اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-12 09:15:00
إن أزمة دولة الاحتلال الإسرائيلي ليست أزمة حدود أو أمن بالمعنى التقليدي، بل هي أزمة وجودية تتخذ من الهوية محوراً لها. الدولة التي قامت على أساس صهيوني كدولة للشعب اليهودي تجد نفسها اليوم أمام تناقض بنيوي حاد بين خصوصيتها اليهودية المزعومة ومتطلبات الدولة الحديثة ومتطلبات الاندماج في البيئة الجيوسياسية العربية والإسلامية. وعلى المستوى السياسي الداخلي، تعيش إسرائيل حالة من الاستقطاب الشديد الذي يهدد تماسكها. أثارت محاولات حكومة بنيامين نتنياهو تمرير تشريع لإضعاف المحكمة العليا وتعديل طريقة اختيار القضاة لمنح السلطة السياسية نفوذا أكبر على السلطة القضائية، موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات، ووصفها معارضوها بأنها تهديد للديمقراطية الليبرالية، بينما تعتبرها الحكومة خطوة ديمقراطية ضرورية لاستعادة التوازن بين السلطات. وهنا تتجلى أزمة الهوية في أبشع صورها، إذ تتصارع رؤيتان متناقضتان داخل دولة الاحتلال. الأول هو العلمانية الليبرالية التي ترى في إسرائيل دولة للجميع. والثانية قومية دينية ترى فيها دولة لليهود فقط، وتمتد الأزمة لتشمل البعد القانوني الدستوري، حيث تسعى الحكومة إلى تثبيت هوية الدولة قانونيا من خلال ما يسمى بقانون الدولة القومية، الذي يعرف إسرائيل بأنها الدولة القومية للشعب اليهودي، ويجعل القانون اليهودي أساسا للتشريع، ويلغي وضع اللغة العربية كلغة رسمية. ويكشف هذا المسعى عن مشكلة مركزية في الصهيونية نفسها، وهي استحالة التوفيق بين مفهوم الدولة اليهودية ومتطلبات دولة المؤسسات الحديثة. كما أن المحاولات المستمرة لإضعاف الجهاز القضائي وإخضاعه للسلطة التنفيذية تذكرنا بما أسماه الدكتور عبد الوهاب المسيري بالعلمنة الشاملة للمقدسات وتحويل القانون من أداة لتحقيق العدالة إلى أداة للهيمنة السياسية. على الصعيد الدبلوماسي، تقف إسرائيل أمام مفارقة ملحوظة. وبينما تسعى جاهدة إلى توسيع دائرة التطبيع عبر اتفاقات إبراهيم لتشمل السعودية ولبنان وغيرهما من الدول، فإنها تدرك بعمق أن الاعتراف العربي والدولي لا يمنحها الشرعية الوجودية التي تفتقدها. وما التطبيع إلا غطاء هش يخفي حقيقة أن إسرائيل لا تزال كيانا استيطانيا وظيفته الأساسية خدمة المشروع الإمبريالي الغربي في المنطقة. الحديث عن نقلة نوعية بإدراج السعودية في منظومة التطبيع يعكس وهماً استراتيجياً مفاده أن الشرعية تُشترى بالاتفاقات السياسية، وليس بالاندماج العضوي في البيئة الثقافية. عسكرياً، تكشف حرب غزة المستمرة عن استنزاف عميق للجيش الإسرائيلي وتراجع في قدراته الرادعة. صحيح أن الآلة العسكرية تسيطر الآن على نحو 60% من قطاع غزة وتواصل عملياتها اليومية، لكنها غير قادرة على حسم المعركة مع المقاومة التي لا تزال تحكم القطاع رغم تدمير 90% من بنيته التحتية. والأخطر من ذلك أن الجيش يعاني من إرهاق غير مسبوق، إذ يخدم جنود الاحتياط بمعدل ثمانين يوماً سنوياً، ما ينذر بانهيار معنوي ومادي للمؤسسة العسكرية التي طالما شكلت ركيزة أساسية. في بناء الهوية الإسرائيلية في ظل استمرار الحرب والعدوان على لبنان، والاستعداد والاستعداد تجاه إيران في ظل المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة. وعلى المستوى الجيوسياسي، تواجه إسرائيل معضلة استراتيجية خانقة. إن حالة التأهب العسكري الدائم التي فرضتها حكومة نتنياهو منذ 7 أكتوبر 2023 تستنزف الاقتصاد والمجتمع وتدفع آلاف الإسرائيليين الحاصلين على شهادات عليا والعاملين في قطاعي العلوم والتكنولوجيا إلى عكس اتجاه الهجرة. وغادر نحو أربعين ألفاً وستمائة إسرائيلي البلاد في الأشهر السبعة الأولى من عام 2024 وحدها، بزيادة تقارب ستين بالمئة، وهو ما يهدد بإفراغ البلاد من نخبها العلمية، ويؤكد أن إسرائيل ليست ملاذاً وطنياً. بالنسبة لليهود، فهي محطة عبور مؤقتة لأولئك الذين يبحثون عن فرصة اقتصادية. جذور الأزمة تكمن فلسفيا في الطبيعة الاصطناعية والمتناقضة للمشروع الصهيوني. وقد راهن هذا المشروع منذ بداياته على تصفية المنفى اليهودي وخلق يهودي جديد قائم على الأرض والسلطة، لكنه لم يتمكن من حسم العلاقة بين البعد الديني والبعد القومي لهوية الدولة، فبقيت إسرائيل دولة هجينة تجمع بين ملامح الدولة القومية الدينية والدولة الديمقراطية الليبرالية دون الانتماء الكامل لأي منهما. ويعكس هذا التردد الوجودي مأزق الصهيونية التي أرادت الهروب من يهودية الغيتو الدينية المنعزلة إلى الغرق في اليهودية العنصرية. بديل لا يقل عزلة وصعوبة الاندماج في نسيج المنطقة. أزمة الهوية الإسرائيلية ليست مرحلة عابرة في تاريخ الكيان، بل هي مصير بنيوي لا مفر منه. فالصهيونية، باعتبارها حركة استعمارية استيطانية، لا تستطيع أن تنتج هوية مستقرة لأنها قامت على إنكار الآخر الفلسطيني ومصادرة حقه في الوجود. هذه الجريمة المؤسسية تؤرق الضمير الإسرائيلي وتجعل من البحث عن الهوية رحلة عقيمة محكوم عليها بالفشل. إن ما نشهده اليوم من تفكك داخلي وتآكل في اللحمة الاجتماعية ليس إلا تجلياً ملموساً لحقيقة مركزية، وهي أن الكيان الصهيوني يحمل في أحشائه بذور انقراضه لأنه اغتصب الأرض. وأنكر الإنسان وزور التاريخ.



