اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-24 09:00:00
ماذا يعني إعلان مباركة البطريرك الماروني الياس الحويك في هذا الوقت بالذات، وهو وقت صعب تُختبر فيه فكرة “لبنان الكبير”، الذي أراد البطريرك المبارك أن يكون مباركاً بالمعنى المجازي للكلمة، أي أنه كان يتطلع إلى رؤية هذا “لبنان” عظيماً بوحدة شعبه، حتى لو كانت مساحته الجغرافية صغيرة نسبياً مقارنة بالدول الكبرى. لكن بعد مائة وستة أعوام على هذا الإعلان التاريخي بمعناه الثقافي والتبشيري، بحسب الوصف الإيحائي للبابا القديس يوحنا بولس الثاني، يبدو المشهد اللبناني مختلفاً عما كان عليه منذ سنوات، قبل أن تنخر «السوسة الأجنبية» مفاصل الدولة، ويعم الفساد دوائرها وإداراتها ومؤسساتها. قبل أن تطغى فكرة الدويلات الطائفية على فكرة الدولة المركزية، وقبل أن تقوى الأولى وتضعف الأخيرة، وقبل أن يتحول الولاء الكامل للوطن إلى ولاء مجزأ للطائفة والحزب والقائد. وفي خضم هذا الانهيار التدريجي لفكرة الدولة، يحمل إعلان البطريرك الحويك مباركاً أكثر من بعد روحي وكنسي، إذ يتجاوز الإطار الديني المحض ليأخذ طابعاً وطنياً وتاريخياً عميقاً، وكأن الكنيسة المارونية، ومن خلفها الفاتيكان، تستذكر جوهر المشروع اللبناني الذي ولد على أيدي رجال دولة ورجال دين آمنوا بأن لبنان ليس مجرد كيان جغرافي أو ظرفي. الاستيطان، بل مساحة لقاء ورسالة تعايش وحرية في هذا الشرق المضطرب. الحويك المبارك الذي ارتبط اسمه بتأسيس «لبنان الكبير» عام 1920، لم يكن يطمح إلى خلق وطن لمجموعة أو أخرى. بل رأى في لبنان نموذجاً للشراكة الإنسانية والثقافية التي تتجاوز الحسابات الطائفية الضيقة. ومن هنا، فإن إحياء صورته اليوم ليس مجرد تكريم لشخصية تاريخية، بل هو استحضار لمرحلة كان فيها الحلم اللبناني أكبر من الانقسامات وأوسع من مشاريع المحاور والنفوذ. ولعل المفارقة المؤلمة تكمن في أن الإعلان عن المدينة الفاضلة يأتي في وقت يبدو فيه لبنان أبعد ما يكون عن تلك الرؤية. والدولة التي أرادها الحويك كانت قوية بمؤسساتها، وعادلة بين شعبها، ومنفتحة على محيطها والعالم. وهي اليوم أصبحت دولة منهكة، غير قادرة على حماية مواطنيها أو توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة لهم. أما فكرة «العيش الواحد» التي شكلت جوهر التجربة اللبنانية، فهي تتعرض لاختبارات قاسية تحت ضغط الانهيار الاقتصادي، والهجرة الجماعية، وصعود الخطابات الطائفية والمذهبية، واستنفار الشارع، وسط تهديدات متبادلة بعناوين استفزازية وتحريضية. ومن هنا، فإن توقيت إعلان تطويب الحويك في هذا التوقيت بالذات لا يبدو أمراً عادياً، إذ هناك رسالة واضحة في خلفية الفاتيكان مفادها أن لبنان، رغم كل ما حل به، لا يزال يحمل معنى يتجاوز أزماته الحالية، وأن سقوط النموذج اللبناني برمته ليس قدراً محتوماً. وكأن الكنيسة تقول للبنانيين إن العودة إلى فكرة الدولة ليست ترفاً سياسياً، بل شرط الوجود والبقاء. وهذا الحدث يطرح أيضاً، ولو بطريقة غير مباشرة، سؤالاً وجودياً لدى اللبنانيين كافة: ماذا بقي من «لبنان الكبير» بعد أكثر من قرن من ولادته؟ فهل لا تزال القوى السياسية تتعامل مع الدولة كمشروع نهائي وشامل، أم أنها حولتها إلى مجرد ساحة لتقاسم النفوذ والمصالح؟ وفي العمق، فإن أخطر ما يواجه لبنان اليوم، قد لا يكون الانهيار المالي أو التفكك الإداري فحسب، بل انهيار الإيمان الجماعي بفكرة الوطن نفسها. فحين يفقد المواطن ثقته بالدولة، ويبحث عن الحماية داخل الطائفة أو الحزب أو الخارج، يصبح الكيان مهدداً من الداخل، مهما بدت حدوده ثابتة على الخرائط. لذلك، فإن إعلان البطريرك الحويك طوباوياً في هذا الوقت بالذات هو دعوة أخلاقية ومعنوية لإعادة التفكير في المعنى الحقيقي للبنان، بعيداً عن الشعارات والمزايدات؛ دعوة لاستعادة مفهوم الدولة الشاملة، وليس دولة ضعيفة خاضعة لتوازنات القوى الداخلية والخارجية، وإعادة تأهيل فكرة أن لبنان لا يمكنه الاستمرار إلا إذا عاد إلى وطن نهائي لجميع أبنائه، وليس مجموعة جزر سياسية وطائفية متحاربة تحت سقف واحد. ويأتي هذا “التطويب” بعد أشهر من الزيارة التاريخية التي قام بها قداسة الحبر الأعظم البابا لاوون، ويعرف أبناؤها قيمتها، وتأسست على القيم الإنسانية السامية، التي تعترف بها جميع الأديان السماوية وتدعو إلى تعميمها كنموذج لتعايش الحضارتين المسيحية والإسلامية في بوتقة واحدة متناغمة.


