اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-28 21:02:00
في أول عيد أضحى يمر على سوريا بعد سقوط نظام الأسد، تبدو المخيمات في الشمال السوري خارج الاحتفال تماماً. لا أضواء معلقة بين الخيام، ولا ازدحام أمام محلات الملابس، ولا روائح الشواء تتسلل في المساء. لا يوجد سوى الخيام الباهتة التي أتلفتها الشمس والشتاء الطويل، والأزقة الترابية الضيقة حيث يسير الأطفال حفاة وهم يشاهدون العالم من حولهم يستعد للعيد، بينما تحاول عائلاتهم إخفاء شعور ثقيل بالعجز. في مخيم كرج سجو شمالي إدلب، لا يبدأ الحديث عن العيد بملابس جديدة أو زيارات عائلية، بل بسؤال أقسى: كيف لعائلة أنهكتها الحرب والفقر أن تمر هذا اليوم بسلام؟ داخل خيمة صغيرة لا تتسع لأطفالها الخمسة، كانت فاطمة شيخ خليل ترتب الملابس القديمة وتحاول إقناع أطفالها بأن الأشياء نفسها يمكن أن تبدو جديدة مرة أخرى. وتقول الأرملة التي فقدت زوجها خلال الحرب إن أكثر ما يؤلمها ليس الفقر وحده، بل شعورها بأنها غير قادرة على منح أطفالها حياة طبيعية ولو ليوم واحد فقط. تقول بصوت منخفض، بينما يتجمع حولها طفلها الأصغر: «الأطفال يسمعون عن العيد من الناس وعلى شاشات التلفزيون.. لكن هنا الوضع مختلف». ثم تضيف: «لم نعد قادرين حتى على الضيافة البسيطة». ومنحة زوجها الشهيد، بحسب ما توضح، تكفي لنحو نصف شهر فقط، في حين ترتفع الأسعار بمعدل يفوق قدرة الأهالي على التحمل. ومع توقف معظم المنظمات الإنسانية عن تقديم خدماتها داخل المخيم، أصبحت الحياة أصعب من أي وقت مضى. يتم شراء المياه، ودفع ثمن الكهرباء من جيوب السكان، وحتى القمامة يجمعها السكان فيما بينهم لنقلها. أما بالنسبة للمساعدات الغذائية، فتقول فاطمة إنها شبه اختفت منذ “التحرير”. ثم تنظر إلى أطفالها الجالسين عند مدخل الخيمة وتقول جملة تلخص كل سنوات النزوح: “نريد العودة إلى بيوتنا.. أطفالنا تعبوا من الحياة في الخيام”. وعلى مسافة غير بعيدة منه، كان وليد كبسو، مدير مخيم كرج ساجو، يسير بين الخيام التي تحولت مع مرور الوقت إلى ما يشبه منازل دائمة للفقراء. ويقول الرجل إن من بقي في المخيمات اليوم هم “الأكثر فقراً وحرماناً”، الذين دمرت منازلهم بالكامل ولم يعد لديهم مكان يعودون إليه. وأضاف أن معظم المنظمات الإنسانية غادرت بعد “التحرير”، فيما توقفت المساعدات بشكل شبه كامل، تاركين السكان يواجهون مصيرهم وحدهم. يقول كبسو: “حتى بالنسبة للقمامة، بدأنا بجمع الاشتراكات لنقلها”، موضحاً أن الأهالي أصبحوا يعتمدون على مبادرات مدنية بسيطة لتوفير الحد الأدنى من الخدمات. أما المياه، فيتم شراؤها بالصهاريج، ويدفع السكان ثمن الكهرباء، رغم تزايد الفقر. ومع اقتراب العيد، لم تصل أي مبادرات مساعدات أو دعم، فيما يعتمد معظم الناس على العمل اليومي الشاق الذي لا يكاد يكفي لشراء الخبز. “هناك البعض ممن يعملون في البناء، وآخرون على دراجات التوصيل، لكن الأجر اليومي لا يتجاوز 300 ليرة تركية”، يقول كبسو قبل أن يضيف بحزن: “أهالي المخيمات أصبحوا منسيين تمامًا”. وفي المخيمات، لا يأتي العيد مناسبة للفرح بقدر ما يمر كتذكير إضافي بكل ما فقده الناس خلال سنوات الحرب. لا أحد هنا يفكر في التضحيات أو السفر أو الزيارات الطويلة. كل ما يتمناه الكثير من الناس هو أن يتمكنوا من شراء الخبز، أو تقديم لعبة صغيرة لطفل يسأل عن معنى العيد لأول مرة. “هنا العيد كأي يوم آخر”، يقول محمد النعسان، أحد سكان المخيم، وهو يجلس أمام خيمته المهترئة. ثم توقف وتابع بنبرة ممزوجة بالتعب والسخرية: «الفرق الوحيد هو أن الأطفال يطلبون أكثر». ويقول النعسان، الذي يعيش على معاش تقاعدي بالكاد يكفي لبضعة أيام، إن الأسعار ارتفعت إلى حد أن الخضار ولحوم الدجاج أصبحت “حلماً” للعديد من العائلات. ويضيف أن الشعب خرج من سنوات الحرب منهكا تماما، فيما تبدو العودة إلى المنازل المدمرة أبعد من أي وقت مضى مع الارتفاع الكبير في أسعار مواد البناء. ثم يضحك بمرارة وهو ينظر إلى خيمته: «كرهنا حياة الخيمة.. حتى الخيمة ملت منا وزهقت». ومع اقتراب المساء، تهدأ الحركة داخل المخيم تدريجياً. يعود الأطفال إلى خيامهم، وتطفئ الأمهات مواقد صغيرة بالكاد تكفي لإعداد وجبة متواضعة، ومسألة العودة حاضرة في كل محادثة تقريبًا. هنا، في شمال سوريا، لا ينتظر سكان المخيم عطلة استثنائية، بل ينتظرون شيئاً أبسط بكثير: منزل حقيقي، ومياه نظيفة، وحياة لا تبدأ كل صباح داخل خيمة.



