اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-30 22:58:00
د. الوليد آدم مدبوت يأتي هذا المقال على خلفية اعتراض ممثلي حزب الأمة ضمن ائتلاف “الصمود” على مبدأ العلمانية الوارد في إعلان المبادئ في نيروبي، وهو الاعتراض الذي أعاد إلى السطح أسئلة قديمة تتعلق بعلاقة الدين بالسياسة، وحدود الطائفية، وإمكانية بناء دولة حديثة في السودان على أساس المواطنة وليس على الشرعية الرمزية الموروثة. إن الاعتراض على العلمانية في السودان ليس اعتراضاً عقائدياً محضاً بقدر ما هو في جوهره دفاع خفي عن بنية تاريخية للسلطة قامت على استثمار المقدس في تأسيس النفوذ السياسي والاجتماعي. ولذلك، فإن المواقف التي أعقبت إعلان المبادئ في نيروبي لا تُقرأ على أنها مجرد غيرة على الدين أو انتصار للعقيدة، بل على أنها ارتباك عميق أصاب البنية التقليدية التي ظلت تنظر إلى الدولة كامتداد للقيادة الروحية، وليس كمؤسسة عامة تقوم على المواطنة والمساواة في الحقوق. ومن يتأمل تاريخ حزب الأمة وطائفة الأنصار يدرك أن الأزمة لم تكن أبدا في النصوص أو الشعارات، بل في العلاقة الملتبسة بين «الإمام» و«الجمهور»، بين الرمز الديني والفاعل السياسي. ومن الناحية العملية، استمر التعامل مع قطاعات كبيرة من المؤيدين كمخزون للولاء التاريخي وليس ككتلة من المواطنين الأحرار الذين لهم الحق في مساءلة القيادة أو مراجعة خياراتها. هذه البنية الأبوية القديمة، التي كانت تجد الدعم في مجتمع محدود التعليم والتواصل، بدأت تتآكل تحت ضغط التحولات الحديثة. إن العالم الذي كان تديره البركات والرمزية والهيبة الطائفية، لم يعد كما كان بعد الانفتاح الرقمي والهجرة والثورة المعرفية. لقد تغيرت طبيعة الوعي السوداني نفسه. فالجيل الجديد لم يعد يتقبل بسهولة فكرة «الزعيم الملهم» الذي يحتكر تفسير الدين والسياسة، ولم تعد القداسة التاريخية كافية لإنتاج الشرعية. ولهذا السبب تبدو بعض ردود الفعل تجاه العلمانية أشبه بالخوف من فقدان الامتياز الرمزي أكثر من كونها دفاعًا حقيقيًا عن الدين. فالعلمانية بمعناها السياسي العقلاني لا تعني اقتلاع الإيمان من المجتمع، ولا إعلان الحرب على التدين الشعبي العميق. بل يعني ببساطة تحرير الدولة من الوصاية الأيديولوجية، حتى لا تتحول تلك العقيدة إلى أداة غربلة سياسية أو وسيلة لتكريس الهيمنة الاجتماعية. المفارقة المؤلمة هي أن القوى التي احتكرت الخطاب باسم الدين لعقود طويلة، لم تتمكن من تقديم نموذج تنموي أو أخلاقي يتناسب مع حجم خطابها الحشدي. في البيئات التقليدية التي ظلت موالية للطائفة، بقي الفقر، والتعليم هشاً، والتنمية غائبة، وكأن المطلوب دائماً هو إبقاء الجماهير في دائرة الحاجة النفسية والاقتصادية لتستمر علاقة التبعية التاريخية. وهنا تتكشف الأزمة الحقيقية: إنها ليست أزمة دين، بل أزمة غياب مشروع حداثي قادر على تحويل الأتباع إلى مواطنين. ولعل التعبير الأكثر تعبيرا عن هذا الانفصال التاريخي هو حالة الورثة السياسيين لزعماء الطوائف، الذين ما زالوا يتحركون بنفس اللغة والرموز القديمة، رغم أن المجتمع السوداني تغير جذريا. لم تعد الأزمة تكمن في ضعف الأداء بقدر ما تكمن في انهيار البيئة التي أعطت هذه الرمزية فاعليتها في السابق. ولم يعد الجمهور يتعامل مع الشرعية السياسية باعتبارها امتداداً للموروث التاريخي، بل أصبح أكثر ميلاً إلى ربطها بالكفاءة والقدرة على الإقناع والإنجاز الواقعي. ولذلك، يبدو الأمر وكأنهم مستمرون في أداء أدوار مسرحية فقدت معناها داخل مجتمع تخلى بالفعل عن النص القديم. لقد أثبتت التجربة السودانية، منذ الاستقلال وحتى اليوم، أن خلط المقدس بالصراع السياسي لم ينتج دولة عادلة أو مجتمعاً أكثر فضيلة، بل أنتج انقسامات أعمق وحروباً أكثر قسوة. وعندما يتحول الخصم السياسي إلى معارض مذهبي يصبح الحوار مستحيلا، لأن الخلاف ينتقل من مساحة البرامج والمصالح إلى مساحة البقاء والدمار. وهكذا تغلق السياسة أبواب العقل لتفتح أبواب التعبئة العاطفية والاصطفاف الطائفي. الدولة الحديثة لا تبنى على الولاء الروحي ولا على التعصب الطائفي، بل على فكرة المواطن الحر الذي لا تقاس قيمته بدرجة قربه من القائد أو الطائفة أو الجماعة العقائدية. الدولة ليست طريقاً إلى الجنة، ولا ينبغي أن تتحول إلى منصة لفرض رؤية دينية واحدة على مجتمع متنوع ومعقد مثل السودان. وظيفتها الأساسية إدارة الشأن العام: حماية الحقوق، وتحقيق العدالة، وبناء المؤسسات، والحفاظ على الحريات، وليس توزيع صكوك الإيمان أو احتكار الكلام باسم السماء. ولعل أخطر ما فعله الاستغلال السياسي للدين في السودان هو أنه شوه ليس السياسة فقط، بل الدين نفسه. وكثيراً ما تحول الخطاب الديني إلى غطاء للتسويات والتحالفات والانقلابات الناعمة، حتى بدأ المواطنون يرون التناقض الصارخ بين المثل الأخلاقية المعلنة والممارسة اليومية الواقعية. ولذلك فإن تراجع الهيبة التقليدية للطائفية لا يرجع إلى ضعف التدين في المجتمع السوداني، بل إلى اتساع الفجوة بين القيم التي ترفع شعارات وما عايشه الجمهور من تداول بعض القيادات لمواقف مبدئية من أجل مصالح شخصية ومكاسب آنية. السودان اليوم يحتاج إلى ثورة وعي قبل أن يحتاج إلى تسوية بين النخب. لا بد من الانتقال من مفهوم «الذات» إلى مفهوم «المواطنة»، ومن شرعية التاريخ الرمزي إلى شرعية الدستور والمؤسسات، ومن الولاء للشعب إلى الولاء لفكرة الدولة نفسها. وهذا لا يعني استبعاد الدين من حياة الناس، فالسودانيون بطبيعتهم شعب متدين. بل يعني إنهاء احتكار الدين داخل المجال السياسي، ليعود الإيمان إلى قيمة أخلاقية وروحية، وليس أداة للتعبئة والصراع. لقد انتهى عصر القيادة الميتافيزيقية التي تستمد شرعيتها من النسب أو البركة أو التراث الطائفي وحده. ما تحتاجه البلاد اليوم هو نخبة جديدة لديها الشجاعة للقطيعة مع الهياكل التقليدية، وتؤمن بأن الدولة الحديثة ليست امتداداً لطائفة، بل هي عقد اجتماعي بين مواطنين متساوين. لن يخرج السودان من أزمته بإعادة تدوير الرموز القديمة أو ترميم الهياكل المتهالكة، بل ببناء مشروع وطني جديد يقوم على الحرية والمواطنة والعدالة وسيادة القانون. 30 مايو 2026auwaab@gmail.com الكاتب



