اخبار المغرب – وطن نيوز
اخر اخبار المغرب اليوم – اخبار المغرب العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-12 13:14:00
حظيت الأخبار الواردة من مدريد بشأن استضافة الجولة الأولى من المحادثات التي ترعاها الولايات المتحدة بين أطراف النزاع حول الصحراء المغربية -المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو وموريتانيا- باهتمام واسع في الأوساط السياسية والإعلامية المغربية، وفي ضوءها طُرحت تساؤلات واسعة حول طبيعة المرحلة الجديدة من هذا الملف، وهل أصبحت الجزائر مضطرة أخيرا إلى مواجهة واقع سياسي جديد يحد من قدرتها على المناورة بروايتها التقليدية التي تنفي كونها طرفا في الصراع، أم أنها ستحاول استغلال الوقت في كرر الكلام. “تقرير المصير” الذي اعتمدتموه منذ منتصف السبعينيات؟ وفي قراءته التحليلية لهذا التطور، يرى الدكتور سمير بنيس، المحلل السياسي والمستشار الدبلوماسي السابق للأمم المتحدة، أن الإجابة على هذه الأسئلة لا تتطلب الكثير من الاجتهاد، لأن قرار مجلس الأمن رقم 2797 حدد الإطار السياسي الذي ستدور ضمنه أي مفاوضات مستقبلية، عندما اعتبر مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب أساسا واقعيا وجديا وذي مصداقية للتوصل إلى حل سياسي نهائي، ودعا الأطراف الأربعة، بما فيها الجزائر، إلى الدخول في مفاوضات جادة بحسن نية. ومن هذا المنظور، يؤكد بنيس أن مشاركة الجزائر على مستوى وزير خارجيتها في محادثات مدريد لا يمكن أن تقرأ كخطوة اختيارية، بل كرد على واقع سياسي جديد يتشكل تدريجيا داخل مجلس الأمن وخارجه. ويضع بنيس هذا القرار في سياق عملية تراكمية بدأت بالقرار 2440 سنة 2018، الذي أرسى نهج المائدة المستديرة وأدرج الجزائر بوضوح بين الأطراف المعنية. ثم تعززت بالاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء في ديسمبر 2020، وما تلا ذلك من مواقف داعمة لمبادرة الحكم الذاتي المقدمة من إسبانيا وفرنسا، وصولا إلى الموقف البريطاني الذي اعتبر الخطة المغربية أساسا جديا للحل. وهذا التراكم، في نظره، أدى إلى تضييق نطاق الحركة أمام الدبلوماسية الجزائرية، التي جعلت من قضية الصحراء محور سياستها الخارجية واستثمرت فيها موارد سياسية ومالية ضخمة على مدى ستة عقود متواصلة. كما يرى بنيس أن القرار 2797 أنهى عمليا الجدل القانوني الذي ظلت الجزائر تعتمد عليه لتبرير موقفها، لأنه لم يترك مجالا للحديث عن خيارات مفتوحة خارج إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. إن إدراك الجزائر لنية الإدارة الأمريكية دفع القضية نحو التسوية الفعلية، وعدم الاكتفاء بإدارتها ضمن إيقاع دولي بطيء، جعل هامش المناورة أضيق من أي وقت مضى. ولذلك فإن مشاركتها في محادثات مدريد تعكس، بحسب التحليل نفسه، اعترافاً ضمنياً بتغير ميزان القوى على المستويين الإقليمي والدولي. رغم ذلك، لم يكن من المتوقع أن تؤدي الجولة الأولى إلى اختراقات كبيرة، إذ من غير المنطقي -كما يرى بنيس- أن تعلن الجزائر دفعة واحدة تخليها عن الخطاب الذي اعتمدته منذ عقود طويلة، أو أن تعبر صراحة عن دعمها لمقاربة تعتبر الحكم الذاتي أساس التفاوض. كما يعكس غياب الاحتفالات أو الصور التذكارية حساسية المشاركة بالنسبة للجزائر التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب منذ سنوات، وتجد نفسها اليوم في غرفة التفاوض نفسها معه، تحت رعاية قوة دولية كبرى. إلى ذلك، أكد المحلل السياسي المغربي أن عودة مدريد فضاء للتفاوض تكتسب رمزية تاريخية ملحوظة، مشيرا إلى أن المدينة نفسها كانت مسرحا لاتفاق 14 نوفمبر 1975 الذي أنهى الوجود الاستعماري الإسباني في الصحراء. كما كانت خلال الفترة ما بين 1974 و1975 ساحة لصراع دبلوماسي معقد تشابكت فيه حسابات الرباط ومدريد والجزائر. ويستحضر بنيس في تحليله تفاصيل تلك المرحلة، مسلطا الضوء على كيف حاولت إسبانيا في يوليو/تموز 1974 فرض نهج تقرير المصير، وكيف لجأ الملك الراحل الحسن الثاني إلى محكمة العدل الدولية، ثم إلى تعبئة سياسية ودبلوماسية واسعة انتهت بتنظيم المسيرة الخضراء، التي أجبرت مدريد على التفاوض وأدت إلى اتفاق مدريد. ويشير التحليل نفسه أيضا إلى الانقسام الذي كان موجودا داخل الحكومة الإسبانية آنذاك بين اتجاه كان يميل نحو تسوية تفاوضية مع المغرب تضمن مصالح الطرفين، وبين اتجاه آخر كان متمسكا بخيار تقرير المصير وفقا لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويؤكد بنيس أن الجزائر استغلت ذلك الانقسام لإحباط محاولات التوصل إلى اتفاق ثنائي مبكر، ولإطالة أمد الصراع من خلال الدفع نحو تدويله وتعقيده. وبعد وفاة فرانكو، ستنجح الجزائر، بحسب القراءة نفسها، في التأثير على الموقف الإسباني، حيث أعلنت مدريد عام 1979 أن البوليساريو تمثل “الشعب الصحراوي”، وهو ما ساهم آنذاك في إعطاء دفع دبلوماسي قوي للطرح الانفصالي داخل الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، وزيادة عدد الدول التي تعترف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”. ومع ذلك، فإن السياق الدولي الحالي يختلف جذرياً عن سياق أواخر السبعينيات. وبحسب بنيس، فقد تمكن المغرب من تحويل المرونة والصبر الاستراتيجي إلى رصيد سياسي، وتحقيق اختراقات متتالية داخل مجلس الأمن وعلى مستوى العواصم المؤثرة، مما أدى إلى تقليص عدد الدول التي تعترف بالكيان الانفصالي، وإلى تكريس مبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي وعملي يحظى بدعم متزايد. ولذلك فإن الجزائر لم تدخل محادثات مدريد لإعادة صياغة قواعد اللعبة، بل لأنها أدركت أن تلك القواعد قد تغيرت بالفعل، وأن المناخ الدولي لم يعد يسمح بإدامة الوضع الراهن المبني على كيان مسلح خارج منطق الدول. ويخلص التحليل إلى أن المرحلة المقبلة ستتميز بطابع تقني وليس سياسي، حيث ستحاول الجزائر والبوليساريو، في الإطار الذي رسمه القرار 2797، انتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات المتعلقة بتفاصيل إجراء الحكم الذاتي، في حين سيحرص المغرب على تثبيت سقف السيادة وعدم المساس بسلامته الإقليمية. في موازاة ذلك، يبرز أمام الجزائر تحدي داخلي يتمثل في كيفية إعداد الرأي العام لقبول التحول من خطاب التصعيد والعداء إلى خطاب التفاوض والبحث عن التسوية. وبهذا المعنى، تبدو محادثات مدريد بمثابة مرحلة تعكس انتقال الصراع من مرحلة إدارة التوتر إلى مرحلة اختبار الإرادات السياسية في ظل التوازنات الدولية الجديدة، حيث لم يعد الحديث يدور حول طبيعة الحل بقدر ما أصبح يتمحور حول كيفية تحقيقه، في إطار مرجعية دولية أسست للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأساس للتسوية.




