اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-20 04:22:00
…لا تقاس المجتمعات بما تمتلكه من قوانين ومؤسسات فحسب، بل بالقيم التي ترسيها والتي تحمي كرامة الإنسان، وتحفظ السلم الأهلي، وتحافظ على وحدة المجتمع وتماسكه… ما هو مصدر هذه الحالة الاستثنائية من التمادي في تجاوز الأخلاق والقيم، بل وتجاوز حدود الدين وأحكامه؟ كيف أصبح الخطاب العام جامحاً إلى هذا الحد، حتى أن الاتصال الجسدي الحاد والمشاجرات السخيفة والشتائم العنيفة بدأت تمارس دون رقابة أو ضبط النفس، وخروجاً عن كل مقتضيات اللياقة والاحترام؟ وفي ظل ما ينشر ويذاع ويكتب في خضم هذه الحرب الكلامية المفتوحة، يتأكد يوما بعد يوم مدى التراجع الذي أصاب أخلاقيات الحوار وآداب الاختلاف. ولم تعد الخلافات تدار بالحجة والبرهان، ولا بالمنافسة الشريفة في عرض الأفكار والدفاع عنها. بل إنها تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة للشتائم والشتائم الشخصية والتشهير، يمتزج فيها الهجاء السيئ مع البدائية الجاهلية، القائمة على الترهيب والتهديد بالاعتداء على الناس والمقدسات، وإظهار قوة الداعم القبلي أو العشائري، وتحدي سلطة القانون وهيبة الدولة. وما يزيد الأمر خطورة هو أن موجة الفوضى هذه لا تستثني أحدا. لا يسلم من ذلك شيخ بمكانته العلمية والدينية، ولا سياسي بحضوره ونفوذه، ولا محامي بارز، ولا صحفي متمرس، ولا شاعر مبدع، ولا مثقف رفيع المستوى. وتراجعت الاعتبارات التي كانت تحمي مصائر الناس. ولم يعد السن والتعليم والوضع الاجتماعي يحظى بالاحترام والتبجيل الذي ينبغي أن يحظى به، ويسارع بعض من هم في مقدمة المشهد العام إلى تبادل الاتهامات والنعوت المهينة بشكل غير مسبوق. ويكفي من يتابع ما يحدث في الفضاءات العامة ومنصات التواصل أن يلاحظ حوادث متكررة تؤكد هذا الاتجاه، حيث تتحول الخلافات الفكرية أو السياسية العابرة إلى حملات تشهير وسب منظمة، وينتقل النقاش من مناقشة الأفكار إلى استهداف الأشخاص وعائلاتهم وانتماءاتهم. وهو مشهد لا يتفق مع قيم المجتمع الذي يتباهى بمنظومته الأخلاقية المكتوبة شعرا والمنشورة نثرا، ولا مع تعاليم الدين الحنيف الذي يجعل الحفاظ على كرامة الإنسان، وحفظ الشرف، واحترام الآخرين من أعظم الواجبات. حرية التعبير عن الرأي حق مكفول، لكنها لا يمكن أن تكون ذريعة لسب الناس وقذفهم وسبهم، أو للنيل من الناس ومكانتهم. فالاختلاف عرف إنساني، والمنافسة السياسية أو الفكرية أمر طبيعي. لكن المجتمعات المتماسكة هي التي تجعل من الأخلاق سقفاً لا يمكن تجاوزه، والقانون مرجعاً يُعتمد عليه، واحترام الإنسان قيمة ثابتة لا تسقط مهما اشتدت الخلافات. وما نشهده اليوم يثير تساؤلات جوهرية عميقة حول أسباب هذا التراجع في منظومة القيم، وحول دور الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية والقانونية في استعادة أخلاقيات الحوار والتبادل والاختلاف. لا تقاس المجتمعات بما تمتلكه من قوانين ومؤسسات فحسب، بل تقاس أيضًا بالقيم التي ترسيها والتي تحمي كرامة الإنسان، وتحافظ على السلم المدني، وتحافظ على وحدة المجتمع وتماسكه. ومن هنا الحاجة الملحة إلى ترسيخ ثقافة الحوار الرصين، وتجديد الوعي بأن قوة الموقف لا تقاس بحدة البيان، ولا بقدرة صاحبه على الإساءة إلى خصمه، بل بما يحمله من صدق وجدال واحترام للقيم والمبادئ التي تحفظ توازن المجتمع واستقراره، حتى لا يبدو أن زمن “الحذر” والفوضى لا يزال قائما، وإن بأشكال جديدة وأدوات مختلفة.




