السودان – العصيان في أكسفورد: عندما يتم تهريب الابتذال إلى حرم المعرفة

أخبار السودانمنذ ساعتينآخر تحديث :
السودان – العصيان في أكسفورد: عندما يتم تهريب الابتذال إلى حرم المعرفة

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-14 23:40:00

د.الوليد آدم مادبو: ليس فضيحة أن يحتج سياسي سوداني في الخارج فهذه من طبيعة السياسة، ولا أن يقابل كامل إدريس بغضب من بعض السودانيين، إذ جاء الرجل يحمل على سلطة مزقتها الدماء والاتهامات والخراب. الفضيحة الحقيقية هي أن أمراض المجال العام السوداني تأتي إلى مدينة مثل أكسفورد – المدينة التي راكمت قروناً من التقاليد الأكاديمية الصارمة – بمثل هذا الابتذال والعنف والاستهتار. في الوقفة الاحتجاجية التي نظمها بعض ثوار ديسمبر أمام جامعة أكسفورد احتجاجاً على استضافة كامل إدريس، كان من الممكن أن يبقى المشهد في حدود الخلاف السياسي المشروع: هتافات، ولافتات، ونقاش فكري، وربما حتى غضب شديد؛ وهذه كلها من طبيعة الفضاءات الديمقراطية. لكن أن يتحول الأمر إلى اعتداء جسدي على المتظاهرين، ومن بينهم امرأة، من قبل شخص تابع لموظفي السفارة أو مرافقيها، فهذا ليس مجرد تجاوز فردي، بل تسلل صارخ لثقافة البلطجة والعنف في واحدة من أعرق المؤسسات الأكاديمية في العالم. لكن ما يستحق التأمل حقاً ليس سلوك المعتدي وحده، بل سلوك أولئك الذين ذهبوا إلى تلميع سلطة منهكة أخلاقياً وسياسياً في مساحة أكاديمية بحجم أكسفورد. وتقول العرب: «فلان معطل» – أو «مانع» في العامية السودانية – وجمعه «أواق» أي من يفسد الأمر ويجره إلى الشر والخيبة. من وجهة نظري، هؤلاء الأشخاص ليسوا مجرد مؤيدين سياسيين، بل هم عوائق بالمعنى الثقافي للكلمة. فالناس يريدون تهريب البضائع العتيقة إلى سوق لا يشتري الخردة الفكرية، وتسويق القبح داخل مؤسسة تقوم فلسفتها على الشك والنقد والعقلانية. لكن الحادثة، في واقع الأمر، تكشف عن أزمة أعمق من مجرد خلاف سياسي عابر. ويكشف عن مأزق السودانيين المعاصرين، وخاصة في المنفى الأوروبي. كثير من السودانيين الذين غادروا الخرطوم إلى لندن أو باريس أو برلين غادروا جغرافياً فقط، بينما حملوا معهم كل هشاشة المجال السوداني: التعصب والخيانة والعنف اللفظي والانقسام القبلي والعقائدي. وكأن الحرب لم تدمر المدن فحسب، بل أثرت حتى على قاعات الجامعات الغربية. الهجرة وحدها لا تصنع إنسانا متحضرا. وقد ينتقل الإنسان من أطراف العالم إلى قلب أوروبا، ثم يبقى أسيراً لنفس العقلية التي تربى على الفوضى والبلطجة والغنائم. ولهذا السبب؛ لأنهم لم يستوعبوا بعد معنى العيش في مجتمعات يحكمها القانون لا الأصوات العالية، والمؤسسات لا الشلل. لكن الأمر أكثر تعقيدا من صورة «المهاجر الساخط» التي يروج لها اليمين الشعبوي. يصل العديد من المهاجرين إلى أوروبا وهم يحملون وهماً مثالياً عن العدالة، والرفاهية، والكرامة الإنسانية، فقط ليواجهوا واقعاً بارداً: العزلة الثقافية، والعنصرية الضمنية في بعض الأحيان، وصعوبة الاندماج، وانحدار الوضع الاجتماعي. الطبيب الذي عومل باحترام في الخرطوم قد يجد نفسه سائق توصيل طلبات أو حارسًا ليليًا في مدينة أوروبية لا تعرف عنها شيئًا. هذه الصدمة لا تولد الحكمة دائما؛ في بعض الأحيان يولد المرارة والعدوان والعزلة. ثم جاءت الحرب الأخيرة في السودان، فضاعفت هذا الانهيار النفسي. الحرب لا تقتل الناس فقط؛ إنه يحطم المعايير الأخلاقية نفسها. فعندما يشهد الإنسان يومياً القتل والخيانة والإساءة والدعاية السوداء، فإنه يصبح أكثر استعداداً لتبرير القسوة ضد خصمه، حتى لو كان من أبناء وطنه. ولذلك نرى اليوم لغة خيانة وتجريد من الإنسانية لم تكن بهذا المستوى من قبل. لقد خلقت الحرب السودانيين يعيشون حالة من التأهب العصبي المستمر، وكأنهم يحملون الجبهة العسكرية داخل صدورهم حتى وهم في المنفى، في حين أن وسائل التواصل الاجتماعي تكافئ التطرف والغضب أكثر مما تكافئ التوازن والعقل. لكن وسط هذا الضجيج هناك آلاف السودانيين في أوروبا يدرسون ويعملون ويؤسسون شركات صغيرة ويؤسسون مبادرات قانونية وإعلامية وإنسانية محترمة. لكن المشكلة هي أن الضجيج أكثر وضوحا من البناء الهادئ، والفوضى أكثر عرضة للانتشار من الاجتهاد الصامت. وأخيرا، هل السودانيون أمة فوضوية بطبيعتها؟ لا أعتقد أن “الطبيعة” هي التفسير الصحيح. لقد عاش السودان عقودا طويلة من الاستعمار والانقلابات والحروب الأهلية وتسييس القبيلة وتدمير التعليم وانهيار مؤسسات الدولة. عندما تتفكك الدولة لفترة طويلة، فإن طبيعة المجتمع نفسه مشوهة. الفوضى هنا ليست جينة وراثية، بل نتيجة تاريخية. والدليل على ذلك أن السوداني نفسه يمكن أن يكون منضبطاً ومنتجاً وملتزماً بالقانون عندما يعيش ضمن نظام عادل ذي معايير واضحة. ولكن لا ينبغي لنا أن نهرب إلى الرومانسية الوطنية. إننا نواجه بالفعل أزمة عميقة في الثقافة العامة: ضعف الاحترام للنظام، ومفهوم ضعيف للمسؤولية الفردية، والعاطفة السياسية المفرطة، وتمجيد الفروسية على حساب الكفاءة. الاعتراف بهذا ليس كراهية للذات، بل بداية النضج. المشكلة هي أن بعض السودانيين يريدون صورتين متناقضتين في نفس الوقت: أن يعاملوا كشعب عظيم أخلاقيا، بينما يرفضون أي نقد حقيقي للذات. وهذا مستحيل، لأن الأمم لا تنضج بالمدح، بل بالمراجعة القاسية الصادقة، دون الوقوع في كراهية الذات أو العنصرية ضد الناس العاديين الذين سحقهم التاريخ والحرب والفشل السياسي. أما من ظن أنه يستطيع جر سلوك «الشفافية السياسية» وتسلط السفارات إلى أكسفورد، فقد نسي أن الجامعات العظيمة لا تهزم بالصراخ، ولا تخدعها العلاقات الأنيقة والخطابات الفارغة. وهناك، في المدن التي احترمت العقل لقرون عديدة، سرعان ما ينكشف المستوى الرديء مهما حاول أصحابها حماية أنفسهم بالشعارات أو المواكب الدبلوماسية. وقد قالت العرب: إذا غلب الأحمق بغير علم فهو منتظر من القيامة. 15 مايو 2026 auwaab@gmail.com الكاتب

اخبار السودان الان

العصيان في أكسفورد: عندما يتم تهريب الابتذال إلى حرم المعرفة

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#العصيان #في #أكسفورد #عندما #يتم #تهريب #الابتذال #إلى #حرم #المعرفة

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل