اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-10 11:56:00
السودان: بين فزاعة التفكيك ومشروع البناء (إبتينا) “دارفور: الإبادة الجماعية الغامضة” الذي صدر لأول مرة عام 2005 عن دار هيرست البريطانية للنشر ثم أعادت نشره مطبعة جامعة كورنيل. ويُعرف برونير على نطاق واسع بأنه أحد أبرز الباحثين المتخصصين في السودان والقرن الأفريقي، وخاصة رواندا. وتشير الأدلة إلى أنه لا يوجد ما يثبت أن الفقرات الواردة في المقال المروج هي نصوص مأخوذة حرفيا من كتاب الباحث الفرنسي جيرار برونييه. بل يبدو أنه عرض مطول أو ملخص أو إعادة صياغة لأفكار يقال إنها مستمدة من الكتاب، مع إضافات واستنتاجات من مؤلف المقال نفسه. ولذلك، ينبغي توخي الحذر في نسبة التصريحات إلى برونير شخصيًا ما لم تتطابق مع النص الأصلي للكتاب، صفحة بعد صفحة. ما كان لافتاً في هذا المقال المتشائم، ليس محتواه وحده، بل السرعة الاستثنائية التي انتشر بها، وكثافة الترويج له، والاحتفال الذي قوبل به في بعض الأوساط السياسية والإعلامية. إن الانتشار الواسع لأي مادة فكرية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي لا يحدث دائما بشكل عفوي. وعندما يتزامن إعادة تدوير المواد القديمة التي يزيد عمرها عن عشرين عاماً مع ظرف سياسي حالي، يصبح من المشروع أن نتساءل: من المستفيد من نشر هذه الصورة القاتمة للسودان؟ لماذا يتم الترويج لها الآن؟ ويبدو أن الرسالة الأساسية للمقال تتجاوز مجرد وصف أزمة الدولة السودانية، لتوحي بأن السودان مشروع فاشل بطبيعته، وأن السودانيين غير قادرين على بناء وطن يجمعهم، وأن مصيرهم الحتمي هو التفكك والانقسام والتآكل التدريجي حتى الزوال. وهذه بالطبع ليست قراءة بريئة للتاريخ ولا تنبؤاً موضوعياً بالمستقبل. بل هو خطاب سياسي يكون بمثابة فزاعة يتردد صداها لدى القوى التي فقدت قدرتها على السيطرة على الدولة بعد ثورة ديسمبر المجيدة. هذه القوى التي حكمت السودان ثلاثين عاماً باسم مشروع الإنقاذ، تواجه اليوم عزلة متزايدة محلياً وإقليمياً ودولياً، بعد أن قادت البلاد إلى أسوأ أزماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وعندما تعجز النخب التابعة لعصر الخلاص البائد عن استعادة السلطة، يدفعها يأسها إلى اللجوء إلى ذريعة «هدم الهيكل على رؤوس الجميع». وهذا هو المنطق الذي تلخصه الأسطورة المنسوبة إلى شمشون الجبار: «علي وعلى أعدائي». إذا لم يكن من الممكن احتكار السودان، فليتحول السودان كله إلى ركام. ومن هذه الزاوية يمكن فهم الإصرار على تداول كل خطاب يتنبأ بانهيار السودان أو تفككه، أو استحالة بقائه دولة موحدة. ويصبح تعزيز اليأس هنا أداة سياسية لا تقل خطورة عن السلاح الذي ظل يلوح به رجال الإنقاذ في وجه السودانيين منذ عام 1989 وحتى الآن. والأكثر إثارة للسخرية هو أن الصورة القاتمة التي يعكسها المقال، إذا افترضنا أن هناك شيئا من الحقيقة فيها، ليست وصفا للسودان الذي عرفه السودانيون عبر تاريخهم الطويل، بل هي، في جزء كبير منها، وصف للنتائج التي أنتجتها ثلاثة عقود من الحكم الخلاصي الفاسد المستبد. خلال تلك العقود، تم توظيف نظام الخلاص للانتماءات القبلية والجهوية في الصراع السياسي، وأضعفت مؤسسات الدولة لصالح الولاءات الخاصة، وتوسع اقتصاد الحرب، وتآكلت الثقة الوطنية الشاملة، وتحولت بعض الهويات الفرعية إلى أدوات للتعبئة السياسية والعسكرية. وهكذا فإن الكثير من مظاهر الانقسام التي تضمنها المقال اليائس، باعتبارها سمات خالدة للمجتمع السوداني، ليست إلا نتاجا تاريخيا حديثا مرتبطا بسياسات الإنقاذ المعروفة وممارساتها الموثقة. أما السودان الذي نعرفه، فهو السودان الذي ساهم على مدى آلاف السنين في خلق الحضارة الإنسانية، وشكل جسرا بين العالمين العربي والأفريقي، واحتضن تنوعا ثقافيا وعرقيا ودينيا نادرا. إنه السودان الذي يعرف شعبه في محيطه الإقليمي والدولي بالكرم والتسامح والتعايش والانفتاح والأخلاق الحميدة. وقد سجل التاريخ أن العقود التي تلت استقلال السودان وقبل حكم الإنقاذ الإقصائي شهدت، رغم الأزمات التي رافقتها، تراجعا ملحوظا في التوترات القبلية والمناطقية مقارنة بما آلت إليه الأوضاع لاحقا بعد حكم الإنقاذ. وكان الاتجاه العام للحياة الوطنية نحو المزيد من التكامل والتحديث وبناء الدولة الوطنية. صحيح أن الحرب الحالية، المرتبطة عضويا بفترة حكم الإنقاذ، كشفت عن جروح عميقة، وصحيح أن السودان يواجه تحديات وجودية غير مسبوقة، لكن الأصح أن الشعوب لا تختزل في لحظات هزيمتها، ولا تقاس الأمم بتاريخ أزماتها وحده. لذلك، فإن الرد الحقيقي على خطابات التفكيك التي يروج لها المقال البائس ليس الإنكار العاطفي، بل تقديم مشروع وطني بديل قادر على إعادة بناء الدولة واستعادة الثقة وإنتاج شرعية جديدة. وهنا تبرز أهمية مشروع “بناء السودان” الذي يقوم على قناعة أساسية بأن الأزمة السودانية ليست قدراً حتمياً، وأن ما دمره الاستبداد والحرب يمكن إعادة بنائه عبر عهد وطني وعقد اجتماعي جديد، ومؤسسات وطنية حديثة، ودولة القانون، والتنمية المتوازنة، والمشاركة السياسية الواسعة. السودان ليس بلداً يبحث عبثاً عن وطن، كما يقول اليائسون. بل هي أمة عريقة تعرضت دولتها المختطفة لتشوهات عميقة، وما تحتاجه اليوم ليس الإعلان عن موتها، بل استكمال مشروع إعادة بنائها. لقد حاول دعاة الانقسام جعل الحرب نهاية السودان. ولكن من واجب الوطنيين السودانيين أن يجعلوا من هذه الحرب بداية جديدة لبنائها. إن الأمم العظيمة، مثل الأمة السودانية، التي ساهمت على مدى آلاف السنين في خلق الحضارة الإنسانية، لا تُلام على كثرة الحروب التي خاضتها، بل على قدرتها على النهوض من بعدها. melshible@hotmail.com التدوينة السودان بين فزاعة التفكيك ومشروع البناء appeared first on سودانايل.




