اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-11 12:00:00
الأزمة التي يعيشها لبنان اليوم لا تظهر كما هي في الواقع، بل كما يُراد أن تُقال. فالبلد يعاني من انهيار شامل اقتصادياً واجتماعياً ومؤسساتياً، فيما يتلخص كل هذا المشهد المعقد في عنوان واحد يقدم كمدخل وحيد لأي حل: نزع سلاح حزب الله. وبالتالي، لا يتم التعامل مع الأزمات كأزمات مستقلة تتطلب قرارات عاجلة، بل يتم إعادة صياغتها ضمن مسار واحد، وتجميد كل ما سواه. وهذا التحول ليس تفصيلاً في الخطاب، بل هو إعادة بناء كاملة للأولويات. فجأة، لم يعد انهيار النظام المالي هو القضية المركزية، على الرغم من خسارة الودائع اللبنانية وتفكك القطاع المصرفي. ولم يعد تفكك مؤسسات الدولة يشكل الخطر الداهم، رغم الشلل الذي أصاب القضاء والإدارة والخدمات العامة. ولم تعد الهجرة الجماعية وانهيار التعليم والصحة من القضايا الملحة. كل هذه الأزمات، على خطورتها، تم تأجيلها، حتى يتم معالجة ملف واحد مقدم كمدخل إلزامي لكل شيء. وفي قلب هذا المشهد يقف الانهيار المالي جريمة لا محاسبة لها. وأدت سنوات من السياسات الخاطئة والهندسة المالية إلى فجوة ضخمة، في حين ظلت المسؤوليات ضائعة بين السياسة والبنوك. ولم يتم فتح تحقيق شامل، ولم يتم تحديد المسؤوليات، ولم يتم استرداد الأموال المحولة. ليس لأن الحقيقة مجهولة، بل لأن كشفها يهدد شبكة من المصالح المترابطة التي لديها القدرة على تعطيل أي طريق للمحاسبة. وبذلك تبقى القضية معلقة، ويعاد النقاش عنها. القطاع المصرفي، الذي من المفترض أن يكون بوابة التعافي، تحول إلى هدف للشلل المتعمد. كل الخطط معروفة، من إعادة الهيكلة إلى توزيع الخسائر، لكن القرار غائب. وأي إصلاح فعلي سيكشف حجم الخسائر ومن سيتحملها، وسيعيد رسم موازين القوى داخل النظام الاقتصادي. ولذلك، يبقى هذا الملف في حالة من التجميد الدائم، فيما يرتبط مصيره بملفات سياسية لا علاقة لها بها بشكل مباشر. الدولة نفسها في حالة تعليق مفتوحة. الكهرباء تستنزف دون حل، والقضاء عاجز عن تحريك القضايا الكبرى، والإدارة العامة تتفكك تحت وطأة الانهيار. هذه ليست ملفات فنية تتطلب سنوات من المفاوضات الدولية، بل هي قرارات داخلية يمكن اتخاذها في أي لحظة. ومع ذلك، لا يؤخذ. والسبب لا يكمن في التعقيد، بل في غياب الإرادة، وفي وجود مصلحة واضحة في إبقاء الوضع على ما هو عليه. وحتى برنامج صندوق النقد الدولي، بكل وضوح شروطه، لم يفلت من هذا المنطق. الإصلاحات المطلوبة معروفة، من توحيد سعر الصرف إلى ضبط المالية العامة وتعزيز الشفافية. تضرب هذه الإجراءات جوهر النظام القائم على الزبائنية وتقاسم السلطة، فيتم التحايل عليها أو تأجيلها عبر ربطها بمسار سياسي أوسع يسمح ببقاء الأمور معلقة. ما يحدث في لبنان هو إعادة تعريف شاملة للأزمة. من أزمة النظام الاقتصادي السياسي الفاسد إلى قضية واحدة يعاد ترتيب كل النقاشات حولها. وهذا التحول يخفف الضغوط على المسؤولين عن الانهيار، ويحول الأنظار نحو ملف معقد مرتبط بالتوازنات الإقليمية والدولية. في هذه المعادلة يصبح الاقتصاد رهينة، ويتحول لقمة عيش الشعب اللبناني إلى تفصيل ضمن صراع أكبر. التكلفة لا تحتاج إلى شرح. مجتمع يستنزف يومياً، والقدرة الشرائية تتآكل، والمدخرات تتبخر، والخدمات تنهار، والشباب يغادرون. في المقابل، تواصل شبكات النفوذ تعزيز مواقعها، مستفيدة من غياب أي مسار فعلي للمحاسبة. الفوضى لا تتم مواجهتها، بل إدارتها، ولا يتم ملء الفراغ، بل استغلاله. والأخطر من ذلك أن هذا المسار لا يؤدي إلى الحل، بل إلى ترسيخ الانهيار كدولة دائمة. ويتم الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار لمنع حدوث انفجار كامل، دون معالجة الأسباب. وهكذا يتحول الانهيار من مرحلة انتقالية إلى واقع مستقر، وتتحول الدولة من كيان يسعى إلى التعافي إلى كيان يتكيف مع العجز. وفي النهاية، المشكلة لا تكمن في تعدد الأزمات، بل في تقليصها. وعندما يتم إعادة ربط كل شيء بهدف واحد، يتم تأجيل بقية الملفات تلقائيًا. أموال المودعين، إعادة بناء المؤسسات، إصلاح الاقتصاد، مستقبل المجتمع.. كلها تنتقل إلى مرحلة لاحقة قد لا تأتي. في هذا التعليق المتواصل، الفساد لا يتراجع، بل يرسخ، مستغلا بلدا أعيد تعريف أزماته ليظل عالقا فيها.



