اخبار لبنان – وطن نيوز
اخبار لبنان 24 – اخبار لبنان مباشر
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-26 18:00:00
في هذا اليوم الذي تتشحّل فيه السماء بالسواد، ويتردد صدى الظلم في ضمير التاريخ، يتقاطع ألمي الشخصي مع جرح عاشوراء الأبدي. إنه العاشر من المحرم، يوم الصبر والعذاب، واليوم الذي أقف فيه على حافة الحلم، تفصلني عن منزلي بضعة أمتار، لكنها أمتار من مرارة خطى الأسر، ومسافات الغربة الطويلة، وجمر الفراق المشتعل في ضلوعي. اضطررت لترك بيتي تحت وطأة الحرب، تاركة خلفي أسواراً احتضنت ضحكاتي، وعتبات تهدي خطواتي، ليبتلع المنفى أيامي، وتصبح مدينتي رهينة للاحتلال. ووسط هذا الشوق المشتعل، ظهرت لي ومضات من مقطع فيديو عابر على شاشة الهاتف. كانت مجرد وثيقة فوتوغرافية، لكنها حملت خبراً هز كياني وأعادت الروح إلى جسدي المنهك: «بيتي ما زال قائماً». لم تحطمه آلة الحرب، ولم تسحق القذائف ملامحه. وقف هناك ينتظرني شامخًا ومخلصًا لسكانه رغم غيابهم. رأيته ونيران الحنين اشتعلت في صدري. كيف يمكن لبيت على مرمى حجر أن يكون أبعد من النجوم؟ كيف أستطيع أن ألمح ظل نافذتي وأنا لا أستطيع أن أمد يدي لأفتحها لنسيم الصباح؟ إنه عذاب لا مثيل له، عندما تخترق عيناك المسافة لتعانق حجارة تنتمي إليك، وتشم رائحة الذكريات التي تفوح من زواياها، لكن أقدامك مكبلة بظلم الاحتلال وقسوة الحدود المصطنعة. أمتار تفصلني عنه. لو كنت مشيت لتجولت روحي أمام جسدي، لكنها اليوم جدار من العجز، يملأ القلب ألما والعين دمعا حارقا على أرض نراها ولا نلمسها، ونعيش فيها ولا نسكنها. ويرتبط هذا الغياب المرير ارتباطا وثيقا بذكرى العاشر من المحرم بالألم. وكلاهما يجسدان معنى الضياع والظلم، واحتراق القلوب التي شهدت هجران البيوت واستعباد النفوس. في عاشوراء نستذكر الخيام التي احترقت، والأمهات اللاتي عانين من الفراق، والأسرى الذين اقتيدوا من منازلهم. اليوم أعيش في كربلاء الخاصة بي وأنا أنظر إلى بيتي الأسير خلف خطوط الاحتلال، غير قادر على عبور تلك الخطوات القليلة التي تفصلني عن جنتي المفقودة. “أسوأ أنواع الغربة ليس أن تكون بعيدًا عن وطنك آلاف الأميال، بل أن تكون على بعد خطوات قليلة منه، تراه بأم عينيك، وتحترق شوقًا إليه، ولا تجد طريقًا إليه.” صمود ذلك البيت في وجه الدمار ليس صدفة، بل رسالة ممزوجة بالصبر والكبرياء. ويستمد قوته من إلهام هذا اليوم العظيم، ليقول إن الجدران حتى لو تم الاستيلاء عليها لن تموت هويتها، وأن الظلم مقدر له أن يختفي مهما طال ليل الاحتلال ومدى قوة قوته. سأبقى هنا، على حدود وطني، أراقب الحرية، متسلحًا بصبر وتضحيات هذا اليوم العظيم. من يملك بيتاً ثابتاً يأبى الركوع، ومن له قلب ينبض صادقاً بهذا الشوق الغامر، فلا بد أن تطأ قدماه عتبات البيوت من جديد، وتعود الحياة إلى عروق جففها البعد.




