اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-15 16:29:00
أمير حقوق | ركان الخضر | مجمد جفال
تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة من التصعيد غير المسبوق مع اتساع دائرة المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وهو صراع لم يعد محصورًا في حدود الأطراف المتحاربة، بل باتت تداعياته تمتد إلى دول عدة في الإقليم.
وفي قلب هذه الجغرافيا المتوترة تقف سوريا، التي تجد نفسها مرة أخرى أمام تحديات مركبة تفرضها بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
ورغم أن دمشق تحاول تجنب الانخراط المباشر في هذا الصراع، فإن موقعها الجغرافي، وتشابك حدودها مع لبنان والعراق، إضافة إلى إرث سنوات طويلة من النفوذ الإقليمي والصراعات الداخلية، يجعلها عرضة لتداعيات أمنية وسياسية واقتصادية متزايدة.
عنب بلدي تناقش في هذا الملف، تداعيات الهجمات العسكرية بين إسرائيل وإيران على المشهد السوري من ثلاثة جوانب، أولها المشهد الأمني الذي يفرض عدة مخاطر أمنية، أما الثاني فيتناول المشهد السياسي السوري في خضم هذه التحولات، والتحرك السياسي للحكومة السورية وما ينتج عنه، وأخيرًا، التداعيات الاقتصادية في ظل اقتصاد لم يتعافَ بعد.
لا تبدو الارتدادات الأمنية الناتجة عن المواجهة العسكرية التي اندلعت في الإقليم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بعيدة عن سوريا التي تتموضع في منتصف المواجهة بين الطرفين.
المواجهة العسكرية التي أحدثت اضطرابات أمنية في دول إقليمية عدة بالشرق الأوسط، لم تكن سوريا استثناء منها، فالطائرات الحربية الإسرائيلية تعبر الأجواء السورية، كما أن كثيرًا من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية تسقط في الأراضي السورية نتيجة اعتراضها من الدفاعات الإسرائيلية.
إلى جانب ذلك، تشكّل المجموعات المسلحة التابعة لإيران على الحدود السورية في لبنان والعراق ضغطًا أمنيًا إضافيًا على دمشق، الأمر الذي دفع الحكومة السورية لاتخاذ بعض الإجراءات لحماية نفسها من تداعيات الحرب الدائرة في الإقليم.
أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عملية “زئير الأسد” ضد إيران، لإزالة التهديد الوجودي الذي يشكّله ما وصفه بـ”النظام الإرهابي” بإيران، وذلك في 28 من شباط الماضي.
وأعلن الرئيس الأمريكي بدء “عمليات قتالية كبيرة” في إيران، موضحًا أن الهدف هو حماية الشعب الأمريكي من خلال القضاء على التهديدات الوشيكة التي يشكّلها النظام الإيراني.
إيران بدأت برد عسكري على الهجوم عليها، من خلال استهدافها عدة مواقع عسكرية في إسرائيل، والقواعد الأمريكية في دول الخليج.
غارة جوية إسرائيلية على أحد المباني في جنوبي لبنان ـ 13 آذار 2026 (AFP)
إجراءات احترازية لضبط الحدود
عزز الجيش السوري انتشاره على الحدود مع لبنان والعراق، في خطوة قال إنها تهدف إلى مراقبة الأنشطة الحدودية ومكافحة التهريب، وسط التصعيد الإقليمي والغارات الإسرائيلية التي توسعت لتشمل لبنان، بعدما استأنف “حزب الله” اللبناني، في 2 من آذار الحالي، إطلاق الصواريخ على إسرائيل، التي ردت بغارات جوية على مناطق لبنانية متفرقة في الجنوب وضاحية بيروت والبقاع.
الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، يرى أن المخاوف الأمنية السورية كبيرة من اختراق الحدود أو تموضع بعض الجماعات التابعة لإيران بالقرب من الحدود السورية، نظرًا إلى التكلفة الكبيرة على الدولة السورية من خلال ضربات جوية ستجد إسرائيل مبررًا لها حينها.
ونوه إلى تخوف آخر تمثل في احتمالية إعادة بناء جسر للإمداد اللوجستي والعسكري لـ”حزب الله” عبر الأراضي السورية، تضع سوريا في مكان لا ترغبه.
فالحكومة، بحسب تعبيره، انتهجت منهج الحياد بصفته الخيار الأفضل، لأن الحرب بين طرفين عدوين للحكومة السورية، مشيرًا إلى احتمالية دخول هذه الفصائل للجغرافيا السورية مستغلة الوضع الأمني الهش إلى الآن في حال توسع الحرب.
من جهته، يرى الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” معتز السيد، أن تكثيف الانتشار العسكري على الحدود، يأتي كإجراء احترازي في ظل التوتر الإقليمي، بهدف منع تسلل جماعات مسلحة قد تحاول استخدام الأراضي السورية كمنصة لمهاجمة إسرائيل، أو تسلل خلايا تابعة لـ”حزب الله” أو لبعض “الميليشيات” العراقية المرتبطة بإيران.
وبيّن السيد أن مثل هذه التحركات قد تجر سوريا إلى صراع لا ترغب بالانخراط فيه، لذلك تحاول دمشق ضبط حدودها بشكل أكبر ومنع أي نشاط عسكري غير منضبط.
الإجراء السوري يعتبر طبيعيًا لأي دولة في مثل هذه الظروف، حيث تسعى الحكومات عادة إلى تشديد الرقابة على الحدود خلال الأزمات الإقليمية لتفادي انتقال التوترات إلى داخل أراضيها، وفقًا للسيد.
ندعم مساعي لبنان لنزع سلاح “حزب الله”، في وقت طرح فيه الرئيس اللبناني، جوزيف عون، مبادرة تهدف إلى معالجة ملف السلاح خارج إطار الدولة.
السلطات السورية عززت انتشار قواتها الدفاعية على الحدود احترازيًا، بهدف منع انتقال تداعيات الصراع إلى الأراضي السورية، ومكافحة التنظيمات العابرة للحدود ومنعها من استخدام الأراضي السورية.
الرئيس السوري أحمد الشرع
أزمة نزوح تحمل أخطارًا أمنية
أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء طالت معظم جنوبي لبنان، ما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف، وارتفع عدد النازحين نتيجة المواجهة العسكرية بين إسرائيل و”حزب الله” إلى أكثر من 800 ألف شخص منذ بداية العمليات العسكرية في 2 من آذار الحالي حتى 12 من الشهر نفسه، بحسب وحدة إدارة مخاطر الكوارث التابعة للحكومة اللبنانية.
الأمر الذي يهدد بموجة نزوح كبيرة باتجاه الحدود السورية، خاصة في ظل وجود أكثر من مليون سوري داخل الأراضي اللبنانية، بالإضافة إلى أن سوريا تمثل المنفذ البري الوحيد للبنان إلى العالم الخارجي.
الباحث عمار جلو، أوضح أن الدولة السورية غير قادرة على إعادة اللاجئين السوريين سواء من حيث البنية التحتية والظروف الخدمية الضعيفة، والاحتمال الأخطر برأيه، يتمثل في إمكانية دخول بعض الأشخاص التابعين لـ”حزب الله” بين اللاجئين، بهدف إجراء عمليات وتنفيذ جسر بري عبر الأراضي السورية، الأمر الذي سيمس بأمن الدولة السورية ويخلط الأوراق على الساحة السورية من جديد.
بينما رجح الباحث معتز السيد، أن تتجه الحكومة السورية إلى تنظيم الدخول عبر المعابر الرسمية ومنع التهريب في حال حدوث أزمة نزوح من لبنان، مع توجيه النازحين نحو مناطق محددة لتجنب أي احتكاك مع السكان المحليين، نتيجة الحساسية الاجتماعية لدى بعض السوريين الذين يرون أن لبنان أساء سابقًا في تعامله مع اللاجئين السوريين، ما قد يخلق توترًا داخليًا إذا لم تتم إدارة الملف بحذر.
دخول بعض الأشخاص التابعين لـ”حزب الله” بين اللاجئين، بهدف إجراء عمليات وتنفيذ جسر بري عبر الأراضي السورية، سيمس بأمن الدولة ويخلط الأوراق على الساحة السورية من جديد.
عمار جلو
باحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن
أهداف الحزب من استهداف سوريا
أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري، في 10 من آذار الحالي، عن سقوط قذائف مدفعية على الأراضي السورية قرب بلدة سرغايا غرب دمشق، أطلقت من الأراضي اللبنانية.
واتهمت هيئة العمليات في تصريح لوكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، “حزب الله” اللبناني بالوقوف وراء إطلاق القذائف باتجاه نقاط للجيش السوري قرب سرغايا.
وأضافت الهيئة أنها رصدت وصول تعزيزات لـ”حزب الله” إلى الحدود السورية- اللبنانية، مشيرة إلى أنها تقوم بمراقبة وتقييم الموقف، والتواصل مع الجيش اللبناني ودراسة الخيارات المناسبة للقيام “بما يلزم”، دون إيضاح هذه الخيارات.
وبيّنت هيئة العمليات أن الجيش السوري “لن يتساهل مع أي اعتداء يستهدف سوريا”.
وفي هذا السياق، يعتقد الباحث معتز السيد أن استهداف “حزب الله” اللبناني للأراضي السورية يمكن فهمه في سياق التصعيد العسكري الأخير بالمنطقة بعد أن شهدت المناطق التي تعرضت للقصف عملية عسكرية نفذتها القوات الإسرائيلية في سهل سرغايا، استهدفت مواقع مرتبطة بالحزب في الجانب اللبناني، مما دفع “حزب الله” لرد انتقامي داخل الأراضي السورية أكثر منه خطوة عسكرية محسوبة.
لكن في الوقت نفسه، قد يكون الهدف، وفق السيد، محاولة من الحزب لنقل جزء من التوتر إلى الساحة السورية، خاصة في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها في لبنان، مثل الاستهدافات الإسرائيلية المتكررة، ونزوح مئات الآلاف من جنوبي لبنان، إضافة إلى الأزمة السياسية بعد إعلان حظر أنشطته هناك، محاولًا نشر التوتر في مناطق جديدة لتخفيف الضغط عنه داخليًا أو إعادة خلط الأوراق في المشهد الإقليمي.
في ظل الضغوط الكبيرة عليه في لبنان، يحاول “حزب الله” نشر التوتر في مناطق جديدة لتخفيف الضغط عنه داخليًا أو إعادة خلط الأوراق في المشهد الإقليمي.
معتز السيد
باحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع”
من جانبه، يرى الباحث عمار جلو، أن أهداف “حزب الله” من استهداف الأراضي السورية تتمثل على الأغلب في جس نبض الحكومة السورية في مسألة الحياد الذي اتخذته دمشق من الحرب الإقليمية، ومحاولة الوقوف على مدى جدية الدولة السورية في موقفها.
وأوضح جلو أن الهدف ربما يكون “عملية خبيثة” من الحزب لدفع الحكومة السورية للرد وخلط الأوراق في سوريا والإقليم ككل، معتبرًا أن أي عمل عسكري ضد الحزب قد يستدعي تدخلًا سوريًا في الأراضي اللبنانية، سيسهم في خلط الأوراق على الساحة اللبنانية ككل سواء على مستوى المؤيدين لـ”حزب الله” أو المعارضين له.
دخول دمشق في عملية عسكرية بلبنان سيكون شديد الحساسية، “نتيجة الذاكرة التاريخية السلبية من التدخل السوري أيام الحرب الأهلية، بحسب تعبير جلو، بالإضافة إلى احتمالية أن تكون الحكومة السورية ضحية لاصطفافات إقليمية ودولية في حال التدخل بلبنان”.
ردود محسوبة وخيارات ضيقة
قال الباحث معتز السيد، إن الرد السوري على “حزب الله” يبدو محسوبًا ومحدودًا حتى الآن، فقد قامت القوات السورية بالرد على مصادر النيران بشكل مباشر لاحتواء الحادثة ميدانيًا، وفي الوقت نفسه أجرت دمشق عدة اتصالات مع القيادات اللبنانية لمعالجة الموضوع عبر القنوات السياسية والأمنية، الأمر الذي يشير إلى أن سوريا لا ترغب في تصعيد الموقف.
واستبعد السيد أن تذهب سوريا نحو مواجهة أوسع، مرجحًا أن تكتفي الحكومة السورية بضبط الوضع ميدانيًا والتأكيد على عدم تكرار استخدام أراضيها في أي تصعيد عسكري قد يجرها إلى صراع لا تريده.
دمشق تدرك طبيعة تحرك “حزب الله”، وتفهم أن ما حدث أقرب إلى ضربات استعراضية أو ردود محدودة مرتبطة بالتصعيد الإقليمي.
معتز السيد
باحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع”
ممارسة الضغوط على لبنان
الباحث عمار جلو، يرى أن الخيارات المطروحة أمام دمشق ستقتصر على ممارسة الضغوط على الحكومة اللبنانية لمنع “حزب الله” من تكرار هذه التصرفات، الأمر الذي يجعلها خيارات ضيقة ومحدودة.
فالحكومة اللبنانية عاجزة أصلًا عن تحجيم “حزب الله”، ولو كانت قادرة على نزع سلاح الحزب لفعلت ذلك منذ زمن، بحسب جلو.
وأضاف الباحث خيارًا آخر أمام الحكومة السورية، يتمثل برأيه في التنسيق بشكل أكبر مع المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية لمنع هذه العمليات وممارسة جهود مشتركة لمواجهتها.
سقوط طائرة مسيرة إيرانية في قرية عين البيضة بريف القنيطرة نتيجة اعتراضها من الدفاعات الإسرائيلية ـ 10 آذار 2026 (الإخبارية السورية)
سياسيًا..
مع تصاعد المواجهة بين طرفي الصراع، تحاول سوريا إدارة موقعها في بيئة إقليمية شديدة الحساسية، خاصة بعد التحول السياسي الكبير الذي شهدته البلاد مع سقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام 2024، وتشكيل حكومة جديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
هذا التحول السياسي ترافق مع تغيير واضح في توجهات السياسة الخارجية السورية، إذ أنهت دمشق علاقاتها مع إيران، في مقابل تعزيز علاقاتها مع الدول العربية، ولا سيما دول الخليج.
وفي ظل هذه المعطيات، تبرز تساؤلات حول كيفية تموضع سوريا في خضم الصراع الإقليمي الحالي، والجهود السياسية التي تبذلها لتجنب تداعياته.
التحول في موقع سوريا الإقليمي
يرى الباحث في العلاقات الدولية محمد اليمني، أن التحول السياسي الذي شهدته سوريا بعد عام 2024، غيّر بشكل ملحوظ طريقة قراءة الفاعلين الإقليميين لموقف دمشق من الحرب.
فبعد سنوات كان يُنظر إلى سوريا خلالها باعتبارها إحدى ساحات النفوذ الإيراني في المنطقة، بدأت اليوم تحاول تقديم نفسها كجزء من البيئة العربية الساعية إلى احتواء الصراع ومنع توسعه.
وأشار اليمني إلى أن هذا التحول يرتبط أيضًا بالمرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، ما يدفع القيادة السورية إلى إعطاء أولوية للحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع انتقال تداعيات الحرب إلى الأراضي السورية.
من جهته، وصف الصحفي والباحث السوري صبحي فرنجية، هذا التوجه بأنه شكل من “الحياد الإيجابي”، إذ تحاول دمشق الابتعاد عن الانخراط المباشر في الحرب، مع تأكيد موقفها الداعم للدول العربية التي تعرضت لهجمات إيرانية، والعمل في الوقت نفسه على منع استخدام الأراضي السورية في أي عمليات عسكرية مرتبطة بالصراع.
توجه دمشق للابتعاد عن الانخراط المباشر في الحرب، يوصف بأنه شكل من “الحياد الإيجابي.
صبحي فرنجية
صحفي وباحث سوري
التقارب مع دول الخليج وإعادة التموضع العربي
شنت إيران هجمات صاروخية على دول الخليج العربي، مستهدفة القواعد الأمريكية الموجودة فيها، وذلك منذ إعلان أمريكا وإسرائيل بدء هجمات واسعة على إيران.
الرئيس السوري، أحمد الشرع، كثف اتصالاته الهاتفية مع عدد من قادة الخليج العرب، شملت قيادات الكويت والإمارات والبحرين وقطر والسعودية، مؤكدًا تضامن سوريا الكامل مع الدول الشقيقة في مواجهة أي اعتداءات تمس سيادتها وأمنها.
يعتبر الباحث محمد اليمني، أن التقارب الذي شهدته العلاقات السورية مع عدد من دول الخليج، مثل السعودية والإمارات وقطر، يمثل أحد أبرز ملامح إعادة تموضع سوريا في الإقليم.
فدمشق تسعى، بحسب تقديره، إلى تعزيز حضورها داخل النظام العربي وإعادة دمج نفسها في محيطها بعد سنوات من العزلة السياسية.
ويعتقد الباحث أن هذا التقارب قد يدفع سوريا إلى تبني خطاب سياسي أقرب إلى المواقف العربية في الأزمة الراهنة، خصوصًا في ظل التوتر المتزايد بين إيران وعدد من الدول العربية، مع استمرار حرص دمشق على تبني سياسة حذرة تمنع انتقال الصراع إلى أراضيها.
تقارب دمشق مع المحيط العربي يدفعها لتبني خطاب سياسي أقرب إلى المواقف العربية.
محمد اليمني
باحث في العلاقات الدولية
بدوره، يرى فرنجية أن هذا الانفتاح على دول الخليج يعكس تحولًا مهمًا في النظرة السورية لدورها الإقليمي، إذ باتت دمشق، بحسب تعبيره، ترى نفسها اليوم جزءًا من الموقف العربي في مواجهة التحديات الإقليمية، رغم محدودية إمكاناتها ووقوعها في منطقة جغرافية حساسة بين إيران ولبنان.
التحركات السياسية السورية تجاه لبنان
فيما يتعلق بالساحة اللبنانية، أجرى الرئيس الشرع عدة اتصالات مع عدد من الشخصيات السياسية اللبنانية، من بينهم وليد جنبلاط وسامي الجميّل.
ويرى الباحث محمد اليمني أن هذه الاتصالات تعكس إدراكًا سوريًا لحساسية الوضع في لبنان، الذي قد يتحول إلى ساحة تصعيد في حال توسعت الحرب الإقليمية.
ويعتقد اليمني أن دمشق تسعى من خلال هذا التواصل إلى دعم الاستقرار اللبناني ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة واسعة قد تنعكس مباشرة على الداخل السوري، سواء عبر تداعيات أمنية على الحدود أو من خلال موجات نزوح محتملة.
أما الباحث صبحي فرنجية فيرى أن هذه الاتصالات تأتي أيضًا في إطار تأكيد الموقف السوري الرافض لاستخدام الأراضي السورية في أي نشاط عسكري مرتبط بالصراع، إضافة إلى محاولة احتواء تداعيات الحرب ومنع امتدادها إلى لبنان أو إلى الحدود السورية.
التنسيق مع العراق وضبط الحدود
لا يقتصر الحراك السياسي السوري، وفق قراءة اليمني، على لبنان فحسب، بل يمتد أيضًا إلى العراق، حيث تسعى دمشق إلى تعزيز التواصل مع الحكومة الاتحادية في بغداد ومع قيادات إقليم كردستان العراق.
ويهدف هذا التواصل، بحسب تقديره، إلى تعزيز التنسيق السياسي والأمني بين الدول المجاورة ومنع تحول الحدود المشتركة إلى ممرات لتصعيد الصراع.
وقال فرنجية، إن الحكومة السورية كثفت بالفعل تواصلها مع الأطراف العراقية، إلى جانب إرسال تعزيزات عسكرية إلى المناطق الحدودية، في محاولة لمنع استخدام الحدود السورية كممر لدعم الميليشيات المرتبطة بإيران.
كما أشار إلى أن السلطات السورية تبذل جهودًا لضبط الحدود مع لبنان والعراق، ومنع تهريب السلاح أو استخدام الأراضي السورية كخط دعم لـ”حزب الله” أو الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران.
التحديات الأمنية الداخلية
رغم هذه التحركات الإقليمية، يلاحظ عدة تحديات أمنية داخلية، تؤثر على سياسة الحكومة السورية المتبعة.
وهنا، لفت فرنجية إلى أبرز هذه التحديات، وهي ملف العلاقة مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وتعقيدات الوضع في السويداء، إضافة إلى تهديدات تنظيم “الدولة الإسلامية” ومحاولاته إعادة تنشيط خلاياه.
ويرى أن هذه الظروف تجعل الأولوية لدى دمشق هي تثبيت الاستقرار الداخلي، وهو ما يفسر حرصها على منع انتقال الحرب إلى أراضيها.
وجود التحديات الأمنية الداخلية يدفع دمشق لتثبيت استقرارها الداخلي، وهذا ما يفسر حرصها على منع انتقال الحرب إلى أراضيها.
صبحي فرنجية
باحث سوري
حدود التأثير السوري في مسار الصراع
يخلص اليمني إلى أن التحركات الدبلوماسية السورية مع لبنان والعراق قد تسهم في تقليل احتمالات انتقال المواجهة إلى دول الجوار، لكنها تبقى محدودة التأثير في ظل طبيعة الصراع المعقدة التي تتداخل فيها العوامل الإقليمية والدولية.
وفي المقابل، يرى فرنجية أن هذه التحركات تحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن سوريا تسعى إلى تثبيت موقعها ضمن المحيط العربي، مع التركيز في الوقت نفسه على إدارة التحديات الداخلية التي تواجهها البلاد.
أبنية مدمرة في طهران نتيجة تعرضها لغارة جوية إسرائيلية ـ 12 آذار 2026 (رويترز)
لم تعد تداعيات الحرب بين إيران وإسرائيل تقتصر على البعد الأمني أو السياسي في المشهد الدولي، إذ بدأت آثارها الاقتصادية تظهر بوضوح في دول المنطقة.
ومع اتساع نطاق المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط، تبرز سوريا كإحدى الدول الأكثر تأثرًا بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية الناتجة عن الحرب، فاقتصادها الذي لم يتعافَ بعد من آثار أكثر من عقد من الصراع الداخلي، يجد نفسه أمام ضغوط جديدة تزيد من تعقيد المشهد المعيشي.
صدمة خارجية تضرب اقتصادًا هشًا
في هذا السياق، يبرز التساؤل حول طبيعة الانعكاسات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة لهذه الحرب على الداخل السوري.
الباحث والمحلل الأول في مركز “كرم شعار للاستشارات” بنجامين فيف، يرى أنه حتى لو بقيت سوريا خارج المواجهة العسكرية المباشرة، فإنها ستتأثر اقتصاديًا عبر ثلاث قنوات رئيسة:
ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.
اضطراب التجارة وسلاسل الإمداد.
تراجع الاستثمارات والمساعدات الخارجية، خصوصًا من دول الخليج التي تشكل مصدرًا أساسيًا للتمويل والاستثمار في سوريا.
هذه العوامل، برأيه، قد تبطئ التعافي الاقتصادي الهش وتزيد الضغوط على الأسعار والميزانية العامة.
أما الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي الدكتور عبد الرحمن محمد، فقال إن انعكاس الحرب الإيرانية- الإسرائيلية على سوريا يمكن توصيفه اقتصاديًا بأنه “تأثير تراكمي لصدمة خارجية على اقتصاد هش”.
ويشاطر عبد الرحمن فيف في رأيه، بأن سوريا ليست طرفًا مباشرًا في الحرب بقدر ما هي ساحة تتأثر بنتائجها، مشبهًا الاقتصاد السوري بمريض يعاني مرضًا مزمنًا ثم يتعرض لصدمة جديدة تعطل وظائفه الحيوية.
وأشار إلى أن أبرز مظاهر هذا التأثير تتمثل في تعميق حالة الركود الاقتصادي، حيث تتراجع الأنشطة التجارية والصناعية في المناطق القريبة من خطوط التوتر أو المعرضة للقصف.
كما يترافق ذلك مع تسارع تدهور الليرة السورية نتيجة ازدياد الطلب على العملات الأجنبية.
أسعار الطاقة العالمية وانعكاسها على السوق السورية
تعد أسواق الطاقة من أكثر القطاعات حساسية تجاه الصراعات الإقليمية، إذ ترتبط أسعار النفط والغاز بدرجة الاستقرار في مناطق الإنتاج وخطوط الإمداد، خاصة أن إيران أغلقت مضيق هرمز، الذي تمر عبره 20% من صادرات الطاقة في العالم.
وأشار الدكتور عبد الرحمن محمد إلى أن تأثير الحرب على أسعار الطاقة عالميًا ارتبط أساسًا بمخاطر توسع الصراع أكثر من ارتباطه بتعطل الإنتاج الفعلي.
لكن بالنسبة إلى سوريا، فإن تأثير هذه الارتفاعات يكون مضاعفًا، فبحسب محمد، تعتمد سوريا بشكل كبير على استيراد المشتقات النفطية مثل المازوت والبنزين، ما يجعلها أكثر تأثرًا بأي ارتفاع في الأسعار العالمية.
وأضاف أن الحرب قد تؤدي أيضًا إلى تعقيد طرق الإمداد، خاصة إذا تأثرت المواني أو خطوط النقل عبر لبنان، ما يزيد من التكاليف اللوجستية ويضغط على السوق المحلية.
ويقدّر الخبير الاقتصادي أن ارتفاع سعر برميل النفط عالميًا بنحو 30 دولارًا قد ينعكس سريعًا على السوق السورية، حيث يمكن أن ترتفع أسعار المشتقات النفطية في السوق السوداء بنسبة تتراوح بين 20 و35% نتيجة هشاشة سلاسل التوريد وغياب الدعم الكافي.
تعتمد سوريا بشكل كبير على استيراد المشتقات النفطية، ما يجعلها أكثر تأثرًا، ومن الممكن أن ترتفع أسعار المشتقات النفطية في السوق السوداء بنسبة تتراوح بين 20 و35%.
عبد الرحمن محمد
خبير اقتصادي وأستاذ جامعي
ويوافقه الرأي الباحث بنجامين فيف، ويعتبر أنه بالنسبة لسوريا، التي تعتمد جزئيًا على الإمدادات الخارجية وتعاني أصلًا من ضعف في قطاع الطاقة، فإن أي ارتفاع عالمي قد يُترجم إلى زيادة ملموسة في تكاليف الطاقة وانخفاض ساعات الكهرباء.
وتوقع أنه قد تتراوح الزيادة الفعلية في التكلفة بين نحو 10 و25% إذا استمر التصعيد لأسابيع.
أبنية مدمرة في طهران نتيجة تعرضها لغارة جوية إسرائيلية ـ 12 آذار 2026 (رويترز)
قطاعات اقتصادية تحت الضغط.. الطاقة أولها
مع اتساع رقعة التوتر الإقليمي، تتأثر عدة قطاعات اقتصادية في سوريا بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما ينعكس على الأسعار ومستوى المعيشة.
الباحث والمحلل الأول في مركز “كرم شعار للاستشارات” بنجامين فيف، قال إن أكثر القطاعات تأثرًا هي الطاقة والكهرباء، والغذاء والزراعة، والنقل والتجارة، إضافة إلى الاستثمار والمشاريع الكبرى.
وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود والنقل ينعكس مباشرة على أسعار السلع والإنتاج الزراعي، بينما قد تتردد بعض الاستثمارات الخارجية في ظل عدم الاستقرار الإقليمي.
لذلك من الضروري إعطاء الأولوية لتأمين الطاقة والمواد الأساسية، ومراقبة الأسعار لمنع الاحتكار، وتنويع مصادر الاستيراد والتمويل لتقليل المخاطر.
أكثر القطاعات تأثرًا هي الطاقة والكهرباء، والغذاء والزراعة، والنقل والتجارة، إضافة إلى الاستثمار والمشاريع الكبرى.
بنجامين فيف
باحث ومحلل أول في مركز “كرم شعار للاستشارات”
الاستيراد والتصدير.. رهينة تعطل حركة الحدود
بدوره، أكد الدكتور عبد الرحمن محمد، أن قطاع الطاقة يأتي في مقدمة القطاعات الأكثر تأثرًا، كما يتأثر قطاع التجارة والاستيراد والتصدير نتيجة إغلاق بعض الطرق الحيوية أو تعطل حركة النقل عبر الحدود والمواني، ما يؤدي إلى ما يشبه “المنع غير المباشر للاستيراد”.
ولا يقل القطاع الزراعي تأثرًا بهذه التطورات، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة إلى زيادة تكاليف الإنتاج الزراعي، إضافة إلى صعوبات تصدير المنتجات إلى الأسواق التقليدية.
أما قطاع النقل والخدمات اللوجستية فيواجه بدوره تحديات كبيرة مع توقف العديد من الشاحنات وارتفاع أجور النقل، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع في الأسواق.
وللتخفيف من هذه التداعيات، يقترح الخبير الاقتصادي عبد الرحمن محمد:
تقديم دعم لوجستي مباشر لعمليات نقل المواد الغذائية والدوائية الأساسية.
تشجيع الإنتاج المحلي عبر دعم المزارعين والصناعيين لتعويض جزء من نقص السلع المستوردة.
إغلاق بعض الطرق أو اضطراب حركة الشحن يؤدي عادة إلى ارتفاع أسعار السلع بسبب زيادة تكاليف النقل والتأمين وتأخر وصول الشحنات، وهو ما قد يسبب نقصًا مؤقتًا في بعض المواد.
وفي الحالة السورية، حيث يعتمد جزء كبير من السوق على الاستيراد، فإن هذه الاضطرابات قد تدفع الأسعار إلى الارتفاع بشكل أكبر، خصوصًا إذا تزامنت مع ارتفاع أسعار الوقود وضعف القدرة الشرائية.
بنجامين فيف
باحث ومحلل أول في مركز “كرم شعار للاستشارات”
النزوح من لبنان وتأثيره الاقتصادي على سوريا
من بين التداعيات غير المباشرة للحرب، تصاعد التوتر في لبنان وبدء موجات نزوح جديدة باتجاه سوريا، سواء من السوريين المقيمين في لبنان أو من بعض اللبنانيين.
ويرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أن هذه الظاهرة يمكن قراءتها اقتصاديًا بوصفها نقلًا للأعباء الاقتصادية والبشرية من لبنان إلى سوريا.
وقال إن عودة أعداد كبيرة من السكان بشكل مفاجئ قد تشكل ضغطًا إضافيًا على الخدمات العامة والبنية التحتية، خصوصًا في المناطق التي تستقبل الوافدين، مثل ريف دمشق وحمص والمناطق الحدودية.
كما يؤدي ارتفاع عدد السكان إلى زيادة الطلب على السلع الأساسية والسكن والخدمات، وهو ما قد يدفع الأسعار نحو الارتفاع ويزيد من معدلات التضخم في الأسواق المحلية.
نشاط بعض القطاعات وضغط على الأخرى
أما الباحث بنجامين فيف، فيرجح أن عودة أعداد من السوريين من لبنان أو دخول بعض اللبنانيين إلى سوريا قد تنشط بعض الأنشطة الاقتصادية المحلية على المدى القصير، مثل الإيجارات والاستهلاك، لكنها في المقابل تزيد الضغط على الخدمات العامة وسوق العمل والبنية التحتية في بلد يعاني من محدودية الموارد.
وإذا استمرت هذه الموجة، بحسب تعبيره، فقد تؤدي إلى زيادة الطلب على الغذاء والطاقة والمساعدات الإنسانية في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوري أصلًا ضغوطًا كبيرة.
كشفت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، أن 65 ألف سوري عادوا من لبنان منذ مطلع آذار الحالي، على خلفية التصعيد الإسرائيلي الأخير على لبنان.
Related



