اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-24 12:16:00
منذ 13 دقيقة زهير عثمان حمد 8 زيارة زهير عثمان ملهمة ومستندة إلى رؤية الدكتور محمد عبد الله في مقالته: “الدولة التي تآكلت: من لبنانية العالم إلى واقع السودان”. في بداية هذا الوحي لا بد من وقفة تقدير واعتزاز لقلم الدكتور محمد عبد الله الرصين الذي أضاء في مقالته الفذة “الدولة التي تآكلت” زوايا مظلمة في فهمنا للوضع الراهن، وألبس الأزمة السودانية ثوب التحليل الفلسفي العميق الذي ألهمت السطور التالية. وله منا ومن الأمة أعظم الشكر على ذلك. الأساس الفكري الملهم: في لحظات التحول الكبير، لا تنهار الدول دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء، وكأن بنيتها الداخلية تفقد تماسكها دون ضجيج كافٍ لجذب الانتباه. وهذا ما حاول المفكر الفرنسي جان ماري جوينو تصويره في وقت مبكر عندما تحدث عن انحدار الدولة القومية، ليس كحدث عابر، بل كتغير في طبيعة العالم ذاته. ولم تكن أطروحته إعلانا عن نهاية الديمقراطية، بل كانت بالأحرى تحذيرا من تآكل الظروف التي جعلتها ممكنة في المقام الأول. لكن هذا التحليل لا يتوقف عند أوروبا في سياق ما بعد الاستعمار. وقد قدم مفكرون مثل أشيل مبيمبي ومحمود ممداني قراءة أعمق للدولة الأفريقية، وهي الدولة التي ولدت كهيئة حكومية، وليس كعقد اجتماعي. كإطار إداري مفروض، وليس كتجسيد لتاريخ مشترك. ولذلك، لم يكن مستغرباً أن يظل هشاً أمام أول اختبار حقيقي للشرعية في السودان. ولا يبدو أن هذا التشخيص مجرد احتمال نظري، بل هو وصف دقيق لواقع قائم. ولم تكن الدولة، منذ نشأتها، مستقرة كإطار شامل، بل ظلت كيانًا متنازعًا عليه، يتأرجح بين المركزية القسرية والتفكك الفعلي. ومع كل أزمة كبرى، انقلاباً أو حرباً، فإنها تفقد جزءاً إضافياً من قدرتها على احتكار القرار، والأعمق من ذلك هو احتكار المعنى. إن احتكار المعنى لا يقل أهمية عن احتكار العنف. الدولة لا تحكم بالقوة فحسب، بل بالسرد وبسردية مشتركة تخبر الناس من هم ولماذا يعيشون معًا وما الذي يجعل هذا الكيان يستحق الاستمرار. فعندما تتعدد الروايات دون مرجعية شاملة، لا يختلف الناس حول السياسة فحسب، بل حول معنى الأمة نفسها. وفي السودان، تآكلت هذه القدرة تدريجياً. ولم تعد هناك قصة وطنية موحدة، بل أصبحت هناك روايات متنافسة: واحدة ترى في الدولة امتدادا لمركز تاريخي، وأخرى تراها أداة للهيمنة، وثالثة تنكرها في المقام الأول كإطار عادل. وهكذا، لم تفقد الدولة سيطرتها على الأرض فحسب، بل فقدت قدرتها على إقناع الناس بأنها «دولتهم». عند هذه النقطة يتغير السؤال السياسي جذريا ولم يعد “من يحكم؟”، بل “لماذا نحكم معا أصلا؟” ومع غياب الإجابة المقنعة، عادت الهويات الثانوية لتملأ الفراغ، ليس كحنين للماضي، بل كآلية بقاء. لقد أصبحت القبيلة والمنطقة والطائفة مصادر حماية ومعنى في الوقت نفسه، في وقت عجزت الدولة عن توفير كليهما. لكن الخطأ يكمن في اعتبار هذه الهويات سبباً للأزمة. وهي في الواقع نتيجة لانهيار الإطار الشامل. وعندما تفشل الدولة في أن تكون مظلة عادلة، يصبح التراجع إلى مجموعات أصغر خياراً عقلانياً، وليس انحرافاً. لكن استعادة الدولة القديمة وشكلها المركزي ليس حلاً. بل قد يعني إعادة إنتاج الأزمة نفسها. إن الدولة التي فشلت في السابق في إدارة التنوع لن تنجح إذا عادت بنفس الخيال السياسي. إن ما يحتاجه السودان ليس استعادة نموذج ما، بل التفكير في آليات انتقالية جديدة، حتى لو كانت ناقصة. فدرالية جديدة حقيقية لا تقوم على تقسيم إداري شكلي، بل على توزيع فعلي للسلطة والموارد، بحيث يشعر الإقليم بأنه شريك وليس تابعاً. العقود المؤقتة. ترتيبات سياسية مؤقتة تعترف بأن الدولة في طور التشكيل، وتسمح بإدارة التنوع بدلاً من إنكاره (بدلاً من القفز مباشرة إلى نموذج نهائي غير واقعي). أمان متعدد المستويات. إعادة تنظيم العنف، وليس احتكاره بشكل فوري، من خلال التكامل التدريجي للقوى، وربطها بإطار قانوني، بدلاً من تركها في سيولة مفتوحة. هذه ليست حلولاً نهائية، بل هي ملامح أولية لمسار محتمل. وحتى لا يبقى الحديث مجرد تجريد، تكفي الأمثلة السريعة من الواقع السوداني. وعندما تحولت بعض المناطق إلى مناطق نفوذ للقوات المسلحة، لم يكن ذلك بسبب السلاح فقط، بل بسبب غياب الدولة كضامن. وحين لجأت المجتمعات إلى كياناتها المحلية، لم يكن ذلك رفضاً للوطن، بل بحثاً عن الحد الأدنى من الأمان. وعندما فشلت النخب في التوصل إلى تسوية مستقرة، لم يكن الخلاف على السلطة فحسب، بل على تعريف الدولة نفسها. والسودان بهذا المعنى لا يعيش «نهاية الديمقراطية»، بل يعيش أزمة أوضاعه. إن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع ونصوص دستورية؛ إنه نظام يقوم على أساس متين: الأمن الذي يوفر الحد الأدنى من الاستقرار، والثقة التي تسمح بالتعاون على الرغم من الاختلافات، والسرد المشترك الذي يعطي الناس سببا للانتماء. وغياب هذا الأساس لا يجعل الديمقراطية مستحيلة، لكنه يجعل أي تجربة لها سابقة لأوانها، أو بالأحرى محكوم عليها بدورة جديدة من الفشل. وهنا يعود السؤال، ولكن بشكل أكثر قسوة: إذا كانت كل دولة مبنية على ثمن – ثمن التنازلات، وإعادة التعريف، وقبول العيش مع أولئك الذين يختلفون عنهم، فما هي الدولة التي أنت على استعداد لدفع ثمنها؟ هل هي دولة تشبهك؟ وحيد؟ أم دولة تتسع لك ولغيرك حتى لو لم ترضيك تماما؟ أم أننا في النهاية نريد دولة بلا ثمن، دولة لا تغضب أحدا، ولا تستبعد أحدا، ولا تلزم أحدا؟ إذا كان الأمر كذلك… فهي ليست دولة، وربما لهذا السبب كلما حاولنا بنائها كلما انهارت قبل أن تولد. zuhair.osman@aol.com أنظر أيضا تحليل زهير عثمان – بين وهم الحل السياسي ومطالب العدالة في أتون الحرب الشاملة في هذا…



