اخبار مصر – وطن نيوز
اخبار مصر اليوم – اخبار اليوم في مصر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-07 00:56:00
تقع قرية القلمون بالداخلة على بعد نحو 11 كيلومترا من مدينة موت، وكأنها «دفتر مفتوح» لطبقات الزمن. رحلة تتشابك فيها الإدارة والتجارة، وتتجاور المعابد والأضرحة مع سجلات الحكم والقانون، بينما تظهر وثائق نادرة تحكي كيف أصبحت قرية القلمون مركزًا مؤثرًا في تاريخ الواحات على مدى قرون طويلة، بحسب مصادر خاصة لمصراوي. الحكم المحلي والاستقلال الإداري قبل دخول الإسلام إلى مصر، كانت واحات الخارجة والداخلة والفرافرة المصرية تعيش في إطار نظام حكم محلي يقوده حكام كل واحة، وكانوا مسؤولين عن تنظيم القوانين وجباية الضرائب والحفاظ على الأمن، وهو النظام الذي تعزز في العصر الروماني وما قبله، بحسب روايات تاريخية متداولة بين الباحثين. وقال عالم الآثار محمد إبراهيم، مدير آثار الوادي الجديد، لمصراوي، إن الأدلة المادية على هذا العمق التاريخي لا تزال موجودة في عدد من المعابد والمزارات، مستشهدا بالمعالم. وتعتبر معالمها البارزة، مثل معبد حبيس وقصر الزيان ومقابر المزوقة، “مؤشرات على ازدهار ثقافي بعيد عن تأثيرات وادي النيل”، مما يثبت خصوصية الواحات كمراكز ثقافية قائمة بذاتها. وتابع طرق التجارة قائلا: مع تعاقب الحضارات حافظت الواحة الداخلة على أهميتها الاقتصادية والتجارية، حيث تم استغلال اقتصادياتها من خلال التوسع في الزراعة والاستفادة من موقعها الجغرافي، مما ساعد على التجارة والحرفية رغم العزلة وصعوبة الطرق وظروف الحياة القاسية. في قلب هذا المشهد، برزت قرية القلمون كمركز عمراني قديم على طريق التجارة، بحسب روايات تاريخية جمعها باحثون متخصصون. مراكز الإدارة والتجارة، ثم نقل الحكومة. ومع ظهور العصر الإسلامي، تحولت الواحات إلى مراكز إدارية وتجارية أكثر تنظيماً. ويؤكد الخبير الأثري منصور عثمان، خبير الآثار القبطية والإسلامية، لمصراوي، أن مقر الحكومة ظل لفترة طويلة في بلدة القصر، قبل أن ينتقل لاحقا إلى قرية القلمون في أواخر العصر المملوكي وبداية العصر العثماني. ويضيف منصور أن هذا النقل ارتبط بجهود الأمراء الشركس الذين جاؤوا لتأمين الواحات من هجمات اللصوص، حيث تم الحفر. آبار جديدة وبناء سور حول القرية لتعزيز الأمن. ومع مرور الوقت، لم تعد قرية القلمون مجرد قرية، بل تحولت إلى مقر لمجالس القضاء الشرعي ومركزًا للحكم المحلي، مما عزز مكانتها كعاصمة لمنطقة الواحة في مراحل العصر العثماني. السجلات تكشف مركز الحكومة. الوثائق هي “الحجر الناطق” في هذه القصة. وقالت الدكتورة حنان حجازي، رئيس قسم الآثار بكلية الآداب بجامعة الوادي الجديد، لمصراوي، إن الأرشيف الوطني يحتوي على سجلات تؤكد دور قرية القلمون كمركز للحكم في العصر العثماني. ومن أبرزها وثيقة مؤرخة 1030هـ تشير إلى أن المشرف على الأحكام الشرعية كان يدير شؤون الواحات من قرية القلمون، مع تعيين نواب لإدارة المناطق الأخرى. ويوضح حجازي أنه تم رصد وثائق أخرى. أزمات اجتماعية واقتصادية، منها نزوح أهالي الخارجة بسبب الضرائب الباهظة وما نتج عنها من دمار، قبل أن يتدخل والي الواحات في قرية القلمون بوعود بتخفيض الضرائب وإعادة السكان إلى سابق عهدها، في محاولة لوقف التدهور وإعادة البناء. وتضيف أن سجلاً يحمل الرقم 392 يتضمن حججاً شرعية بين عامي 409 هـ و1342 هجرية، منها ما يثبت وجود قاضي شرعي في مدينة القلمون يشرف على الوكلاء الشرعيين في الخارجة، ما يعكس شبكة القضاء الشرعي المرتبطة بالمركز الإداري في العهد العثماني. القلمون في كتب الرحالة لم تغب قرية القلمون عن أعين المؤرخين والرحالة. وقال رئيس قسم الآثار بجامعة الوادي الجديد لمصراوي، إن ابن حوقل ذكرها في “سورة الأرض” في القرن الرابع الهجري، ثم ذكرها البكري في “المغرب في ذكر بلاد أفريقيا والمغرب”، وظهرت أيضا في “قوانين المجموعات” لابن ماماتي، وغيرها من المراجع التي وصفتها بأنها بلدة غنية بالكروم وفيها كنائس وعمارة مميزة، الذي يسلط الضوء على التنوع الثقافي والديني في محيط الواحة. الداخلة. مصحف مكتوب بخط اليد ووثائق عمرها قرون. وتحتفظ بعض الأسر بكنوز خاصة بها، وقال أحد أفراد عائلة الخطيب، الحاج عبد الستار سليمان، لمصراوي، إن العائلة تمتلك وثائق تاريخية عمرها أكثر من 340 عاما، منها معاملات زراعية وشجرة عائلة ومخطوطات إسلامية. ويشير إلى أن أبرز مقتنياتهم مصحف مكتوب بخط اليد بريشة قصب ومداد طبيعي، في 10 مجلدات، يتضمن تفسير الجلالين وشروحات عن الناسخ والمنسوخ، في مشهد يعكس حضور «ثقافة الكتابة» في القرية. قلمون. عتبات خشبية ونقوش الثلث. وفي منتصف القرن الماضي، قال عالم الآثار مجدي إبراهيم، مدير منطقة آثار الداخلة الأسبق وأحد أبناء المركز، إنه تم اكتشاف 16 عتبا خشبيا قديما فوق مداخل منازل قرية القلمون، عليها نقوش بخط الثلث تضمنت أسماء البنائين وتواريخ البناء. ويشير مجدي إلى أن أقدم تاريخ ظاهري على هذه السواكف يعود إلى عام 1108 هـ (1697 م)، مما يدل على أن العمران كان موجودا قبل ذلك، وأن العصر العثماني ترك بصمة مادية مباشرة على نسيج القرية. عائلتا “الكاشف” و”الشاهد” وأدوار الإدارة. لم يكن تاريخ الإدارة منفصلاً عن العائلات المحلية. ويوضح الدكتور عبد الله حنفي، خبير تراث الواحات والأستاذ بجامعة بورسعيد، وأحد أبناء مركز الداخلة، أن بعض الأسر مثل “الكاشف” و”الشاهد” تولت أدوارًا إدارية في العصرين المملوكي والعثماني؛ الأولى ارتبطت بتحصيل الضرائب والحفاظ على الأمن، فيما اختصّت الثانية بتسجيل عقود الملكية وإدارة شؤون الآبار الزراعية، ضمن منظومة الحكم التي كان جزء منها يدور حول القضاء الشرعي في قرية القلمون. واليوم ترتفع الأصوات المطالبة بتوثيق التراث والحفاظ على الوثائق، ويقول الدكتور عبد الله حنفي إن مخطوطات الشعب تحتاج إلى جهود متخصصة لحمايتها من التلف، مقترحا عرضها في المتاحف أو توثيقها في كتب علمية، باعتبارها جزءا من هوية وذاكرة الواحة الداخلة.


