اخبار فلسطين – وطن نيوز
فلسطين اليوم – اخبار فلسطين اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-24 14:24:00
مركز المعلومات الفلسطيني الصحفي مجاهد بني مفلح قضى أربعة عشر شهراً في سجون الاحتلال الإسرائيلي. لقد كانت رحلة طويلة في قلب الظلام. وخرج منها برأس ينزف، وآثار الضرب متراكمة على جسده، وجمر غير بارد في روحه. وما إن وطأت قدماه أرض الحرية حتى وجد نفسه يسابق الموت على طاولة العمليات، في مشهد يلخص بمرارة ما يعيشه الأسرى خلف أسوار سجون الاحتلال. فجر اليوم 28 يونيو 2025، اقتحمت قوة كبيرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي منزل الصحفي المجاهد محمد بني مفلح (37 عاماً) في بلدة بيتا، جنوب مدينة نابلس، دون أن تطرق الباب أو إنذار مسبق. ووصفت زوجته نهى الشرفا اللحظة بالقول إنهم عثروا فجأة على الجنود داخل المنزل، وأضافت أن الجنود ضربوا زوجها ودمروا مكتبه الشخصي وصادروا جهاز الكمبيوتر الخاص به. ومن ثم تم نقله مكبل اليدين إلى مركز الاحتجاز العسكري “حوارة”. لم يكن هذا هو اعتقاله الأول. وسبق أن اعتقلته قوات الاحتلال مرتين، في عام 2015 ثم في عام 2020، قبل أن تطلق سراحه في الحالتين دون توجيه أي اتهامات رسمية. وبعد عشرة أيام فقط من اعتقاله، قامت المحاكم العسكرية الإسرائيلية بتحويله إلى الاعتقال الإداري لمدة أربعة أشهر دون أي اتهام رسمي أو محاكمة. وهو نظام يسمح بالاعتقال بموجب “ملف سري” لا يستطيع المعتقل ولا محاميه الاطلاع عليه. وعندما انتهت الفترة الأولى أصدر الاحتلال قراراً بتمديد اعتقاله لمدة شهرين إضافيين، ثم شهرين آخرين بعد الرفض القضائي لاستئناف محاميه. وهكذا تكومت الأشهر ثقيلة على كتفيه في أعماق سجن «منشا» التابع لمخيم «سالم» شمالي الضفة الغربية، بينما كان أبناؤه الثلاثة ينتظرون عودة والدهم خلف باب موصد. “أيام ثقيلة عشت فيها الجوع حتى أصبح الخبز حلما، والعطش حتى شربة الماء نعمة، ومررت بأشكال الذل والعذاب الكافية لتغيير ملامح الروح قبل الجسد”. رئيس التحرير الصحفي مجاهد بن مفلح: جوع الجسد وعطش الروح. بعد إطلاق سراحه من الأسر، سكب مجاهد بن مفلح روحه في كلمات نشرها على صفحته، فكتب: “أيام ثقيلة عشت فيها الجوع حتى أصبح الخبز حلما، والعطش حتى شربة الماء نعمة، ومررت بأنواع من الذل والعذاب تكفي لتغيير ملامح الروح قبل الجسد. هناك، بين الجدران الباردة والليالي الطويلة، تعلمت كيف يكسر الجوع الكبرياء، وكيف يمكن للألم أن يجرد الإنسان من كل شيء إلا إيمانه وروحه”. الصبر.” إن ما وصفه مجاهد ليس مجرد حالة فردية؛ ووثّق موقع “أولترا فلسطين” -حيث يعمل محررا- أن سياسة التجويع الممنهجة داخل سجون الاحتلال تسببت في فقدانه نحو خمسة وعشرين كيلوغراما من وزنه خلال فترة اعتقاله. بالإضافة إلى ذلك، تعرض لاعتداءات جسدية عنيفة تركزت على رأسه وظهره في جولات ضرب مكثفة، خاصة أثناء نقله بين الزنزانات، فيما كانت يداه وقدماه مكبلتين بأغلال حديدية لساعات طويلة، مما أدى إلى فقدانه الإحساس في أطرافه. من باب السجن إلى طاولة العمليات في 12 يناير 2026، فُتح باب السجن أخيرًا. لكن الحرية لم تدم طويلاً قبل أن تمتد أذرع الألم إلى ما وراء الجدران. وبعد يومين فقط من إطلاق سراحه، انهارت صحته فجأة؛ وأظهر تعباً شديداً وعدم القدرة على المشي وضعفاً في الإحساس في أطرافه، ما أدى إلى نقله بسيارة الإسعاف إلى المستشفى الاستشاري في مدينة رام الله في ساعات الليل الأولى. وأجرى الأطباء فحوصات كشفت عن وجود نزيف حاد في المخ وارتفاع خطير في ضغط الدم، فأدخل إلى غرفة العمليات في ساعات الصباح الأولى. ووصف المكتب الإعلامي للأسرى ما حدث بـ”الإعدام المؤجل” أو “القتل البطيء”، مؤكداً أن الاحتلال أطلق سراح المعتقلين وأجسادهم منهكة، لتبدأ مأساة جديدة خارج الأسوار. وحمل المكتب سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن أي تدهور في صحة مجاهد. ولا يزال الصحفي يعاني حتى يومنا هذا من عرج في قدمه نتيجة القيود الحديدية التي تم وضعها عليه لفترات طويلة، فيما تستمر يديه في صراع فقدان الإحساس بعد أن تسببت القيود في إتلاف أعصابه. 193 صحافياً.. رقم يتحدث عن النظام وقضية المجاهد بني مفلح ليست استثناء في المشهد الصحفي الذي تآكله الاضطهاد. منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على غزة في أكتوبر 2023، وثق نادي الأسير اعتقال أو احتجاز ما لا يقل عن 193 صحفيًا فلسطينيًا، لا يزال العديد منهم خلف القضبان. وتتهم سلطات الاحتلال غالبية الصحفيين بـ”التحريض” بناء على ما ينشرونه عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، فيما يعتقل آخرون بموجب أوامر إدارية بناء على “ملفات سرية” غير قابلة للاستئناف. أما في غزة، فيصنف الاحتلال الصحفيين ضمن من يسميهم “مقاتلين غير شرعيين” لإعطاء شرعية زائفة للاغتيالات الممنهجة التي راح ضحيتها العشرات منهم. وفي خضم رحلة العلاج الطويلة، كتب مجاهد من أعماق معاناته: “أدركت أن النعم التي كنا نعتبرها عادية كانت أغلى مما كنا نتصور: وجبة مرضية، ونوم آمن، ونفس بلا ألم، وخطوة بلا عجز، ووجه حبيب تراه بلا قيود. أربعة عشر شهرا كانت كافية لتعلمني أن الصحة تاج، وأن الحرية حياة، وأن الكرامة ليست تفصيلة صغيرة، بل الروح الإنسانية نفسها”. هذه الكلمات، التي كتبتها يد تحاول أن تتذكر كيف تمسك القلم، تلخص ما لا تستطيع تقارير حقوق الإنسان نقله بالأرقام: أن ثمن حرية التعبير في فلسطين قد يكون أغلى مما يستطيع الإنسان تحمله.


