اخبار تونس- وطن نيوز
اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-30 13:14:00
إن منح أفراد الأمن الأجانب، سواء من إيطاليا أو وكالة الحدود الأوروبية وخفر السواحل (فرونتكس) أو من أي دولة أخرى، حق إدارة المكاتب الخاصة أو توجيه المعدات المتنقلة على الأراضي التونسية، يطرح إشكالا قانونيا وسياديا. وعليه، فإن التواجد الدائم أو شبه المستمر لعناصر أمنية أجنبية في تونس ضمن تنسيق أو أسماء لوجستية يجب أن يكون واضحا للتونسيين دون أدنى غموض، وفي غياب أي تفسيرات أو استنتاجات لا لبس فيها… عن سامي الجلولي * لاحظت أن بعض التونسيين يأخذون على محمل الجد ما ورد في التقارير الأخيرة حول قرار مجلس الشيوخ الإيطالي. وقد يقرأه البعض من زوايا حسن النية المفرطة. لكن قراءة هذا الملف تتطلب العودة إلى الجذور. إن جوهر السياسة الخارجية والعقيدة العسكرية والأمنية التونسية، التي ظلت مستقرة منذ الاستقلال عام 1956، يرتكز على مبدأين ثابتين: عدم الانحياز والرفض المطلق لأي وجود عسكري أو أمني أجنبي دائم على أراضيها، رغم الضغوط والمحاولات المتكررة لإقامة قواعد أجنبية عبر التاريخ. ولم تكن معركة الجلاء في بنزرت، التي خاضتها تونس لتحرير إحدى أهم القواعد البحرية الفرنسية في البحر الأبيض المتوسط، إلا تكريسا لهذا المبدأ. وفي المقام الأول من الأهمية، يتعين علينا أن نميز بعناية بين التعاون العسكري الكلاسيكي والصيغ الجديدة المقترحة اليوم… شراكات تحكمها ضوابط سيادية صارمة. تونس ليست معزولة. ولديها شراكات عسكرية واستراتيجية وثيقة وقنوات تعاون تاريخية مع الولايات المتحدة كحليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي، وفرنسا وإيطاليا وحلف شمال الأطلسي، بالإضافة إلى اتفاقيات التعاون العسكري والتنسيق الأمني مع تركيا وقطر… لكن هذه الشراكات كانت وستظل محكومة بضوابط سيادية صارمة. ويقتصر عمل الملحقين العسكريين على إطار دبلوماسي بحت، وتقع مقارهم داخل أسوار السفارات المحمية قانونا بموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية. أما المناورات المشتركة، مثل مناورات أسد أفريقيا أو فينيكس إكسبرس، فهي أنشطة ظرفية، مؤقتة، لها أهداف وزمن محدد، وفور انتهائها تغادر القوات الأجنبية المشاركة البلاد فورا… تونس تاريخيا لم تسمح بإنشاء قواعد عسكرية ثابتة أو منح مكاتب عملياتية مستقلة تتحرك بحرية خارج الإطار الدبلوماسي، لأن ذلك يمس بشكل مباشر مفهوم السيادة الوطنية… وهنا لا بد من المقارنة التاريخية. قد لا يتذكر البعض العاصفة السياسية والشعبية التي أثارها ملف صندوق قطر للتنمية في البرلمان التونسي منذ سنوات. لم تكن هذه الأزمة اعتراضا على طبيعة المشاريع التنموية في حد ذاتها، بل اندلعت بسبب أحكام قانونية خطيرة منحت حصانة قضائية ودبلوماسية للموظفين الأجانب العاملين في مؤسسة مدنية، فضلا عن تسهيلات لتملك العقارات وتحويل الأموال دون قيود البنك المركزي… فإذا كان المجتمع المدني والنخب السياسية قد ثاروا حينها على اتفاقية اقتصادية مدنية خوفا من خلق حصانة أجنبية داخل الدولة وانتهاك السيادة القانونية، فمن الطبيعي والمنطقي جدا تسريبات وسائل الإعلام الإيطالية حول المكاتب التنفيذية ويجب التعامل مع المعدات الأمنية المتنقلة بعناية كبيرة. شك ورفض قاطع، خاصة إذا كانت هذه التحركات مرتبطة بنزاعات إقليمية وحسابات جيوسياسية ليس لتونس رأي فيها! ومن حقنا أن نتساءل: أين يكمن الخطر الحقيقي في الاقتراح الإيطالي الحالي؟ إن ما نشرته وسائل الإعلام الإيطالية، والذي يرتبط غالبا بقضية الهجرة غير الشرعية وحراسة الحدود البحرية، يتجاوز مفهوم الدعم اللوجستي التقليدي ويدفع نحو فرض واقع عملياتي ميداني هجين.. حساسية تجاه أي مظهر يعيد إلى الأذهان عصر الحمائية. إن منح أعوان الأمن الأجانب، سواء من إيطاليا أو من الوكالة الأوروبية لحرس الحدود وخفر السواحل (فرونتكس) أو من أي دولة أخرى، حق إدارة مكاتب خاصة أو توجيه معدات متنقلة على الأراضي التونسية، يثير إشكالية قانونية وسيادية مخيفة: تحت أي قانون وسلطة قضائية سيتحركون؟ وهي عادة معفاة من التداعيات الإجرامية داخل البلد المضيف.. فماذا لو مُنعت الدولة التونسية من بسط سيطرتها على هذه المقرات؟ وتتمتع هذه المقرات عادة بحصانة دبلوماسية متفوقة… قبول هذا الاقتراح يعني بوضوح إنشاء منطقة خضراء مصغرة في تونس، وهو أمر مرفوض تماما… ويجب أن ندرك أن المذهب الشعبي والسياسي في تونس يمتلك حساسية مفرطة وتاريخية تجاه أي مظهر يعيد إلى الأذهان عصر الحمائية أو يمهد للتدخل الأجنبي المباشر تحت أي غطاء… ولا تنسوا أن فرنسا سبقت إيطاليا في بسط الحماية على تونس… القصة كانت قصة توقيت… وبالتالي فإن الخوف الذي يثيره الناس مشروع تماما. ويجب توضيح التواجد القاري أو شبه القاري ضمن تنسيق أو مسميات لوجستية للتونسيين دون أدنى غموض، تفاديا لأي تفسيرات أو استنتاجات لا لبس فيها… * مستشار قانوني. صفحة المؤلف على الفيسبوك.




