السودان – الأبيض: من الجغرافيا الاقتصادية إلى الجغرافيا العسكرية

أخبار السودانمنذ ساعتينآخر تحديث :
السودان – الأبيض: من الجغرافيا الاقتصادية إلى الجغرافيا العسكرية

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-16 00:13:00

قراءة في الاقتصاد السياسي للحظة الحاسمة التي قد تفصل بين انهيار النظام وانهيار الدولة في السودان. الدكتور الوليد آدم ماد بوليست كل الأزمات التاريخية متشابهة. وبعضها يمر على الدول كما تمر العواصف على سطح الجسد السياسي: تهزه، وتجرحه، لكنها لا تغير بنيته العميقة. تسقط حكومات وتأتي أخرى، وتتغير التحالفات، وتبقى الدولة رغم التعب قادرة على الاستمرار. ولكن هناك نوع آخر من الأزمات أكثر خطورة وأكثر هدوءا في نفس الوقت؛ الأزمات لا تغزو الدولة من الخارج، بل تتسرب إليها حتى تعيد تعريفها منذ البداية، وتحول ما كان يسمى الدولة إلى شيء آخر لم يعد يستحق نفس الاسم. وهذا النوع الثاني هو ما يسميه بعض منظري الاقتصاد السياسي، مثل دوجلاس نورث ودارون عاصم أوغلو، “اللحظات الحرجة” (المنعطفات الحرجة): تلك النقاط النادرة التي لا تعود الدول بعدها إلى ما كانت عليه، والتي تتحدد فيها المسارات الطويلة الأجل بشكل شبه نهائي. وفي تلك اللحظات لا تكون الأحداث مجرد تراكمات، بل هي خرق لقواعد اللعبة نفسها. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح على السودان اليوم: هل دخلنا تلك اللحظة بالفعل؟ من السهل قراءة الحرب الدائرة باعتبارها امتداداً مألوفاً لصراع النخب على السلطة، أو تكراراً للدورة السودانية المعروفة من الانقلابات والانتفاضات والتحولات غير المكتملة. لكن هذه القراءة، على الرغم من صحتها الجزئية، قد لا تكون كافية للتعبير عن عمق التحول الجاري. هناك مؤشرات متراكمة تشير إلى أننا لا نواجه انهيار نظام فحسب، بل نواجه احتمالاً أشد خطورة: انهيار الدولة نفسها كإطار شامل. وفي هذا السياق، أشار المفكر السوداني النور حمد إلى أن الاضطراب الاقتصادي الحاد، خاصة فيما يتعلق بسعر الصرف وشح السيولة، ليس مجرد أثر جانبي للحرب، بل هو امتداد لشبكات سياسية اقتصادية تشكلت على مدى العقود الثلاثة الماضية، استخدمت الاقتصاد أداة للتمكين والسيطرة، واخترقت مفاصل البنوك وسلاسل التوريد والموارد الحيوية. وهذا التحليل لا يخلو من النقد. الصلة. من الصعب أن ننكر أن نظام 30 يونيو لم يسيطر على السياسة فحسب، بل أعاد تشكيل الاقتصاد السوداني نفسه على أساس الولاء وليس الإنتاج، والتمكين وليس الكفاءة، حتى أصبح الوصول إلى الموارد امتيازا تمنحه السلطة، وليس حقا يضمنه القانون. لكن ما أختلف معه في هذا التفسير يكمن في تقييم حجم السيطرة التي لا تزال تتمتع بها هذه القوى على المشهد الحالي. إن ما نشهده اليوم لم يعد مجرد امتداد لحيل الإسلاميين الاقتصادية، بل الحصاد المرير لثلاثة عقود من هدم الدولة وتسييس الاقتصاد. ظنوا أنهم قادرون على إخضاع الاقتصاد واستخدامه أداة للهيمنة، لكن الأداة نفسها أفلتت من أيديهم، وتحول ما كان إجراء محسوبا إلى مصير تاريخي لا سيطرة لهم عليه. ومن مفارقات التاريخ الكبرى: أن الشر الذي خلق لإدامة الهيمنة قد ينقلب على صانعيه، وأن الجرائم المرتكبة لإدامة السلطة قد تفتح، على عكس ما قصد أصحابها، الباب إلى نهاية البنيان الذي استفادوا منه. وهنا تبرز أهمية البياض. ومن يريد أن يفهم تداعيات ما يحدث في السودان عليه أن يغير زاوية النظر من الخرطوم إلى الأبيض. كان السودانيون يتخيلون سقوط السلطة كمشهد يبدأ من العاصمة: دبابات تتقدم نحو القصر، ومحطات إذاعية تبث البيان الأول، وحشود تتجمع في الشوارع. لكن التاريخ يخبرنا أن الدول لا تسقط دائما من مراكزها السياسية، بل غالبا ما تموت على أطراف شرايينها الاقتصادية، عندما تفقد تدريجيا قدرتها على الحركة والإمداد والصمود. الأبيض ليست مدينة عادية في هذا السياق؛ وهي العقدة التي تربط دارفور بالوسط، والغرب بالخرطوم، والشمال بالجنوب، وتمر عبرها الإمدادات والبضائع والوقود. وهو بالمعنى المجازي الشريان الأبهر الذي يغذي ما تبقى من الجسم السوداني. ومن هذه الزاوية، لا يبدو استهداف محطات الوقود في محيط مدينة الأبيض مجرد تكتيك عسكري عابر، بل جزء من منطق استراتيجي بالغ الخطورة يتمثل في تحويل الجغرافيا الاقتصادية إلى جغرافيا عسكرية. محطة الوقود ليست مجرد منشأة خدمة. بل هو ما يحرك سيارات الإسعاف، وينقل الغذاء، ويشغل المولدات، ويبقي الأسواق تعمل، ويبقي المركبات العسكرية تعمل. وبينما يسعى إعلام المركز إلى الترويج لفكرة “المقاومة” كدليل على تماسك المجتمع والدولة، فإن الواقع يشير إلى مسار مختلف. لقد استنزفت الدولة رصيد شرعيتها إلى درجة أنها خسرت، في نظر قطاعات واسعة، أي شيء يستحق الدفاع عنه. ما يؤخر لحظة الانهيار ليس الإيمان المتجدد به، بل تعقيد الواقع وتوازنات القوى والخوف من الفوضى. وهذا النوع من الانهيار ليس جديدا في التاريخ. وفي إثيوبيا عام 1991، سبق الإفلاس سقوط النظام، عندما عجزت الدولة عن تمويل جيشها وإدامة الحرب. وفي ليبيريا وسيراليون، تحولت الموانئ والمناجم وطرق الإمداد إلى أهداف أهم من القصور الرئاسية، لأن الجغرافيا الاقتصادية أصبحت جغرافيا عسكرية. أما في زيمبابوي، فقد ماتت العملة قبل أن تموت الشرعية، في حين أظهرت الأرجنتين في عام 2001 كيف أن تجاوز عتبة اقتصادية معينة قادر على تحويل المستحيل السياسي إلى واقع ملموس في غضون أيام. وكأن كل هذه التجارب تؤكد ما ذهب إليه تشارلز تيلي من أن الدولة لا تقوم على احتكار العنف المشروع فحسب، بل أيضا على قدرتها على تنظيم واستخراج الموارد. وتوزيعها بطريقة تحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار والولاء. فإذا عجز عن القيام بالوظيفتين، تبدأ عملية التفكك من الداخل. إذا كان هذا التحليل صحيحا، فإن الأبيض ليست مجرد ساحة معركة أخرى في الحرب السودانية، بل هي التجسيد العملي للحظة السودانية الحاسمة. فسقوطها الاقتصادي سوف يمهد الطريق لسقوطها العسكري، وسقوطها العسكري سيعيد رسم الطريق إلى أم درمان، ليس فقط كهدف جغرافي، بل باعتبارها القلب الرمزي للدولة السودانية الحديثة، حيث تتكثف روايات الهوية والشرعية والذاكرة الوطنية. وإذا كان الأبيض يمثل الشرايين فإن أم درمان تمثل القلب. عندما تصاب الشرايين بخلل وظيفي، يصبح الوصول إلى القلب مسألة وقت. في تلك المرحلة، لن يواجه السودان انهيار نظام الحكم فحسب، بل سيواجه احتمال انهيار الدولة باعتبارها الإطار الموحد الذي عاش فيه السودانيون منذ الاستقلال. لكن أكثر ما يربك المجتمعات في اللحظات الحرجة هو اعتقادها أن سقوط القديم وحده يكفي لولادة الجديد. وهذا وهم خطير، فالفراغ قد يعيد إنتاج الخراب بطرق مختلفة ما لم يملأه مشروع وطني يتجاوز منطق الهيمنة والانتقام، ويؤسس لدولة المواطنة والمؤسسات والعدالة. وإذا كان هناك سبب للخوف في هذه اللحظة، فهناك أيضًا سبب للتفكير الجاد. ليست كل الانهيارات نهايات، وسقوط القديم لا يكفي وحده لبناء مستقبل أفضل. ولعل مفارقات التاريخ هي التي تجعل الشر الذي خلق لإدامة الهيمنة يتحول، خلافا لما قصده صانعوه، إلى فرصة أخيرة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة. عندها قد يكتشف السودانيون أن ما بدا في تلك اللحظة كارثة محضة لم يكن سوى المخاض الصعب المتمثل في ولادة دولة لم تتح لهم الفرصة لبنائها من قبل.auwaab@gmail.com الكاتب

اخبار السودان الان

الأبيض: من الجغرافيا الاقتصادية إلى الجغرافيا العسكرية

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#الأبيض #من #الجغرافيا #الاقتصادية #إلى #الجغرافيا #العسكرية

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل