اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-03 23:11:00
جريمة الهوتة لم تنته مع سقوط تنظيم داعش، بل دخلت مرحلة أكثر صمتاً بعد سيطرة ميليشيا قسد على المنطقة. ولم يتم إغلاق الحفرة، التي تحولت في عهد التنظيم إلى مقبرة جماعية، ولم يتم تصنيفها كموقع جريمة، ولم يتم تأمينها أو إخضاعها لتحقيق شفاف. بل تُركت مفتوحة، خارج أي طريق للعدالة، وكأنها أداة جاهزة لإعادة الاستخدام. بعد خروج داعش، كان من المفترض أن تكون الهوتة أول ملف يفتح، وأول موقع محمي، وأول شاهد يتم الاستماع إليه، لكن ما حدث في الواقع كان العكس تماما: الصمت وتقييد المعلومات وتجريم التعبير، في وقت بدأت شهادات محلية متطابقة تؤكد أن الحفرة استخدمت مرة أخرى، بنفس الطريقة، للتخلص من المعتقلين. قبل الثورة كانت الهوتة معلماً طبيعياً معروفاً لدى أهل المنطقة، ولم تكن مقبرة. مع اندلاع الثورة، مارس نظام الأسد الاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون على نطاق واسع، لكنه لم يجعل من الحوتة أداة مركزية. التحول الحقيقي بدأ مع سيطرة تنظيم داعش بين عامي 2013 و2015، عندما حول الحفرة إلى مكب ممنهج للجثث والكائنات الحية، من خلال رمي المعتقلين معصوبي الأعين بشكل مباشر، وتوثيق ذلك بمقاطع فيديو، ومن ثم محاولة لاحقاً محو الأدلة عبر حرق الجثث بالنفط الخام. وقد تم توثيق هذه المرحلة من خلال شهادات محلية واسعة النطاق، ومن خلال المواد التي نشرها التنظيم نفسه. وفي مايو/أيار 2020، نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرها عن الهوتة، مؤكدة أن تنظيم داعش استخدمها كمقبرة جماعية، بالاعتماد على صور الأقمار الصناعية وطائرة بدون طيار ومقاطع فيديو ومقابلات مع سكان محليين. لكن أخطر ما كشفه التقرير لم يكن فقط ما فعله تنظيم داعش، بل ما ظهر بعده. ووثقت الطائرة بدون طيار وجود جثث في أسفل الحفرة تعود إلى فترة ما بعد ظهور التنظيم، حيث أكد خبراء الطب الشرعي أن حالة التحلل تشير إلى أنها ليست من فترة سيطرة داعش. ولم يسم التقرير الجهة المسؤولة، لكنه طرح حقيقة لا يمكن التغاضي عنها، وهي أن القتل لم يتوقف برحيل التنظيم، وكانت قوات سوريا الديمقراطية في تلك المرحلة هي القوة المسيطرة فعلياً على المنطقة. خلال فترة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، لم يتم فتح الهوتة كملف عدالة، بل تحولت إلى مكان يُمنع فيه التعبير. وكان الحديث عنها كافياً لإثارة التهديد، وأكدت شهادات السكان المحليين مشاهد متكررة لسيارات يقودها مسلحون ملثمون، ومعتقلون معصوبو الأعين، يُنقلون إلى محيط الحفرة ثم يختفون. ومن أخطر الشهادات التي حصلت عليها شهادة أحد أهالي مدينة سلوك، تؤكد أن عناصر من قسد اعتقلوا شاباً وامرأة حديثي الزواج، وعصبوا أعينهما، واقتادوهما إلى الهوتة، وألقوا بهما هناك. هذه الشهادة ليست رواية متداولة، بل هي بيان مباشر قدمته شخصيا لفريق هيومن رايتس ووتش أثناء عملهم على ملف الهوتة. أنا ريم الناصر أكتب هذا النص كشاهدة مباشرة على فترة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وكأحد الذين قدموا شهاداتهم الميدانية مباشرة لفريق هيومن رايتس ووتش، بناء على تجربة شخصية وشهادات محلية موثوقة وتقارير دولية منشورة. وما يُطرح هنا ليس اتهاماً بناءاً، بل توثيقاً لمرحلة استخدم فيها الصمت كسلاح، وتركت مقبرة جماعية دون اسم أو محاسبة. سخونة اليوم ليست قصة من الماضي، بل ملف جنائي مفتوح. وأي جهة سيطرت على المكان وامتنعت عن كشف الحقيقة تتحمل المسؤولية المباشرة عن استمرار الجريمة. المطلوب اليوم ليس تصريحات قلق، بل خطوات واضحة لا تحتمل التأجيل: فتح تحقيق دولي مستقل في كل ما حدث في الهوتة بعد خروج داعش، وتأمين الموقع ومنع العبث به، ونبش الرفات بإشراف فرق الطب الشرعي الدولية، وتحديد مسؤولية الجثث التي تم دفنها خلال فترة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية دون أي حصانة سياسية أو عسكرية. كما تتحمل الحكومة السورية والمجتمع الدولي مسؤولية عدم ترك الهوتة كمقبرة قابلة لإعادة الاستخدام. ولابد من سد هذه الفجوة الساخنة، ليس بالإسمنت، بل بالحقيقة والمساءلة والعدالة.

