اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-10 10:00:00
شهدت الساحة اللبنانية، في الأيام الأخيرة، تغيراً ملحوظاً في لغة الخطاب السياسي لدى بعض القوى، دون أن يرافقه أي تغيير في المواقف، ما يدل على انتقال مقصود من التصعيد الكلامي إلى إدارة أكثر دقة للمرحلة. ويعكس هذا التحول إعادة ترتيب الأولويات في ظل تصاعد الضغوط الخارجية وتزايد محاولات الاستفادة من الانقسام الداخلي، إذ لم تعد إدارة المرحلة قائمة على رفع السقوف، بل على خفض مستوى الصراع الداخلي وتحصين التوازنات القائمة. ولعل تغير اللغة السياسية في هذا السياق لا يعبر لا عن مرونة ولا عن تغيير في الخيارات، بل هو تشخيص مباشر لمرحلة لم تعد تسمح بتوسيع الصراع الداخلي. ومع تحول الضغوط الخارجية إلى محاولات منظمة لإحداث تصدعات في البنية السياسية اللبنانية، أصبح خفض السقف داخلياً خياراً وقائياً لحماية التوازن. وتحديداً، يمكن إدراج كلمة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في دائرة التحليل، كجزء من إدارة الإيقاع السياسي للمرحلة، وليس كتحول في المواقف. واللافت في الخطاب الأخير أنه تعمد تجنب أي صدام مباشر مع مؤسسات الدولة، سواء على مستوى رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة. ولم تكن المفردات المستخدمة موجهة نحو الضغط أو فرض المسؤوليات، بل نحو تثبيت العلاقات ومنع تدهورها. وبات واضحاً أن حزب الله أصبح مقتنعاً بأن أي توتر داخلي في هذه المرحلة لن يحقق مكاسب سياسية، بل سيفتح الباب للاستثمار خارجياً ضمن مسار يسعى إلى تحميل الدولة اللبنانية كلفة الصراع مع إسرائيل. وفي هذا السياق فإن المؤشرات الإيجابية في ما يتعلق بأداء رئيس الحكومة نواف سلام وزيارة الجنوب وملف إعادة الإعمار لا يمكن فصلها عن هذا الخيار. المقاربة هنا لا تقوم على تبني السلطة سياسياً، بل على ضبط العلاقة معها، ومنع دفعها إلى صراع سياسي مفتوح. وعليه، لا يرى حزب الله مصلحة في الذهاب مع السلطة التنفيذية إلى أقصى حدود الخصومة، ولا في زجها في ساحة صراع تحت وطأة ضغوط خارجية متصاعدة. في المقابل، تم التعامل مع ملفات داخلية حساسة، لا سيما العلاقة مع حركة أمل وقيادة الجيش، بنوع من التحييد السياسي المتعمد، حيث جاءت الإشارة إلى هذه العلاقات لإخراجها من دائرة الجدل السياسي والإعلامي، وترسيخها كعناصر ثابتة لا يمكن توظيفها في الصراع الداخلي. وفي هذا السياق، يعكس هذا الأسلوب توجهاً واضحاً نحو تقليص مناطق الصراع المحتملة داخل الساحة اللبنانية، في مرحلة يعتبر فيها أي اضطراب داخلي عامل ضغط إضافي مستثمر خارجياً ولا يخدم التوازنات القائمة. وفي هذا السياق، أكد الأمين العام على إعادة توجيه بوصلة السجال السياسي نحو مصدر الضغوط الخارجية، دون إنكار حقيقة الانقسام القائم داخل الساحة اللبنانية. لكن اللافت في توجهه هو حرصه الواضح على عدم تحويل هذا الانقسام إلى مواجهة مع السلطة الرسمية، حيث أكد أن الأولوية هي منع استغلال الخلافات الداخلية ضمن مسار عدواني مستمر. ومن هذا المنطلق، تم ترسيخ خيار المقاومة كعنصر قوة في مواجهة الهجمات المستمرة، وليس كمادة لصراع داخلي، مع التأكيد على أن ما لم تحققه إسرائيل من القتل والتخريب على مدى أشهر، لن تحققه من خلال الضغط السياسي أو محاولات تفكيك الجبهة الداخلية. وعن موقف رئاسة الجمهورية، أكد قاسم أن الضغوط المفروضة على الرئيس جوزاف عون تهدف بالأساس إلى فتح شرخ داخلي بين اللبنانيين، في مرحلة سياسية وأمنية بالغة الحساسية. ورغم اعترافه بوجود تباينات في بعض الملفات، أكد أن هذا التباين لا يؤثر على القضايا الكبرى، ولا يبرر تحويل الرئاسة إلى ساحة توتر أو استدراجها إلى مواجهة مع أي طرف. من هنا، كان هناك حرص واضح على تعزيز العلاقة مع رئيس الجمهورية ومنع استثمارها في الصراع الداخلي، بالتوازي مع التأكيد على أن المرحلة الحالية هي مرحلة بناء المستقبل، لا مجال فيها للمخاطرة بالتوازنات القائمة. وفي هذا السياق، تم تسليط الضوء على التعاون بين الشعب والجيش والحكومة والمقاومة، كإطار شامل لإدارة المرحلة، وكخيار عملي لتجنب الانقسام وضبط مسار المواجهة. في سياق متصل، فإن التأكيد على معادلة التعاون بين الشعب والجيش والحكومة والمقاومة لا يمكن فصله عن إعادة فتح النقاش حول الإطار الذي تدار ضمنه المواجهة. وعندما يطرح هذا التقارب عنواناً شاملاً، فإن الرسالة تتجاوز البعد السياسي المباشر لتلامس مقاربة تنظيمية أوسع، يتم من خلالها إعادة تأسيس المقاومة ضمن مظلة وطنية شاملة بدلاً من إبقائها في موقع الصدام مع الدولة. وبهذا المعنى يدفع الخطاب نحو إعادة تموضع النقاش في إطار استراتيجية الدفاع كمسار طبيعي تدار من خلاله الخلافات القائمة، وينتقل من خلاله الملف من منطق الصدام إلى منطق التنظيم تحت سقف الدولة، دون المساس بعناصر القوة القائمة. وفي الختام، فإن الخطاب يندرج ضمن إدارة سياسية حذرة لمرحلة حساسة، يتقدم فيها هدف السيطرة الداخلية على أي صدام جانبي قد يتحول إلى عامل ضغط إضافي. ومن هنا، فإن التركيز على تحييد الساحة اللبنانية يعكس وعياً بأن حماية التوازن الداخلي أصبح شرطاً أساسياً لاستمرار المواجهة في موقعها الأساسي. وعليه، فإن خفض اللهجة يأتي إعادة تنظيم لإيقاع الخطاب وليس تراجعاً عن الخيارات، فيما تبقى المواجهة مع العدو ثابتة، خارج أي مساومة أو إعادة تعريف.

