اخبار السعودية – وطن نيوز
عاجل اخبار السعودية – اخبار اليوم السعودية
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-08 00:58:00
ويتغنى بعض المثقفين العرب بالاستقلال الثقافي والفكري والسياسي والاجتماعي الذي لا مكان له ولا حقيقة إلا في الدعاوى. فمنهم من يستجيب لسلطة النخب أو الجماهير، ويتحمس للمكونات الأصغر في عصر ما قبل الدولة، بينما يقضي البعض حياتهم مرعوباً من السلطات، كبيرها وصغيرها، إذا قررت الانطلاق من رؤى محايدة ودون تحيز. ويظهر بعض المثقفين بواقعهم الزائف في أوقات الأزمات، مما يدل على ارتباك الهوية وسرعة الانجذاب إلى الاستقطابات، وبالتالي قد يصبح الاستقلال مجرد كلام. ويرى المفكر الدكتور محمد الرميحي أن المثقف ليس كائنا معزولا عن بيئته، بل هو نتاج مجتمع وثقافة وتاريخ، يتأثر بلغته وما يقرأه ومن يقابله والتجارب التي يمر بها. لافتاً إلى أن فكرة الحياد التام تبدو أقرب إلى المثالية النظرية منها إلى الواقع. وأضاف: طبعا هذا لا يعني أن الاستقلال مستحيل، بل يعني أن الاستقلال نسبي ويتطلب جهدا واعيا. ويرى الرميحي أن استقلال المثقف يبدأ من وعيه بانحيازاته قبل أن يدعي التغلب عليها، ومن قدرته على التشكيك في أفكاره، وليس الدفاع عنها فقط، ويرتبط بامتلاكه أدوات المعرفة، وليس مجرد تكرار ما يقال حوله. موضحا أن المثقف المستقل لا ينعزل عن مجتمعه، ولا ينحل فيه، بل يحافظ على مسافة نقدية، تسمح له بالرؤية دون اغتراب، ولا يجعل الانتماء عائقا أمام الحقيقة. وشدد على أن الاستقلال له تكلفة، فهو يضع صاحبه خارج الاتجاهات السائدة، وقد يحرمه من القبول السريع أو الشعبية السهلة، لكن قيمته تكمن في قدرته على قول ما يجب أن يقال، وليس ما يريد سماعه. وأضاف: “الاستقلال ليس حالة ثابتة، بل هو ممارسة يومية واختيار أخلاقي قبل أن يكون موقفا فكريا”. وعد الباحث الفلسفي محمد محفوظ بأن تجديد وتفعيل العلاقة وبناء أواصر الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع من الضرورات القصوى التي تجني الواقع العربي من الكثير من السلبيات والعيوب. ودعا المجتمعات العربية المتنوعة إلى الخروج من تسمياتها الخاصة إلى مجال الوحدة الوطنية والمواطنة الشاملة. وقال محفوظ إن وحدة الشعوب العربية اليوم تعتمد على تبني مبادرات شجاعة فعالة تهدف إلى معالجة بعض مشاكل الحياة العربية وتعزيز أواصر العلاقة بين الدولة والشعب. مؤكداً أن الدعوة إلى التشبث بخيار الدولة، والعمل على حماية فكرتها في المجتمع العربي المعاصر، لا تعني هدم القبائل والطوائف والأديان والمذاهب، بل تدعو إلى احترام التنوع الذي تعيشه المجتمعات العربية كافة، لكن الاحترام هو الذي يعزز خيار التكامل والوحدة. لافتاً إلى أنه عندما يتمسك كل حزب بلقبه، ويضحي بالحاضنة والموحد للجميع، فإنه يفتح الطريق أمام فتنة وحروب لا نهاية لها بين كل هذه المكونات، ويطمح إلى رفع قيمة المواطنة. باعتباره عنوانًا وحقيقة قانونية ودستورية تنظم نظام الحقوق والواجبات. مضيفاً أن الأوطان لا تحميها تطورات الصراعات الطائفية وأنظمة المحاصصة الطائفية والعشائرية والحزبية والشعارات السياسية الفارغة. بينما تساءل الشاعر فارس خضر: كيف يمكن للمثقف أن يكون مستقلاً في واقعنا العربي، وهو يمشي كلاعب السيرك على حبل مشدود، ينتظر -بأي زلة- أن يسقط على عنقه…؟! ويرى خضر أننا عندما نريد أن نعرف مدى استقلالية المثقف العربي، علينا أن نحصي عدد جولاته. سيرة ذاتية، مكتوبة على درجة عالية من الصدق والحياد، قادرة على مساءلة ومراجعة الذات، وملاحقة الواقع الاجتماعي والسياسي وإدانته. كم من سيرة ذاتية ملهمة كتبها المثقفون، أزالوا خلالها أغلال أفكارهم المكبوتة وجعلونا نعيد ترتيب الحياة من جديد…كم…؟! ويعتبر مصطلح الاستقلال مرادفا للحرية، ولا استقلال بدونها. وأضاف: لقد تخلى المثقف دائماً عن استقلاله طوعاً وانتمى إلى حزب أو جماعة أو اتحاد أو قبيلة أو طائفة أو فصيل، لا لسبب سوى توفير بعض الحماية لنفسه. ومن المفترض أن هذا الانتماء يجعل وسائل القمع أقل فتكا. مشيراً إلى الموانع الداخلية والمخاوف المشروعة وحتى الرعب التي تنمو داخل المثقف، مما يجعل طموحه في التعبير عن آرائه يتراجع تدريجياً. ونفى أن يكون المثقف جباناً، لأنه يرى مصير الحالمين الذين تجردوا، في لحظة صدق، من حذرهم وتحدثوا بصوت عالٍ، متجاهلين كل المحرمات التي تحول دون استقلالهم. ورأت الكاتبة سلمى المنفي أن المثقف له فكر نقدي وله زاوية خاصة به ينظر منها إلى الأمور بشكل مختلف، حتى لو كان من أفراد المجتمع، يعيش آلامهم ويطمح إلى تحقيق آمالهم ولا يتظاهر بالمصلحة، بقدر ما هي مسؤولية أخلاقية. التأكيد على أن المثقف يتأثر بالآخرين، وبالبيئة المحيطة التي احتضنت أفكاره، بدءاً من والده وأمه، مروراً بالمدرسة والقرية والقبيلة والمنطقة والوظيفة، وصولاً إلى العالم الأكبر. وترى أنه يصعب عليه التمرد على هذه الانتماءات التي دخل تحت عباءتها، سواء طوعا أو مكرها. لافتاً إلى أن المثقف الذي لا يساهم في تخليص المجتمع من الطائفية والتعصب والخرافات ليس مثقفاً إلا بالتظاهر. وأضافت: بعض المثقفين يطالبون بالاستقلال، لكنهم يفشلون في الامتحان الأول. مواجهة جبل من الإغراءات؛ بالنسبة للمال والمناصب والصورة الاجتماعية، تبدأ الشريحة الصامتة. وأضافت: المثقف كغيره يقدم الذرائع والمبررات. وتساءلت: هل كان المثقف مستقلا حقا؟ وهل يمكن أن يفعل ذلك دون أن يحتمل المشقة ويدفع الجزية الباهظة؟ عبد الله الغدامي: المثقف يحب الصفات ولبسها. ويؤكد عراب الحداثة السعودية الدكتور عبد الله الغدامي أن المثقف إنسان كسائر البشر، ومن طبيعة البشر أن يطالبوا لأنفسهم بالصفات الحميدة التي يتزينون بها ويحافظون عليها. وقال الغدامي: “نعلم علم اليقين أننا خلال الامتحان لا نقف أمام ادعاءات أو ادعاءات، وأخطرها ادعاء الاستقلال والحياد، وكلنا نطالب بهما، وهذا ما حيرني عندما قررت أن أضع تعريفا لنفسي على حسابي في تويتر، إذ استخدمت عبارة “دعوا أنفسكم مستقلين”، وهذه الجملة تحدتني كثيرا لحظة تشكلها في ذهني، وفي البداية كتبت “كونوا مستقلين” وغيرها، ولكن لقد تراجعت عنه وحذفته لأن التعبير هنا سيكون أمراً وتوجيهاً من جهة، وسيكون افتراضاً متعالياً عن قدرتنا، وأننا نستطيع أن نكون كما نريد من جهة أخرى، وهذا تصور غير واقعي”. وأوضح صاحب قصة الحداثة أنه ذهب إلى القول: “دعوا أنفسكم مستقلين”. والحقيقة أن تسمية أنفسنا ببعض الصفة هو أمر معتاد، فمن السهل على الإنسان أن يسمي نفسه أو ولده حاتم أو كريم ويدرك تماما أن الناس لن يأخذوا ذلك على محمل الجد، ولن يتعاملوا معه بشرط الكرم أو الحتمية، وكذلك الحال مع كلمة مستقل. مشيرين إلى أنه من السهل أن نطالب بالاستقلال كصفة لنا؛ لأننا لن نقول أبداً إننا متحيزون وخاضعون لشروط الرغبة والرهبة. ويرى أن لسؤالنا معنى، إذ من المعروف أن المثقف يحب الصفات ويلبسها بالتكبر والكبر، أما الرجل العادي فهو متواضع قليل الكبر. وعزا سر ادعاءات المثقفين إلى الاعتقاد بأنهم مستقلون ومحايدون وحاملون لشعلة التنوير، وبالتالي أصبح المطالبة بهذه الصفات حالة ثقافية. مضيفاً: قليل من الناس يتواضعون بهذه الصفات، لكن الواقع يشهد غير ذلك بلا شك. وأضاف: ربما نتعاطف مع المثقف ونقول إن الثقافة لا تريده أن يتواضع، وهذه لعبة ماكرة أوقعتنا في فخاخها.



