السودان – معضلة التأسيس وعبور المتاهة – نحو مشروع وطني سوداني شامل

أخبار السودان17 مارس 2026آخر تحديث :
السودان – معضلة التأسيس وعبور المتاهة – نحو مشروع وطني سوداني شامل

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-16 12:27:00

زهير عثمان في لحظات التحولات الكبرى، لم تعد الكتابة ترفاً فكرياً، بل أصبحت محاولة لفهم المأزق الوطني والبحث عن مخرج منه. يقف السودان اليوم في إحدى لحظاته التاريخية الأكثر قسوة وتعقيدا، حيث تتقاطع الحرب مع الانقسام السياسي، ويتقاطع انهيار الدولة مع أزمة النخبة التي عجزت منذ عقود عن صياغة مشروع وطني شامل. وفي هذا السياق، لا تبدو الأزمة السودانية مجرد صراع مسلح اندلع في أبريل/نيسان 2023، بل هي تعبير مكثف عن خلل بنيوي رافق ظهور الدولة الحديثة منذ الاستقلال. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل الجدل الفكري والسياسي اليوم ليس فقط كيفية وقف الحرب، بل كيفية إقامة الدولة السودانية القادرة على البقاء والاستقرار. ويتلخص جوهر الأزمة في ثلاثة أسئلة رئيسية: ما الذي يبحث عنه السياسيون السودانيون؟ فكيف يمكن بناء الوطن الحقيقي على أساس المواطنة وليس الهيمنة؟ وأين يمكن للسودان أن يستلهم النماذج الناجحة في محيطه الأفريقي ليخرج من دائرة المتاهة التاريخية؟ فخ الشرعية المتخيلة لماذا يفشل السياسيون في البحث الصحيح؟ ومن يتأمل المشهد السوداني يدرك أن جزءاً كبيراً من الأزمة يعود إلى الطريقة التي بحثت بها النخبة السياسية عن الشرعية. منذ الاستقلال، اتجه العديد من الفاعلين السياسيين إلى طريق البلطجة بدلاً من طريق البناء. طلب الدعم من القبيلة أو السلاح أو المال أو الدعم الخارجي، بدلاً من بناء شرعية حقيقية تقوم على خدمة المواطن وإنشاء مؤسسات دولة مستقرة. وفي الأزمة الحالية، يبدو هذا التوجه أكثر وضوحا، حيث انحصر الصراع السياسي في كثير من الأحيان في معركة تقاسم السلطة وحماية الامتيازات الضيقة، بدلا من التنافس على أفضل السبل لإدارة الدولة وتحقيق مصالح المجتمع. وهكذا تحول الصراع من منافسة سياسية مشروعة إلى صراع وجودي عبثي على من يحق له البقاء في السلطة، في حين أن الدولة نفسها تتآكل من الداخل وتزداد هشاشتها يوما بعد يوم. من الغنائم إلى المواطنة. معضلة التأسيس. لم يشهد السودان عام 1956 تأسيساً حقيقياً للدولة الوطنية الحديثة، بقدر ما شهد تحولاً مضطرباً إلى جهاز دولة استعمارية صممت في المقام الأول لأغراض السيطرة والإدارة، وليس لبناء مشروع وطني شامل. ومنذ ذلك الوقت، دار الصراع السياسي في كثير من الأحيان حول تقسيم «الغنائم» التي تمثلها الدولة، بدلاً من مناقشة كيفية بناء مؤسسات وطنية قوية تخدم المجتمع بأكمله. إن الخروج من هذا المأزق التاريخي يتطلب إعادة النظر في أسس الدولة نفسها، وهو ما يتطلب ثلاث خطوات مركزية: أولاً، حل الرابطة بين القبيلة والدولة. تمثل القبيلة في السودان إطاراً اجتماعياً مهماً، لكنها تتحول إلى مشكلة عندما تصبح بديلاً للدولة أو أداة للهيمنة السياسية. إن التحول الحقيقي يتطلب بناء دولة ذات مؤسسات تقوم على المواطنة المتساوية، وليس على توازنات القوى الاجتماعية. ثانيا، صياغة عقد اجتماعي جديد. السودان يحتاج إلى دستور دائم يعبر عن الإجماع الوطني الواسع، ويحدد بوضوح قواعد العلاقة بين السلطات المختلفة، ويؤكد أن مهمة المؤسسة العسكرية هي حماية البلاد، وليس إدارة السياسة. ثالثا، العدالة باعتبارها حجر الزاوية في الاستقرار. ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح إذا تجاهل جراح الحروب والصراعات التي عاشها السودانيون منذ عقود. المصالحة الحقيقية لا تقوم على النسيان، بل الاعتراف بالانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها وتعويض الضحايا. النوافذ الأفريقية عندما انتصرت الدولة على الفوضى. وكثيرا ما يتطلع السودانيون إلى تجارب بعيدة في أوروبا أو أمريكا اللاتينية بحثا عن نماذج للتحول الديمقراطي، بينما في القارة الأفريقية نفسها تجارب غنية تستحق التأمل. ففي رواندا، على سبيل المثال، خرجت الدولة من واحدة من أفظع عمليات الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث، لكنها تمكنت من خلال إصلاح مؤسسات الدولة وإعادة بناء الهوية الوطنية، من التحول إلى نموذج للاستقرار والتنمية في شرق أفريقيا. أما جنوب أفريقيا فقد قدمت درساً مختلفاً يعتمد على قوة التفاوض السياسي. نجح نيلسون مانديلا ورفاقه في تحويل الصراع العنصري الطويل إلى عملية انتقالية تفاوضية أنتجت دستورا قويا ومؤسسات قادرة على حماية الدولة حتى في أوقات الأزمات السياسية. إن هذه التجارب لا تقدم وصفات جاهزة، ولكنها تذكرنا بحقيقة مهمة: وهي أن الإرادة السياسية القادرة على بناء المؤسسات قادرة على التغلب حتى على الموروثات التاريخية الأكثر تعقيدا. من الشتات إلى وطن محتمل. وخلال السنوات الأخيرة، اضطر ملايين السودانيين إلى مغادرة مدنهم وقراهم بحثاً عن الأمان. ولم يكن هذا الشتات الواسع نتيجة للحرب فحسب، بل كان انعكاسًا عميقًا لفقدان الثقة في قدرة الدولة على حماية مواطنيها. لكن التجارب الإنسانية العظيمة تعلمنا أن الأوطان يمكن أن تولد من جديد عندما تدرك النخب السياسية والمجتمعية أن استمرار الصراع يعني خسارة الجميع، وتمزيق الوطن أو تقسيمه، أو حتى تقسيمه إداريا للكيانات المتحاربة. يقف السودان اليوم على مفترق طرق حقيقي، فإما الاستمرار في إعادة إنتاج حلقة العنف والانقسامات المفرغة، أو الشروع في بناء مشروع وطني جديد يقوم على دولة المؤسسات. إن دولة القانون، المشروع الوطني الشامل، لا تبدأ بالشعارات، بل بإدراك بسيط وعميق في الوقت نفسه، أن السلطة بلا وطن هي وهم زائل، وأن الكرسي الذي يقف فوق أنقاض الدولة هو مقعد خاسر مهما طال الزمن. إن بناء دولة القانون هو الضمان الوحيد حتى لا يضطر المواطن السوداني مرة أخرى إلى حمل وطنه في حقيبته بحثاً عن الأمان في بلدان أخرى. *الوطن الحقيقي هو الذي يشعر الناس فيه أن القانون يحميهم، وأن الدولة ملك للجميع، وأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الماضي. zuhair.osman@aol.com

اخبار السودان الان

معضلة التأسيس وعبور المتاهة – نحو مشروع وطني سوداني شامل

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#معضلة #التأسيس #وعبور #المتاهة #نحو #مشروع #وطني #سوداني #شامل

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل