اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-31 17:21:00
برزت قضية الدكتورة رانيا العباسي وزوجها وأطفالها الستة كواحدة من أكثر القضايا المؤلمة والرمزية في الذاكرة السورية. القضية التي شغلت الرأي العام لسنوات طويلة لم تكن حادثة استثنائية أو حالة معزولة، بل تمثل مثالاً مأساوياً لما تعرضت له مئات العائلات السورية، التي اختفى أفرادها أو فُقدوا بالكامل في ظروف مماثلة، دون الحصول على حقهم في معرفة الحقيقة أو الوصول إلى العدالة. ويؤكد المتخصص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني في حديثه مع “سوريا 24” أن خطورة هذه الجرائم لا تتعلق فقط بعدد الضحايا أو بجسامة الانتهاكات المرتكبة، بل بطبيعتها الممنهجة واتساع نطاقها. ويوضح أن جرائم الاختفاء القسري والتعذيب المؤدي إلى الموت والإعدام خارج نطاق القانون واستهداف الأسر لأسباب سياسية أو اجتماعية لا يمكن النظر إليها على أنها تجاوزات فردية أو أحداث منفصلة، بل كأفعال قد ترقى، حسب القانون الدولي، إلى مستوى الجرائم. تتطلب الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية الملاحقة القضائية والمساءلة. ويشير الكيلاني إلى أن الحفاظ على الأدلة وكشف الوثائق وإتاحة المعلومات المتعلقة بهذه الجرائم يمثل التزاما قانونيا وأخلاقيا، وليس مجرد مطلب سياسي أو إعلامي. فالحقيقة هي حق أصيل للضحايا وأسرهم، كما أنها تشكل أحد الشروط الأساسية لأي مسار جدي نحو العدالة الانتقالية. إن إخفاء الأدلة أو إخفائها أو الامتناع عن تسليمها لا يؤدي إلا إلى إطالة معاناة الأهالي وتأخير الوصول إلى العدالة. وفي هذا السياق، يرى أن الحديث عن… المصالحة الوطنية أو الاستقرار المستدام لا يمكن أن يكون واقعياً دون الكشف عن مصير المفقودين والمخفيين قسراً، وتوثيق الانتهاكات، وتحديد المسؤوليات الفردية، وضمان محاسبة المتورطين. السلام الحقيقي لا يقوم على تجاهل الجرائم أو إخفاءها، بل على كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا ومكافحة الإفلات من العقاب، وهي مبادئ لا تزال تمثل مطلباً أساسياً لعشرات الآلاف من العائلات السورية التي تنتظر العدالة منذ سنوات. ويؤكد الكيلاني أن العدالة لا تقوم على النسيان، والجرائم الجسيمة لا تمحى بمرور الزمن. ووفقاً للمبادئ الراسخة في القانون الدولي، فإن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، ويظل حق الضحايا وأسرهم في معرفة الحقيقة والمطالبة بالمحاسبة سارياً، مهما طال الزمن. كما تستمر المسؤولية القانونية لكل من أمر بهذه الجرائم أو نفذها أو ساهم فيها أو تستر عليها. وتكتسب هذه المبادئ أهمية خاصة في الحالة السورية، حيث لا يزال مصير عشرات الآلاف من الضحايا والمخفيين قسرياً مجهولاً حتى يومنا هذا، إذ بعد مرور أكثر من عقد على اندلاع الثورة السورية، لا تزال آلاف العائلات تنتظر أجوبة عن أسئلة جوهرية تتعلق بمصير أبنائها وأماكن تواجدهم أو دفنهم، والجهات المسؤولة عما تعرضوا له. كما كشفت سنوات النزاع عن نمط واسع من الانتهاكات التي لم تقتصر على استهداف أفراد بعينهم، بل امتدت إلى عائلاتهم وأقاربهم ومجتمعاتهم المحلية. وتعرضت عائلات بأكملها للاعتقال أو الاختفاء أو القتل، فيما شهدت مدن وبلدات ومناطق بأكملها حملات حصار وتجويع وقصف وتهجير وتدمير ممنهج، في نهج تجاوز اضطهاد الأفراد إلى معاقبة بيئات اجتماعية بأكملها قانونيا وقانونيا، يوضح الكيلاني أن هذا النوع من الممارسات يمثل انتهاكا صارخا لمبدأ المسؤولية الفردية التي تعد إحدى الركائز الأساسية للعدالة. ولا يجوز تحميل أي شخص المسؤولية عن تصرفات أو مواقف أقاربه، ولا يجوز استهداف المدنيين بسبب قرابتهم أو انتماءاتهم الاجتماعية أو خلفياتهم السياسية الحقيقية أو المفترضة. ولذلك يعتبر العقاب الجماعي ممارسة محظورة صراحة بموجب القانون الدولي الإنساني، وتشير الوقائع المتراكمة خلال سنوات الثورة إلى أن جزءا كبيرا من هذه الانتهاكات لم تكن تستهدف أشخاصا محددين فحسب، بل استهدفت بشكل ممنهج جماعات المعارضة أو المشتبه في معارضتهم للسلطة. ولم تقتصر الاضطهادات على الناشطين أو المطلوبين أمنيا، بل امتدت لتشمل الزوجات والأطفال والأقارب، وحتى مجتمعات محلية بأكملها كانت تصنف على أنها حاضنة للمعارضة. وهو ما يعكس توجهاً يقوم على استهداف وإرهاب البيئة الاجتماعية للمعارضين، انطلاقاً من الاعتقاد بأن تفكيك الحاضنة الاجتماعية وإخضاعها قد يؤدي إلى قمع أي حركة معارضة والقضاء على مقومات استمراريتها. اتخذت قضية رانيا العباسي وعائلتها بعداً يتجاوز حدود المأساة الفردية، لتتحول إلى رمز لمعاناة آلاف العائلات السورية التي لا تزال تبحث عن الحقيقة. إن الكشف عن مصير العائلة ومحاسبة المسؤولين عن اختفائهم لا يمثل العدالة لعائلاتهم فحسب، بل يشكل أيضًا اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية أي مسار للعدالة الانتقالية في سوريا، ورسالة مفادها أن حقوق الضحايا لا يمكن أن تكون محل مساومة أو تعدٍ مهما طال الزمن.



