اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-07 20:49:00
عنب بلدي – محمد ديب بزت. لا يتم التعامل مع الطرب في حلب كفن منفصل عن الحياة، بل كجزء من تفاصيلها اليومية التي تشكلت على مدى فترة طويلة من المجالس والإنشاد والقدود، حيث بقي الصوت الجميل حاضرا في البيوت والزوايا والمجالس الصوفية، قبل أن ينتقل لاحقا إلى المسارح، دون أن يفقد ارتباطه الأولي بالمكان الذي خرج منه. داخل المدينة، تتشابك مدارس الموسيقى مع البنية الاجتماعية. وكانت المجالس مكانًا لسماع المقاطع والأناشيد، بقدر ما كانت مكانًا للالتقاء وتبادل الحديث، مما أرسى تقليدًا فنيًا متراكمًا عُرف فيما بعد بـ”المدرسة الحلبية” للطرب، بخصوصيتها في الأداء واللحن والإيقاع. وفي هذا السياق ظهرت أسماء ارتبطت بما يعرف اليوم بشيوخ طرب حلب، فهم حلقات متتالية حملت هذا الإرث من جيل إلى آخر. من عمر البطش الذي يعتبر من أبرز المؤسسين الفعليين لمدرسة الموشحات الحلبية وصياغتها الحديثة، إلى صبري مدلل الذي حافظ على حضور الإنشاد في جلسات الاستماع التقليدية، مروراً بأديب الدايخ الذي امتد صوته في القدود والموشحات، وصولاً إلى حسن حفار الذي جمع بين الإنشاد الديني والغناء في أداء حافظ. روح المدرسة. وجاء صباح فخري ليعطي هذا التراث مساحة أوسع من الانتشار، ناقلاً حلب القدود من إطار المجالس المغلقة إلى المسارح العربية والعالمية، مع الحفاظ على بنيته الأساسية، ليصبح هذا اللون الفني أكثر حضوراً في الذاكرة العربية الحديثة. عمر البطش.. تأسيس البنية الأولى يعتبر الشيخ عمر بطش من أبرز الأسماء التي أسست مدرسة الموشحات الحلبية الحديثة، لدرجة أنه أصبح ينظر إليه كواحد من أهم من حافظوا على هذا الفن وأعادوا صياغته بالشكل الذي عرف فيما بعد في العالم العربي. وتميز البطش بأسلوب أقرب إلى التأسيس اللحني الهادئ، حيث ظل أداءه مرتبطا بالجلسات الخاصة والجلسات التقليدية، لكنه وضع الأساس الذي ستبنى عليه الأجيال اللاحقة من المطربين والمغنيين الحلبيين. ومن أشهر الأغاني المرتبطة باسمه «قلت حين غاب عني» و«يمر عجباً» وهي من الأعمال الحاضرة في الذاكرة الموسيقية الحلبية. نشأ في بيئة قريبة من حلقات الذكر والزوايا الصوفية، حيث بدأ مبكرًا في حفظ الموشحات والاستماع إلى كبار المطربين، قبل أن يتعلم أساسيات المقامات والإيقاعات من مشايخ الطرب في المدينة. ولم يقتصر تأثيره على حلب فقط، إذ تتحدث الروايات الموسيقية عن تأثر عدد من الموسيقيين العرب بأسلوبه ومدرسته، ومن بينهم المصري سيد درويش خلال رحلاته إلى الشام، في وقت كانت حلب تعتبر من أهم المراكز الموسيقية في المنطقة. وبفضل هذا التراث، تحول البطش إلى مرجع أساسي في الموشحات العربية، حتى لقب بشيخ الموشحات ورائد الموشحات العربية، ويبقى اسمه حاضرا كأحد أبرز من ربط الطرب الحلبي بجذوره الأندلسية، وأعطاه شكله الحديث المستمر حتى اليوم. صبري مدلل.. صوت المجلس والإنشاد الصوفي. وارتبط اسم صبري مدلل بجلسات السماع والإنشاد الديني، إذ حافظ على الطابع الروحي للطرب الحلبي. ولم يكن حضوره قائما على المسارح بقدر ما ارتبط بمجالس يتم فيها الاستماع إلى الصوت كحالة تأمل، وليس عرضا استعراضيا. واعتمد مدلل على بساطة الأداء وعمق النغمة، مع حضور واضح للمذهب الصوفي في اختياره للنصوص، ما جعل صوته أقرب إلى امتداد المجالس القديمة التي كان الإنشاد فيها جزءا من الحياة اليومية، وليس مجرد عرض فني. أديب الدايخ… صوت أقرب إلى القصة. أديب الدايخ هو أحد الأصوات التي نقلت الموشحات والموال والقدود الحلبية إلى مساحة أوسع داخل سوريا وخارجها، حيث تميز بأسلوب اعتمد على السرد اللحني، لتتحول الأغنية إلى قصة قصيرة تروى مع الغناء، مع قدرة واضحة على التنقل بين المقامات بسلاسة. وقدم الدايخ القدود بأسلوب جمع بين الغناء الكلاسيكي واللمسة الشعبية، ما جعل أداءه قريباً من الجمهور، مع الحفاظ في الوقت نفسه على بنية المدرسة الحلبية التراثية. ومن أشهر المواويل التي ارتبطت باسمه لشدة إتقانه للأداء موال “أحبك يا ليلى”. حسن حفار…التوازن بين الإنشاد والغناء. أما حسن حفار فمثل نموذجاً مختلفاً داخل المدرسة الحلبية، إذ جمع بين الإنشاد الديني والغناء في أداء متوازن. كما اشتهر بصوته القوي وقدرته على التنقل بين النصوص الدينية والموشحات دون أن يفقد هويته الصوتية. اعتمد حفار على أسلوب يعتمد على السيطرة العالية على الطبقات الصوتية، مع اهتمام واضح بإبراز المعنى الروحي للنص سواء في الإنشاد أو في القدود، مما جعله حاضرا في أكثر من سياق فني في نفس الوقت. صباح فخري.. انتشار المدرسة مع صباح فخري، خرج الغناء الحلبي من إطار المجالس المحلية إلى الفضاء العربي الأوسع، حيث اعتمد فخري على القدود الحلبي كمادة أساسية في مشروعه الغنائي، لكنه قدمه في صيغة مسرحية واضحة جعلت العرض أقرب إلى العرض الكامل منه إلى الجلسة التقليدية. وتميز صوته بالقدرة على إطالة المقامات والتنقل بين العبارات الموسيقية دون انقطاع، مما جعل أغاني مثل “يا مال الشام” و”قدك المياس” علامات مرتبطة باسمه، لدرجة أنه أصبح يعتبر من أبرز الأشخاص الذين نقلوا التراث الحلبي إلى جمهور عربي واسع، دون أن يفقد هويته الأصلية. حلب.. مدينة تختبر أصواتها. حلب لا تتوقف عند حدود إنتاج الأصوات. بل كانت أيضًا محطة توقف فيها كبار الفنانين العرب. وفي هذا السياق، تبرز حادثة زيارة الفنان محمد عبد الوهاب للمدينة في بداية مشواره الفني، وهو لم يكن قد اشتهر بعد، ليحيي حفلتين في قاعة تتسع لآلاف الأشخاص. وبحسب قصته، فوجئ عبد الوهاب في الحفل الأول بحضور محدود لم يتجاوز 20 شخصا تقريبا، رغم سعة القاعة، قبل أن يغني احتراما للحاضرين، لكنه غادر بانطباع ثقيل جعله مترددا في المشاركة في الحفل الثاني، قبل أن يقنعه مروج الحفل بالعودة من جديد. وفي الليلة التالية تغير المشهد تماما، إذ امتلأت القاعة عن آخرها بالحاضرين، وغنى عبد الوهاب في أجواء مختلفة تماما، خرج منها بانطباع مدينة لا تتعامل مع الفن باستهتار، بل تجتازه أولا باختبار من جمهور متمرس في الموسيقى. ويشير عبد الوهاب في روايته إلى أن هذا السلوك لم يكن امتناعا عن الحضور، بل أسلوب اجتماعي يقوم على قيام أصحاب المعرفة بالموسيقى بتقييم الفنان أولا، قبل أن يقرر عامة الناس التفاعل معه، في مشهد يعكس طبيعة خاصة في استقبال الفن داخل المدينة. ذكرى لا تزال حية. ومع تغير الزمن وتحول أنماط الحياة، تبقى آثار تلك المدرسة حاضرة، ولو بأشكال مختلفة، داخل البيوت الحلبية والتجمعات العائلية والإنشاد الديني، حيث لا يزال الغناء جزءاً من الذاكرة والحضور اليومي، وإن تراجع حضوره في الفضاء العام مقارنة بما كان عليه من قبل. الطرب في حلب امتداد لأصوات متواصلة وأسلوب حياة، ينتقل من جيل إلى جيل، ومن مجلس إلى آخر، كجزء من مدينة لا تزال تحتفظ لنفسها بمكانة خاصة في الذاكرة الموسيقية العربية. متعلق ب




