمر الذي أدى إلى خيبة أمل واسعة لدى العاملين في القطاع العام. الكهرباء.. الفشل الأكبر على مستوى ملفات الخدمة. يبرز ملف الكهرباء كأحد أكبر الإخفاقات، على الرغم من أن خروج وزارة الطاقة للمرة الأولى منذ 2009 من سيطرة النائب جبران باسيل ومستشاريه، شكّل فرصة حقيقية لتبني مقاربة مختلفة، سواء بتنويع مصادر الإنتاج كالطاقة الشمسية والغاز، أو بتقليل الهدر الفني وغير التقني الذي تجاوز الخمسين بالمئة. لكن هذه الفرصة ضاعت، حيث تم تجاهل الحلول التي سبق أن اعترضها وزراء التيار الوطني الحر، مثل عروض سيمنز أو الصندوق الكويتي، ليعاد تكريس المعادلة نفسها القائمة على ربط الإنتاج بتأمين الوقود، من دون أي خطة قابلة للتنفيذ، وكأن القطاع لا يزال «على أرض جبران وأعوانه». في الوقت الذي تتراكم فيه أموال الوقود العراقي، فيما لا تملك الوزارة رؤية واضحة لكيفية دفع المستحقات، أو إدارة هذا الملف على المدى القصير والمتوسط. أما وزير الطاقة جو صديقي الذي لم يتمكن من تحسين التغذية ولو لساعة واحدة، فلم يجد في مؤتمره الصحافي الأخير ما يقدمه للبنانيين سوى الترويج لما أسماه «الإنجاز التاريخي» المتمثل في عدم اللجوء إلى سلف الخزينة لتغطية كلفة المحروقات، متناسين أن هذا الإجراء يعود إلى قرار سبق تشكيل الحكومة الحالية اتخذه حاكم مصرف لبنان بالوكالة وسيم المنصوري في تموز 2024 وقضى بوقف التمويل. الدولة بالعملتين المحلية والأجنبية، وعدم منح أي سلف للخزينة أو لمؤسسة كهرباء لبنان، وبالتالي لا يمكن للحكومة أن تنسب هذا القرار إلى إنجازاتها. الإصلاحات المالية: الالتزام بالمواعيد النهائية، لكن بعيداً عن مسألة المعيشة، هناك انطباع عام عن فشل الحكومة في تحويل وعودها الإصلاحية إلى مسار تنفيذي واضح. ولا تزال الإصلاحات الاقتصادية الأساسية متعثرة، مما يؤدي إلى تفاقم حالة عدم الثقة وتبديد الآمال بحدوث تغيير فعلي في هيكل الاقتصاد والإدارة. وبينما تدرج الحكومة في قائمة إنجازاتها إرسال مشروع الموازنة إلى مجلس النواب ضمن المهلة الدستورية وبعجز صفر، كدليل على انتظام العمل المالي، كشفت المناقشات النيابية عن ضعف الرؤية وراء الأرقام، حيث وصفت الموازنة، حتى من قبل نواب ينتمون إلى الكتل المشاركة في الحكومة، بأنها تفتقر إلى أي نهج إصلاحي. كما اعتبر البنك الدولي، في تقريره الأخير، أن مشروع الموازنة فشل في تقديم رؤية اقتصادية متماسكة، “فرغم أنها تبدو متوازنة، إلا أنها تستثني خدمة الدين، وتصحيح الأجور، والإنفاق الاستثماري الفعلي. أما هيكل الإيرادات، فهو يظل رجعيا، حيث يأتي أكثر من 52% منه من الضرائب غير المباشرة التي تثقل كاهل الفئات ذات الدخل المنخفض، في ظل غياب شبه كامل للضرائب التصاعدية”. أما مشروع قانون التنظيم المالي واسترداد الودائع، فرغم أهميته باعتباره يجسد الإطار القانوني الأول الذي أصدرته السلطة التنفيذية بعد ست سنوات من اندلاع الأزمة، إلا أنه تلقى انتقادات وتشكيكاً واسعاً في قدرته على تحقيق العدالة بين المودعين. خطيئة الحكومة في التعيينات: رغم أن الحكومة أجرت العديد من التعيينات بعد سنوات من الشغور، إلا أن معظمها ظلت أسيرة منطق المحاصصة والتوازنات السياسية والطائفية، مما حرمها من القدرة على إحداث تغيير فعلي في بنية الإدارة العامة. وتفاقم هذا التوجه بتعيين السيدة غراسيا القزي مديرة عامة للجمارك، رغم محاكمتها على خلفية انفجار مرفأ بيروت. وبدلا من التراجع عن هذا التعيين، بررت الحكومة ذلك بحجة عدم صدور حكم قضائي ضده، في سابقة خطيرة تقوض معايير المساءلة وتفرغ مفهوم النزاهة من مضمونه. غياب الاستثمار في الجانب الاستثماري، ورغم الأجواء المتفائلة التي رافقت مؤتمر بيروت، إلا أن أياً من الوعود لم يترجم إلى مشاريع ملموسة على الأرض. كما لم يسجل أي تقدم يذكر في ملف الاستثمارات الأجنبية أو في القطاع النفطي، وهو ما يعكس ضعف الرؤية الاقتصادية. استعادة قرار الحرب والسلام يُسجل أن الحكومة أسقطت معادلة «المقاومة» من بيانها الوزاري، واتخذت قراراً مفصلياً بشأن التفرد بالسلاح خلال الدورتين الخامسة والسابعة في آب/أغسطس الماضي، والتي أعقبها استكمال الجيش مهمة نزع السلاح جنوب الليطاني، رغم محاولات حزب الله المتكررة تعطيل قرار الحكومة. لكن أهمية استعادة الدولة لقرار الحرب والسلام لم تترجم فعلياً على أرض الواقع، إذ لم تتمكن الحكومة من وضع حد للهجمات الإسرائيلية المتواصلة، أو حماية الجنوبيين ومنع إجهاض محاولاتهم لإعادة بناء ما دمرته الهجمات. في الختام، يبقى الحكم النهائي على أداء الحكومة مرهونا بقدرتها على معالجة الأزمات المعيشية والانتقال من مرحلة إقرار القوانين إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، خاصة فيما يتعلق بالإصلاحات الجوهرية مثل استقلال القضاء، وإصلاح القطاع المصرفي، وإعادة هيكلة الإدارة.



