اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-14 00:25:00
المسألة ليست مرسوماً إدارياً عابراً، ولا صورة بروتوكولية التقطت في قاعات مؤتمر دولي، بل سؤال وجودي مطروح اليوم على أهالي محافظة الحسكة: من يملك حق تقرير مصير هذه الأرض، ومن أذن له بذلك؟ المرسوم الصادر بتوقيع الرئيس أحمد الشرع وتعيين نور الدين عيسى أحمد محافظاً للحسكة، لم يمر كخبر إداري عادي. ويرتبط الاسم بقياد سابق في قوات سوريا الديمقراطية، كما يرتبط اسمه بإدارة سجن “علايا” في القامشلي، وهي مرحلة لا تزال حاضرة في ذاكرة الكثيرين ممن يتحدثون عن الاعتقالات والانتهاكات. فعندما ينقل شخص من منصب أمني مثير للجدل إلى منصب مدني أعلى في نفس المحافظة، تكون الرسالة السياسية أقوى من أي مبرر إداري. وفي الخلفية، لا تقل صورة ميونيخ أهمية. وفي أروقة مؤتمر ميونيخ الأمني، ظهر مظلوم عبدي إلى جانب إلهام أحمد ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني. الصورة قالت ما لم يُكتب بعد: هناك طريق يُرسم، وهناك تفاهمات تتبلور. لكن السؤال الذي يبقى معلقا في الحسكة: هل تمثل هذه اللقاءات كافة مكونات الجزيرة أم أنها تعيد تعريفها من خلال طرف مسلح واحد؟ لم تكن الجزيرة أبدًا أرضًا أحادية اللون. وهي منطقة ذات أغلبية عربية تاريخياً، بالإضافة إلى وجود سرياني/آشوري قديم، ومكون كردي تعزز وجوده بقوة خلال القرن العشرين نتيجة موجات اللاجئين من جنوب تركيا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. ولا تُستخدم هذه الحقيقة لإنكار أحد، لكنها تمنع اختزال النزعة المحافظة في رواية واحدة أو قوة واحدة. وأي اتفاق يمنح نفوذاً سياسياً أو أمنياً واسعاً لفصيل مسلح من دون ضمانات دستورية واضحة ومساءلة شفافة عن المرحلة السابقة، سيُنظر إليه على أنه إعادة توزيع للسلطة على رؤوس السكان، وليس شراكة وطنية شاملة. وحتى هذه اللحظة لم يتم تقديم النص التفصيلي الكامل للاتفاق المعلن بين الدولة وقوات سوريا الديمقراطية في شكل منشور للرأي العام يوضح بدقة آليات الدمج وسقف الصلاحيات وضمانات الحقوق ومسار المساءلة. الغموض هو أخطر وقود في بيئة متوترة. وعندما يصاحب الغموض تقارير يومية عن مداهمات وتفتيش هواتف واعتقالات وضغوط أمنية على الأحياء ذات الأغلبية العربية، فإن أي حديث عن الاستقرار يفقد معناه العملي. فالشرعية لا تقاس بالتصفيق الدبلوماسي، بل بشعور المواطن بالأمان في بيته وشارعه ومسجده وكنيسته. والأخطر من ذلك أن المزاج الشعبي في الأوساط القبلية والاجتماعية داخل الجزيرة لم يعد يحتمل الرسائل الغامضة. هناك قلق متزايد، وهناك تحذيرات واضحة من أن أي خطوة تفهم على أنها تخلي عن التوازن المجتمعي أو تسليم قرار المحافظة لطرف واحد، ستقابل برفض واسع النطاق. ليس لأن الناس يبحثون عن صدام، بل لأنهم يخشون أن يتحول الاتفاق إلى مظلة قانونية لإدامة النفوذ وإخضاعهم لسلطة لا يثقون بها. وفي بيئة كهذه، يكفي خطأ سياسي واحد غير محسوب لدفع الأمور إلى مسارات لا يريدها أحد. وإذا كان الهدف المعلن هو وحدة الدولة، فإن الوحدة لا تبنى بإعادة إنتاج مخاوف الناس، ولا بتجاهل ذكرى السنوات الماضية، ولا بتمرير ترتيبات كبرى بالصور والتصريحات المختصرة. الوحدة تبنى بعقد اجتماعي واضح، بضمانات مكتوبة، بتمثيل حقيقي لجميع المكونات، وبالفصل الصارم بين العمل العسكري والإدارة المدنية. وأي شيء أقل من ذلك سيبدو وكأنه صفقة سياسية أكثر من كونه مشروع استقرار. الحسكة ليست ورقة تفاوض تُحسم في ميونيخ، ولا هي موقف يمكن اختزاله في مرسوم. إنها أرض المجتمع الحي، والذاكرة، والتوازنات الدقيقة. ومن يتصور أنه قادر على إعادة رسمها من فوق، من دون موافقة وثقة شعبها، فهو يختبر صبر منطقة أثبتت عبر تاريخها أن الاستقرار هناك لا يُفرض، بل يُبنى.




