اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-14 12:44:00
جمال محمد إبراهيم (1) قال الرئيس الأمريكي “الشعبوي”، دونالد ترامب، وهو في قمة بهجته، بعد أن شن حربا وحشية بمشاركة إسرائيل ضد دولة إيران، إنه سيتعمد تدمير حضارة ودفنها تحت التراب. ومن المثير للدهشة أنه على الرغم من الحروب الكثيرة التي شهدها العالم والتي شاركت فيها الولايات المتحدة الأمريكية ضد بعض شعوب الأرض، إلا أننا لم نسمع تصريحًا من أي من قادتها حول نيته محو أي من حضارات تلك الشعوب. وتزداد دهشة من يتابعون هذا الرئيس إذا علمنا أنه جاء عبر انتخابات شرعية ليحكم دولة ذات دستور راسخ ومؤسسات راسخة. إنه متهور مثل «هولاكو» الذي دمر بغداد قبل قرون، ومتهور مثل نيرون الذي أحرق روما، وقاسٍ مثل أدولف هتلر الذي أشعل الحرب العالمية الثانية. (2) لو ظهر في عصرنا الحاضر طاغية متغطرس بلا حدود، وهو دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، الذي بدل أن يطمح إلى الفوز بجائزة نوبل للسلام، لجاز له أن يطمح إلى الحصول على لقب مدمر الحضارات، عن جدارة، إذا كان عازماً على ذلك في المنطقة الشرقية. الوسط…! وحتى هولاكو الذي دمر الدولة العباسية المتداعية، وجاء يجتاح بغداد منذ نحو سبعة قرون كالإعصار الهائج، لم يُروى عنه مجيئه إلى تلك البلاد ليدفن حضارتها ويدفنها تحت التراب. إن الحضارات تأتي وتذهب، تنمو وتتطور، ثم تضعف وتنهار وتهبط، لكن لا هذا الصعود ولا ذاك السقوط يكون على يد قائد حكيم أو طاغية متكبر. فالتاريخ له منطقه الخاص، ولحركة الإنسانية وإنجازاتها وتحولاتها. وبعدها ومعها يمكن تحديد عناصر الاستقرار والصلابة، أو الانهيار والسقوط. لكن سقوط الحضارات لا يكون بقرار فرد متكبر مهما كانت درجة غطرسته، ولا بقرار جيش، ولو كان مليئا بالقوات الظالمة، في البر والبحر والجو. (3) لا يوجد من يشكك في قوة الدستور الأمريكي، ولا في المصداقية التي تتمتع بها مؤسسات الولايات المتحدة الأمريكية في تفعيل المكابح الرادعة لمثل هذه الغطرسة التي جاءت بها مصادفات التاريخ من حيث لم يتوقعها أحد. لكن استثماراته المليارية في أسواق العقارات لم ترضيه، فبفضل مؤهلاته -التي اكتسب بعضها أثناء مرافقته لصديقه «إيبستاين»- تخيل الرجل أنه قادر، ليس على حكم الولايات المتحدة وحده، بل على السيطرة على العالم أجمع. ويرى الرئيس «الشعبوي» أن القدر اختاره ليحكم العالم ويتحكم في مقدراته، ليتحقق المجد لأميركا -وأميركا وحدها- على يديه. ولم يكن من الممكن لهذا «الشعبوي» أن يفوز بانتخابات الرئاسة الأميركية، لولا ضعف سلفه الرئيس الديمقراطي «جو بايدن» الذي لا حول له ولا قوة. القدرات – إنه في تلك السن المتأخرة لإدارة “البيت الأبيض” بمستوى يناسب قوة ومكانة تلك الدولة القطبية الشمالية. تأخر الحزب الديمقراطي في ملاحظة ضعف فرص التجديد لمرشحه “جو بايدن”، فأرسل نائبه في الوقت الضائع لمنافسة أبرز رجل الصفقات والأرباح في الحزب الجمهوري، الذي يتطلع إلى استعادة سمعته الشخصية، بعد هزيمته أمام الرئيس الديمقراطي المسن. لم يكن مقدرا لـ«بايدن» ولا «كامالا هاريس» مواجهة «البلدوزر» دونالد ترامب. . (4) هكذا تولى الجمهوري «الشعبوي» الرئاسة في «البيت الأبيض»، متسلحاً بروح الانتقام القاسية من سلفه الديمقراطي الضعيف «بايدن». وهكذا فهو لم يعمل على محو سياسات سلفه فحسب، بل أيضاً على التراجع عن كل ما أوضحه سلفه (أوباما)، أي نوايا واضحة إن جاز التعبير. وربما كانت لترامب خلال المائة عام الأولى نوايا واضحة، من بينها احتكار القرار الرئاسي شخصياً. وظهر هذا التوجه لأول مرة في اختياره لمساعديه ومستشاريه، إذ أن أغلبهم من صفوف حزبه الجمهوري، ومن رفاقه في عالم المال والعقار والصفقات التجارية. ولأنه أراد السيطرة على قرارات السياسة الخارجية في البيت الأبيض حصراً، اكتفى بتعيين مستشار الأمن القومي مساعداً له، السيد مارك روبيو، وأبقيه مسؤولاً عن إدارة وزارة الخارجية الأميركية اسمياً. لم يول الرئيس “الشعبوي” سوى القليل من الاهتمام للدبلوماسية المهنية في وزارة الخارجية، بل وتجاهلها عمدًا في بعض الأحيان. وقد تجلى ذلك من خلال الانخفاض الكبير في عدد الموظفين العاملين في البعثات الأمريكية في الخارج. ولعل سحب أكثر من أربعين سفيرا من السفارات الأميركية في أفريقيا وآسيا، والإبقاء على القائمين بإدارتها، يعكس توجها قويا لدى إدارة البيت الأبيض لاحتكار قرارات السياسة الخارجية، وتقليل الاهتمام بدور البعثات الأميركية الخارجية. . (5) ومن ثم يمكن ملاحظة غياب الأدوار لمراكز الدراسات الاستراتيجية والسياسية الأمريكية، وهو ما كان له الأثر الواضح في تحديد بوصلة السياسات الأمريكية ومواقفها الخارجية على مدى عقود طويلة. وهم الآن بعيدون ولا يسمع صوتهم. ويمكنك أن ترى كيف أن المجلات المحترمة، مثل «فورين بوليسي» وأمثالها، لا تهتم بما تنشره. في عهد ترامب، لا أذن تستمع للرأي المستقل، ولا عين تهتم بالتحليل الموضوعي. أما الإعلام الأميركي فيكفي أساليب البلطجة والتحرش التي يتبعها العالم، والتي لا يخفيها الرئيس الشعبوي عن الصحافيين وممثلي القنوات الأميركية الكبيرة والصغيرة. وهذا الرئيس -كما نتابع- لا يكف عن انتقاد من يحبه في وسائل الإعلام، أو السخرية ممن لا تعجبه أسئلته. (6) ثم يأتي الرجل إلى الأمم المتحدة وهي شبح لا يراه أبدًا، وإذا سمع تذمرها لا يهتم بها ولا يذكر اسمها حتى على لسانه. وهذا ليس الشيء الوحيد في المجال السياسي. رادار الرجل لا يلتقط أي ذبذبات وإشارات من مؤسسات «بريتون وودز» الاقتصادية والمالية العتيقة. أما منظمة التجارة الدولية فكأنه لا يراها ولا يسمع صوتها، وقد تجلى ذلك في حرب الجمارك العالمية التي شنها لفرض ما يراه العالم أجمع مجرد إتاوات تُفرض قسرا على الجميع. وحتى القرارات الفنية وشبه الفنية في إدارته، فإن الرئيس «الشعبوي» هو الذي… يتولى أمرها ويتحدث باسمها، ولا ترى أحداً من وزرائه ومستشاريه المعنيين يشاركه إعلان تلك القرارات، إذ كان دورهم محدوداً، كما هو واضح على شاشات القنوات، وقد قدموا له أقلام التوقيع، أو صفقوا له بلطف.. (7) من أعجب الأعجوبة، وربما قصدها مزحة سخيفة، لا إلا أن الرجل يطمح للفوز بجائزة نوبل للسلام، وهو أول رئيس أمريكي يجلس في البيت الأبيض يغير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب. وبعد ذلك لا يتردد في إقامة تحالف فاعل مع رئيس وزراء إسرائيل الغارق في أحلامه التوراتية، لتنفيذ إبادة جماعية لمن تبقى من الشعب الفلسطيني، ومحو أرضه من خرائط الجغرافيا. لكن الجغرافيا لن تنكسر في وجه أكاذيب التاريخ، وأكبر كذبة الرجل هي مجلس السلام العالمي. فها هو في حرب إيران، متفق مع الرئيس الإسرائيلي وعصابته -وبدون مبرر مقنع للشعب الأميركي- على لعب دور الذيل وإسرائيل رأس الكلب، لتقاتل معها الجمهورية الإيرانية، في عدوان لن تجني ثماره إلا دويلة إسرائيل وحدها، وقد وضعها الرئيس «الشعبوي» في موقع «الدولة الكبرى». ومن العجيب أن يدعي رئيس تلك الدولة الكبرى أنه هو الذي حجب قدراته ومقدرات دولته عن حماية دول الخليج العربي. وإذا كذب عليه البلغاء لم يخفى هواه. بأن يقوم عملاؤه بكبح جماحهم، والقتال معه في حرب لا تعنيهم شيئًا. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. بل بلغت الحماقة ذروتها عندما حاول ذلك الرئيس الشعبوي التقليل من مكانة أمير عربي رفيع، بفاحشة امتنع حتى «الشارع» عن التلفظ بها في الشوارع، إلا بين أدنى الناس، وأمثال أقرب رفاقه، من نوع «إبشتاين» الهالك. «هولاكو» ربما يتقلب في قبره لو سمع أننا شبهناه بـ«شعبوي» القرن الحادي والعشرين.. 2026/04/09




