اخبار السعودية – وطن نيوز
عاجل اخبار السعودية – اخبار اليوم السعودية
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-10 00:02:00
توفي مؤخراً الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، وارتبط اسمه بتطوير نظرية نقدية للمجتمع المعاصر، وتحليل الحداثة الغربية، ونقد بنيتها الفكرية والسياسية. وترك إرثا من السجالات السياسية والفكرية، أهمها العقلانية التواصلية والديمقراطية، واصفا الحوار بأنه نقطة محورية في بناء المجتمعات. واتسمت فلسفته بالطابع التحرري، لكن هناك جانبا آخر في مشروعه الفكري لا يخلو من تأثير المركزية الأوروبية وافتراض تفوق التجربة الغربية في إنتاج الوعي والمعايير، وهو ما خلق جدلا حول إخفاقات الفلسفة التحررية والنزعة الاستكبارية التي تؤمن بالتفوق الفكري. وما عمق هذا النقد لهابرماس هو معالجته لمشروع الحداثة في المجتمعات الغربية ومسار تطورها ضمن آلية تحليلية مبنية على تجربة الوعي الغربي. وهو ما اعتبره النقاد حصرا مثالا لمرحلة أكثر تقدما في التاريخ، وعلى هذا المقياس يصبح معيارا لتقييم الثقافات الأخرى. وكانت في مرمى نقاد ما بعد الاستعمار وعلى رأسهم ناقد الاستشراق إدوارد سعيد. الأول يدافع عن عالمية الحداثة، والثاني يفكك الشخصية الإمبراطورية في الخطاب الحداثي الغربي. ويربط هابرماس مسار العقلانية والحداثة الليبرالية والفضاء العام الحديث بوجود معايير عالمية للأخلاق والديمقراطية، ويربطها بالتجربة الغربية، متجاهلاً دور الاستعمار. ترتبط المعرفة في تكوين الفكر التحرري بتاريخ الإمبريالية، ولم تحلل نظريته العقلانية بنية المعرفة من خلال علاقتها بالهيمنة والقوة خارج جغرافية الغرب، كما قام إدوارد سعيد بتفكيك الخطابات الأكاديمية الغربية التي بررت هيمنة الشرق. يركز تحليل هابرماس لتاريخ الحداثة على التنوير والمجتمع المدني وتطور المؤسسات في الغرب، ويتجاهل دور الاستعمار في تشكيل الحداثة الأوروبية نفسها. وبينما انتقد الرأسمالية ودعا إلى تطوير واستكمال مشروع الحداثة، فإنه لم يتناول في تحليله إنتاج الوعي النقدي التحليلي. وبسبب ظاهرة الاستعمار والأصوات التي أنتجتها القادمة من عالم آخر لم ينتبه إليها، يرى سعيد أن أوروبا لم تبني حداثتها بمعزل عن العالم، بل من خلال التوسع الإمبراطوري، وبالتالي يدعو إلى توسيع مسار التحليل النقدي دون إهمال البعد الإمبراطوري للحداثة الغربية. ينطلق سعيد من افتراض أن النظام العالمي غير متكافئ بسبب التفاوت في القوة والمعرفة الناتج عن العلاقات الاستعمارية، لكنه يؤمن بالحوار الثقافي العالمي، على عكس الحوار الذي يدعو إليه هابرماس، إذ لا يمكن أن يكون متساويا. مشروع تفكيك آليات الهيمنة متفاوت ولا يحقق التكافؤ الكامل رغم اعتماده الدفاع عن الحرية والعدالة والحوار. دافع هابرماس عن التعددية والحوار والمساواة والاعتراف بحقوق الآخر، لكن المفاهيم الحوارية التي يتحدث عنها نشأت أو ظهرت في بنيتها ضمن سياق أوروبي، وكأنها أعطت معيارا ثابتا لنظام فكري مقيد جغرافيا وتاريخيا وثقافيا، وفرضت نموذجا للحوار السياسي الذي يقصي ويهمش. ولا يمكن عزل مفاهيم العقلانية والديمقراطية والتواصل. وفهمه لسياقات ثقافية مختلفة ومتعددة، ناهيك عن أنه أنهى حياته بالوقوع في فخ السياسة من خلال موقفه من الحرب على غزة، وهذا ما دفع إلى التساؤل عن إمكانية تأسيس عقلانية عالمية دون الوقوع في فخ الانحياز والهيمنة الثقافية. لقد أثر في مسار الفكر المعاصر بسجالات نقدية تولد بالضرورة أبعادا أخرى يمكن من خلالها استخلاص أدوات نقدية من سياق نظريته نفسها نحو حوار عالمي مفتوح حول القيم الثقافية المشتركة عالميا لتطوير العمل التواصلي في الحرية والمساواة والعدالة لتنظيم العلاقات بين الشعوب، وتجديد نهضة المجتمع المدني والديمقراطي والعقل الحواري في العالم العربي على أسس حكيمة وعقلانية لمتطلبات العصر، وعدم الغرق في المثل النظرية، أو الانغلاق على مسار نقدي لا ينحرف عن الانعزال وراءه. إن متاريس الإشارة إلى الهيمنة، أو الخطوط المفردة، هي بمثابة جدار لا تنبت عليه السحابة برعمًا. بل إن تفكيك ثقافة الهيمنة على الشعوب الخاضعة لسلطة الاستعمار الرقمي والانبهار الثقافي بتكنولوجيا القوة الناعمة والصارخة، ينبغي أن يكون مسارها المعرفي لتطوير وتوجيه الفكر والنقد إلى حوار عالمي للثقافات. بمعنى آخر: هل يمكن أن نتبنى نظرية العقلانية التواصلية كمفهوم إنساني لتأسيس خطاب عقلاني محلي ثم عالمي يتجاوز الحدود الحضارية؟


