موريتانيا – قانون النظام الأساسي لضباط الجيش العامل والاحتياطي: محاولة لتقييم مستقل

أخبار موريتانيا13 يوليو 2026آخر تحديث :
موريتانيا – قانون النظام الأساسي لضباط الجيش العامل والاحتياطي: محاولة لتقييم مستقل

اخبار موريتانيا – وطن نيوز

اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-13 19:32:00

اعتمدت الجمعية الوطنية، يوم الأربعاء 27 يونيو الماضي، مشروعي قانونين يعدّلان نصّين من نصوص قانوننا العسكري: أحدهما يحدد النظام الأساسي للأفراد من غير الضباط في الجيش الوطني، والآخر يتعلق بالنظام الأساسي لضباط الجيش العامل والاحتياط. ويتمثل أهم ما جاء به هذان النصّان في أنهما:• كرّسا للمرة الأولى في نظامنا القانوني مبدأ حياد القوات المسلحة الوطنية؛• عرّفا واجبات التحفظ وحفظ السر المهني الملقاة على عاتق أفرادها، مع تقييدٍ معتبرٍ للحقوق المدنية والسياسية؛• فرضا مهلة انتظار مدتها خمس سنوات، تبدأ من تاريخ انتهاء الخدمة الفعلية، قبل أن يتمكن الضباط الأعلى السابقون من الانخراط في النشاط السياسي؛ و• أنشأ أحدهما مرحلتين داخل قسم الاحتياط، في قالب يعكس مقاربة تتسم بسخاء محسوب.وتشكّل هذه التدابير خطوةً هامةً في اتجاه تعزيز الطابع الجمهوري لقواتنا المسلحة والأمنية، منسجمة مع أفضل الممارسات المقارنة والمعايير الدولية. غير أن نشر المشروعين، ولا سيما المشروع المتعلق بالضباط، وبوجه أخص أحكامه الخاصة بالضباط الأعلون، قد أثار نقاشًا حادًّا ومتزايدًا، باعثًا، في بعض جوانبه، على التساؤل عمّا إذا كان الجميع قد قرأ النص نفسه.وقد تناول هذا الموضوع عددٌ من الفاعلين. فقد عبّر زميلي وصديقي الأستاذ غورمو لو عبدول، بألمعيته المعهودة، عن رأيه في أكثر من مناسبة. كما تدخل في هذا النقاش عدد من السياسيين البارزين، وبعض أعضاء الجمعية الوطنية، فضلًا عن ضباط سامين سابقين. وقد رحّب معظمهم بهذه الخطوة بوصفها تعزيزًا للطابع الجمهوري لقواتنا المسلحة، فيما أشار بعضهم إلى ما بدا له تقييدًا مفرطًا للحقوق المدنية والسياسية للضباط الأعلى السابقين. هذا في حين جاءت بعض التعليقات الأخرى مفاجئة، سواء من حيث البناء القانوني أو من حيث التموضع السياسي.وسأتناول فيما يلي، وبإيجاز، المآخذ التي أثارتها الفئة الأخيرة، ممثلة هنا في مقال نشره الأستاذ يعقوب ولد السيف. ويهدف هذا التناول إلى تفكيك بعض الأفكار المتداولة حول هذا القانون، وكذلك حول بعض المفاهيم القانونية الأساسية (I)، قبل العودة إلى جوهر الموضوع، أي إعادة تركيب المسألة، والتذكير بما ينص عليه القانون، ثم تقديم تقييم مستقل على ضوء الممارسات المقارنة والمعايير الدولية (II).I بعض الاعتراضات غير المؤسسةلفت انتباهي، على نحو خاص، مقال الأستاذ يعقوب ولد السيف. ويقوم تعليقه، في تقديري المتواضع، على تجاهل لبعض القواعد الأساسية لفن (إعادة) صناعة التشريعات (1)، وعلى قراءة غريبة بعض الشيئ للتاريخ السياسي لبلدنا (2)، قبل أن ينتهي به الأمر إلى دعوة شبه صريحة إلى الانقلاب العسكري (3).1 بعض الإشكالات مع قواعد أساسية لفن صناعة القوانين (La légistique)::اعتمد الكاتب منهج التعليق مادةً مادة، وهو ما حرم القارئ من خيط ناظم يمكن تتبعه أو إشكالية مركزية واضحة. ولذا فسأتعامل مع هذه المآخذ المثارة نقطةً نقطة.أ) القوانين المعدِّلة ليست محصورة الأثر في النصوص المذكورة في عناوينها:من بين الاعتراضات التي أثارها الكاتب أنه أنكر على هذا القانون إمكانية تعديل أحكام تتعلق بالحرس الوطني، ويتعلق الأمر هنا بتوحيد بعض الرتب العسكرية، وذلك بحجة أن النص معنْون بـ«النظام الأساسي لضباط القوات المسلحة»، في حين أن الجيش والحرس يخضعان أصلًا لقانونين مختلفين. وقد خلص إلى نتيجة قاطعة مفادها أنه:«عمليًا لا سبيل للجمع بين ضباط الجيش والحرس الوطني في نص تنظيمي واحد إلا إذا عُمد إلى:• إصدار نظام بدمجهما• أن يقصد النص ويتبنى عنوانًا وموضوعًا جامعًا في مجال بعينه (الالتزامات المقررة على ضباط الجيش والحرس والشرطة والجمارك والحماية المدنية…) بغياب أي من ذلك في هذا القانون، تكون فقراته التي تناولت ضباط الحرس خارج السياق وغير منتجة لأثر قانوني بالنسبة لأولئك الضباط».وهذا القول غير سديد من الناحية القانونية؛ إذ لا يصح الادعاء بأن القانون المعدِّل يظل محصورًا في النطاق الذي يشير إليه عنوان النص الذي يعدّله. فمثل هذا الفهم يتجاهل بعض أساسيات فن (إعادة) صناعة القوانين. فكثيرًا ما يُعدّل المشرّع نصوصًا أخرى، غير تلك المشار إليها صراحة في القانون المعدِّل، عن طريق الإحالة أو التنسيق أو التوسيع أو الإدراج، وذلك بشكل مباشر أو غير مباشر، صريح أو ضمني.ومن ثم فالعبرة ليست بالغرض الأولي للنص، بل بمحتواه المادي كما تفصح عنه أحكامه. ولتفادي الإطالة في تفاصيل تقنية قد تكون مملة للبعض، أكتفي هنا بالإشارة إلى مفاهيم “القانون الجامع” (omnibus) أو “متعدد المحاور” (loi transversale) أو “المركب” (loi composite)، أي النص التشريعي الذي يضم جملة تدابير تتعلق بمواضيع مختلفة ومتباينة. ولا يتطلب الأمر هنا استحضار مفهوم “التعديل التشريعي الدخيل” (le cavalier législatif ( الذي يمكن من إدراج مقتضى تشريعي صلب نص قانوني لا يمتّ إليه بصلة وثيقة ولا حتى مباشرة.فإذا كان المشرّع قد أراد، من خلال نص يتعلق بالجيش، توسيع قواعد التراتب أو التحفظ أو حفظ السر المهني أو غيرها من الالتزامات لتشمل ضباط الحرس الوطني، فإن هذه الإرادة تكون ملزمة كنص قانوني، بصرف النظر عن كون الحرس يخضع، في الأصل، لنص مستقل. أما كيفية التنسيق، بالنسبة للحرس الوطني، بين الحكم الوارد في هذا القانون والنص الذي كان مطبقًا من قبل على هذا السلك، فإن ذلك يخضع للقواعد التقليدية لحل التعارض بين النصوص القانونية. وهنا يتعلق الأمر بتنازع زمني للقوانين، وفي هذه الحالة فإن اللاحق يلغي الأحكام السابقة غير المتوافقة معه.وليس من اللازم، من أجل “إحداث الأثر القانوني”، أن يُعاد بناء المنظومة كلها من جديد من خلال دمج السلكين معًا. والقول بخلاف ذلك خلط بين أصل النص التشريعي وقوته الإلزامية. وفضلًا عن كل ذلك، فإن نظامنا القانوني، شأنه شأن التشريعات المقارنة كلها، يزخر بأمثلة لقوانين معدِّلة أثّرت في قواعد تنتمي إلى مجالات أخرى غير تلك التي سُمّيت صراحة في العنوان.لنستخلص حول هذه النقطة: عند قراءة وتفسير القانون، يتم الاعتداد بمنطوقه، بمضمونه التشريعي، وليس بأصله.ب) في النصوص التشريعية، لا تتمتع العناوين بأية قيمة قانونية مستقلة:أما حجة القيمة القانونية التي يحاول الكاتب منحها لـ”عنوان الفصل” أو “عنوان القانون”، فليست سوى صياغة أخرى للحجة الأولى. في النصوص التشريعية أو التنظيمية، لا تتمتع العناوين بأية قيمة قانونية مستقلة؛ فهي مجرد علامات دلالية إرشادية، وأدوات لتسهيل الصياغة والتحرير، لا أكثر. ومن ثم فإن القول بأن حكمًا واردًا في نص يخص الجيش يكون «غير منتج لأثر قانوني» بالنسبة إلى الحرس الوطني لمجرد أن القانون أو الفصل لم يذكره في عنوانه، ينطوي على خلط واضح بين القراءة الموضوعية للنص وبين مقتضيات الصياغة الشكلية البحتة.بل إن هذا المنطق، لو أُخذ إلى تداعياته المنطقية، لأفضى إلى نتائج عبثية؛ إذ سيقود إلى اعتبار كل حكمٍ توسيعي أو توضيحي يُدرج في مادة من قانون ما حكمًا «غير منتج لأثر قانوني» ما لم يُكرَّر في العنوان. وعندئذٍ يصبح لزامًا أن تُعنون كل مادة على حدة حتى “تنتج أثرًا قانونيًا”، وهو ما يهدم منطق التشريع نفسه. فالقوانين الحديثة تعمل، في الواقع، من خلال مواد متعاقبة، يبيّن بعضها نطاق تطبيق القاعدة، مثلًا، من غير أن يلزم تكرار ذلك البيان في العنوان.هنا أيضًا، لنستخلص: عند قراءة وتفسير القانون، يتم الاعتداد بأحكامه ومقتضياته التشريعية، وليس بعلاماته الإرشادية ولا بأدوات وُضعت فيه أصلًا لمجرد تيسير الصياغة والتحرير.ج) لا وجود في هذا القانون لعزل سياسي عام أو أبدي يطال الضباط الأعلون السابقين:يسجل الكاتب، بحق، أن المادة 46 مكررة الجديدة المتعلقة بواجبات التحفظ والسرية تضع، على نحو غير موفق، القيود على الحقوق المدنية والسياسية ضمن الفقرة الخاصة بواجب حفظ السر المهني، في حين كان مكانها الأنسب الفقرة المتعلقة بواجب التحفظ. غير أنه يستخلص بعد ذلك أن النص يقضي «بإقصاء (كل) من مر بالعسكرية من ممارسة السياسة». وهو استخلاص خاطئ على ضوء النص الصريح للقانون والمعنى العادي للكلمات.فالقيود على ممارسة الأنشطة السياسية تنطبق فقط على الضباط الأعلون الموضوعين في الاحتياط الأول، أي الذين لم يمضِ على انتهاء خدمتهم الفعلية خمس سنوات. ويمكنهم مع ذلك مغادرة هذه الفئة النظامية قصد الانخراط في نشاط سياسي. وهذا ما ينص عليه صراحةً البند 6 من الفقرة 2 من المادة 22 (جديدة)، التي تنص على ما يلي:»يمكن للضباط الأعلى الذين يرغبون في مغادرة الاحتياط الأول، لأسباب تتعارض مع الالتزامات المنصوص عليها في البند 2 من الفقرة (ب) من المادة 46 مكررة من هذا القانون، أن يوجهوا طلبًا مكتوبًا لهذا الغرض إلى السلطة الوصية المختصة«. هذا مع العلم أن الفقرة 2-ب من المادة 46 مكررة هي التي تقيد ممارسة النشاط السياسي، من قبيل المشاركة في نقاشات سياسية، أو توزيع مطبوعات أو منشورات أو وثائق سياسية، أو التوقيع على عرائض سياسية، أو جمع الأموال لأغراض سياسية.ويكفي، في هذا الصدد، أن تُقرأ الفقرة 3 من المادة 46 ثالثًا بعناية، حيث تنص على أن:»يعرض الضباط الأعلى الموجودون في الاحتياط الأول، الذين يخالفون الأحكام المنصوص عليها في البند 2 من الفقرة (ب) من المادة 46 مكررة من هذا القانون، لإمكانية سحب الأوسمة والامتيازات الممنوحة بصفتهم تلك، أو إحالتهم إلى التقاعد، دون الإخلال، عند الاقتضاء، بالمتابعات الجزائية وتطبيق العقوبات المنصوص عليها في القوانين الجزائية النافذة« (…).ويتضح من ذلك أن القيود لا تطال إلا بعض الحقوق السياسية للضباط الأعلون الموجودين في الاحتياط الأول، وليس في الاحتياط الثاني، فضلًا عن أنها لا تشمل المتقاعدين. ومن ثم فلا وجود لأي حظر يستبعد كل «من مر بالعسكرية من ممارسة السياسة«.د) حظر النشاط السياسي يشمل بالفعل حظر ترشح الضباط الأعلون لرئاسة الجمهورية:وفي فقرة لاحقة من مقاله، يذهب الكاتب إلى أن «منع ممارسة السياسة لا يرتب منع ترشح الضباط الأعلون لرئاسة الجمهورية». ويبدو استدلاله القانوني للوصول إلى هذه الخلاصة بسيطًا: «ليس بقانون عادي يمنع على هؤلاء الترشح لرئاسة الجمهورية؛ فالدستور نفسه تولى تحديد أهلية الانتخاب لرئاسة الجمهورية وشروط الترشح لها، أو عهد بها للقانون النظامي المتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية، وهي مبينة فيهما على نحو تام وجلي». وبما أن هذين النصين، الدستور والقانون النظامي، لا يستبعدان، من وجهة نظره، الضباط الأعلون بشكل صريح، فإن هؤلاء يظلون، إذن، مؤهلين للترشح في الانتخابات الرئاسية.في هذا المقام أيضًا، يجب التذكير بأساسيات قراءة وتفسير النصوص القانونية. إن النظام القانوني لا يقوم على بنيةٍ من الأحكام المنفصلة محكمة الإغلاق، التي يجهل بعضها بعضًا، ولا تعمل نصوصه كجزرٍ معزولةٍ منقطعة الصلة بعضها ببعض؛ بل هو نسقٌ محكمُ الترابط والتشابك، ولهذا يُقال إنه «نظام» قانوني. فالدستور يضع الإطار العام، والقانون الانتخابي ينظم المسار الإجرائي، غير أن قانونًا خاصًا قد يفرض حالات عدم تعارض تندمج في النصوص الناظمة للانتخابات اندماجًا كاملًا، كما هو الشأن بالنسبة إلى النظام الأساسي لضباط القوات المسلحة. والقول بخلاف ذلك يفضي إلى التسليم بأن النص الخاص، لمجرد أنه لم يُعد ذكره وتكراره في كل قانون ذي صلة، قد أُفرغ من مضمونه وجُرِّد من فعاليته. إنه من مقتضيات الاتساق التشريعي أن يُمنح النظامُ الأساسي المطبق على العسكريين، أو على أي فئة أخرى، كاملَ أثره القانوني. ومن ثم فإن الدستور والقانون الانتخابي، بوصفهما نصين عامّين، يجب أن يُقرآ ويُفسَّرا ويُطبَّقا في ضوء النص الخاص.هـ) الموضوعية لم تُهمل في تسيير مسارات الضباط الأعلون:يشير الكاتب إلى ما يراه انحرافًا، بل ربما تكريسًا للسلطة الشخصية في قمة الدولة، معتبرًا إخضاع ترقية الضباط الأعلون للسلطة التقديرية لرئيس الدولة تخليًا عن «معيار الموضوعية».غير أن تجارب مقارنة عديدة، بما فيها تجارب ديمقراطيات كبرى، لا تتعامل مع الترقية إلى رتبة جنرال باعتبارها تقدمًا آليًا خاضعًا لجدول ترقيات. بل إنها في الغالب تعيين تقديري من رئيس الدولة أو من الحكومة، غالبًا بمرسوم، وأحيانًا في مجلس الوزراء، وفي بعض الأحيان تُحاط بحد أدنى من الشروط المتعلقة بالأقدمية أو الرتبة أو الإجراءات. ومع ذلك يبقى القرار النهائي تقديريًا وذا طبيعة سياسية، بما في ذلك حال اشتراط الإدراج في جدول الترقية أو، على الأصح، في «قائمة الأهلية» -وهو التعبير المستقر في القانون العسكري- بالنسبة للجدول المتعلق بالضباط الأعلى.ويرجع دور السلطة التقديرية هنا إلى اعتبارين، ديمقراطي ومؤسساتي. فمن جهة، تقتضي الحياة الديمقراطية خضوع المؤسسة العسكرية للسلطات المدنية المنتخبة ديمقراطيًا، أي هنا لرئيس الدولة بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة. فعمليًا، لا يمثل الجنرالات مجرد أطرٍ تقنيين؛ بل هم ممارسون لسلطة استراتيجية في مجال سيادي. ومن ثم يتعين على السلطة السياسية أن تحتفظ بقدرتها على اختيار الأشخاص الذين تراهم أكثر انسجامًا مع عقيدتها الدفاعية، ومع الثقة المؤسسية، ومع سلطتها هي نفسها على الجيش. ومن جهة أخرى، فإن هذه السلطة التقديرية تمنع تشكل قمة عسكرية بوصفها مسارًا مهنيًا «آليًا» بالكامل، منفصلًا عن الحاجات الاستراتيجية للقيادة السياسية. وهكذا تتحول هذه السلطة التقديرية في الترقية إلى رتبة جنرال إلى أداة لحسن الحوكمة، لا مجرد مرحلة إدارية.2 دعوة شبه صريحة إلى الانقلاب العسكري:يختم السيد يعقوب ولد السيف مقاله بدعوة شبه صريحة إلى الانقلاب العسكري، إذ يقول:«يبقى أن غلق باب مصعد الوصول للسلطة لا يعني بالضرورة الاستكانة لذلك القدر القانوني الواهن، خصوصًا ممن اعتادوا الوصول بطرق أخرى».ومعنى ذلك أن «الذين اعتادوا الوصول إلى السلطة بطرق أخرى»، أي العسكريين، «لا ينبغي أن يستكينوا». ويمكن أن نستنتج من هذه الفقرة تمجيدًا للديكتاتورية العسكرية وإنكارًا لشرعية الاقتراع العام. فالانقلاب العسكري حالة استثنائية، وقطيعة مع النظام الدستوري؛ ومن ثم لا يمكن أن يكون مرجعًا في استدلال قانوني يفترض احترام النظام القانوني القائم. وإدراج هذه الفقرة في مقال قانوني يبعث على الأسف لأنها تنسف الطابع الجمهوري للقوات المسلحة وطبيعة العملية السياسية كممارسة مدنية حصرًا.ومع ذلك ينبغي أن نكون في منتهى الوضوح هنا: كمعارض، من حيث المبدأ، لتحويل الجدل الفكري إلى متابعات قضائية، فإنني لا أؤيد أي متابعة جنائية بهذا الخصوص. إن مثل هذا الخطاب يُدحض بفعالية أكبر في فضاء من الحرية ومن خلال التنافس الحر والعقلاني للأفكار.3 تمجيد لانحراف تاريخي:يحاول الكاتب أن يستند إلى قراءة خاصة جدًا للتاريخ السياسي لبلدنا، إذ يقول إن «الأضرار التي لحقت بالديمقراطية الموريتانية جراء ممارسات ممتهني السياسة من المدنيين لا تقارن بما تسبب به أفراد من المؤسسة العسكرية تصرفوا غالبًا بتوجيه من أولئك المدنيين أو بمشاركتهم، لذلك سيكون من المناسب جدًا أن يُعمد لاستصدار قانون بالحجر السياسي يخصص للمدني».لستُ مؤرخًا، وليس لي بهذا الخصوص إلا رأي مواطن عادي. ومن هذا المنظور، تبدو هذه الأطروحة، على أقل تقدير، محل نظر. واتساقًا مع منطقه، يدعو الكاتب صراحةً إلى «سن قانون يمنع الأهلية السياسية على وجه الخصوص عن المدنيين». ولم لا نعلن الديكتاتورية مرة واحدة وإلى الأبد؟غير أن هذه العبارات، التي لا تمثل استدلالًا قانونيًا أو سياسيًا بل آراء قطعية، تثير، في الواقع، أسئلة أعمق وأكثر إزعاجًا: ماذا عن حق الشعب في اختيار حكامه؟ ماذا عن سيادة هذا الشعب؟ بإمكاننا كذلك أن نضع هذه “المفاهيم الكبيرة” جانبًا، وأن نكتفي بالتذكير بأن أجيالًا من الموريتانيات والموريتانيين قد ضحّت للوصول إلى الديمقراطية القائمة اليوم، مهما شابها من أوجه النقص والقصور. وأن في هذا البلد نساءً ورجالًا مصممون على العيش فيه بكرامة، ومصرّون على أن يكون لهم رأي في مستقبله، وأن يقرروا، بسيادة كاملة، من يحكمهم.الآن، وبعد التعاطي مع هذه المآخذ، لنعد إلى جوهر المسألة: على ماذا ينص هذا القانون؟ وكيف يمكن تقييمه على ضوء الممارسات المقارنة والمعايير الدولية؟II محاولة لتقييم موضوعييضع القانون الجديد المتعلق بالنظام الأساسي لضباط الجيش العامل والاحتياط مبادئ جوهرية ويدخل ترتيبات في غاية الأهمية:1- تكريس مبدأ حياد القوات المسلحة (المادة 46 مكررة):يمثل حياد القوات المسلحة مبدأً محوريًا في عقيدة أي جيش جمهوري، وهو الوجه الآخر للطابع غير السياسي لهذه القوات ولولائها للمؤسسات الديمقراطية. ولذلك تُلزم القوات المسلحة بحياد صارم إزاء الانقسامات السياسية. ذلك أن الديمقراطية تقوم في جوهرها على معادلة بسيطة لكنها لا تحتمل أي تساهل: السياسة ممارسة مدنية يختار فيها المواطنون حكامهم بحرية، ثم تتوافر لهؤلاء الحكام الوسائل الفعلية الضرورية لممارسة الحكم. ومن ذلك أنهم يقودون القوات المسلحة ويتصرفون فيها كما يبين دستورنا: “رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة ” (المادة 34)؛ “تتصرف الحكومة في الإدارة والقوة المسلحة” (المادة 43).وقد ترتبت على مبدأ الحياد، في بعض البلدان، آثار بالغة على الحقوق المدنية والسياسية للعسكريين. فالقوات المسلحة وقوات الأمن التونسية، مثلًا، لم تتمتع بحق التصويت منذ استقلال البلاد (باستثناء انتخابات محلية واحدة جرت سنة 2018). ومن اللافت أن دستور الثورة التونسية، وكذلك الدستور النافذ فيها حاليًا، قد رفعا مبدأ حياد القوات المسلحة والأمن إلى مرتبة دستورية.كما أن العسكريين السنغاليين حُرموا من حق التصويت سنة 1962، بسبب الانقسامات التي ظهرت في صفوفهم على خلفية النزاع الذي دار آنذاك بين الرئيس سنغور ورئيس المجلس مامادو ديا. واعتُبر حينها أن الأنسب هو إبعاد الجيش كليًا عن التجاذبات السياسية. ولم يُعد هذا الحق في التصويت إلا سنة 2006. ولا تزال دول عديدة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي تحرم العسكريين من حق التصويت حتى اليوم. ومن الجدير بالذكر أيضًا أن الجيش الفرنسي فقد هذا الحق بموجب قانون سيسي (Cissey) لعام 1872، في ظل الجمهورية الثالثة، وفي سياق ترسيخ الجمهورية؛ إذ كان الجمهوريون يهدفون حينها إلى ضمان الحياد السياسي للمؤسسة العسكرية. ولم يُمنح هذا الحق مجددًا إلا سنة 1945.ودون الذهاب إلى حد حرمان العسكريين من حق التصويت، فإن إقرار مبدأ حياد القوات المسلحة والأمن على نحو صريح يُعد خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح. ويجد هذا التوجه الإيجابي أولى تجلياته في التكريس الجديد، الصريح والمفصل لواجبات التحفظ وحفظ السر المهني.2- واجبات التحفظ وحفظ السر المهني: أو ماذا عن الزعم بفرض “قيود مفرطة” على الحقوق المدنية والسياسية للضباط الأعلون السابقين (المادة 46 مكررة)؟إن واجبي التحفظ وحفظ السر المهني بالنسبة للعسكريين هما تجسيد طبيعي لحيادهم السياسي وولائهم للمؤسسات المدنية المنتخبة ديمقراطيًا، وللضرورات البديهية لواجب الانضباط.وقد درجت التشريعات المقارنة على تكريس هذا المبدأ، في حين بقي تحديد مضمونه ومداه من محصورين في الاجتهاد القضائي. ذلك أن الأمر يتعلق فعلًا بمفاهيم يمكن التعرف عليها أساسًا من خلال الحالات الفردية في الممارسة العملية، لا من خلال تعريف مجرد ومسبق.ولم يكن قانوننا، حتى الآن، استثناءً عن هذه القاعدة: فقانون الوظيفة العمومية يفرض الالتزام بهذه الواجبات (المادتان 10 و14)، لكنه لا يحدد محتواها رغم أنه يشمل طيفًا واسعًا ومتنوعًا من الحالات، من الأستاذ الجامعي الذي ترتبط حرية التعبير بلبّ عمله، إلى العسكري الذي تُقيد هذه الحرية لديه تقييدًا راديكاليًا. وإن كانت بعض الأنظمة الخاصة، كالنظام الأساسي للقضاء، قد فصلت تلك الواجبات بشكل أوضح.عند تطبيق هذه الواجبات على العسكريين، فإنها تفضي، لأسباب بديهية، إلى قيود أشد على الحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما للضباط الأعلون.ويرجع ذلك إلى سبب مزدوج وبسيط: فمن جهة، لا تُعتبر الحقوق المدنية والسياسية حقوقًا مطلقة، بل يمكن أن تخضع لقيود قانونية (أ). ومن جهة أخرى، فإن الصفة العسكرية تبرر تقييدًا أشد بالنسبة لأفراد القوات المسلحة والأمن، ولا سيما في قمة الهرم (ب).أ) الحقوق المدنية والسياسية ليست مضمونة على نحو مطلق بل تخضع لقيود قانونية:فحرية التعبير، مثلًا، لا تضمن حرية التحريض على العنف. وحق الاجتماع والتظاهر لا يشمل حق تنظيم اجتماعات أو تظاهرات في المقابر على سبيل المثال. كما أن حرية تكوين الجمعيات لا تشمل جمعيات الأشرار والمجرمين.وتتضمن الصكوك الدولية لحقوق الإنسان ذاتها مبدأ تقييد هذه الحقوق. فالمادة 29-2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تقر بأن الحقوق المضمونة فيه يجوز أن تخضع «للقيود التي يقررها القانون مستهدفًا منها (…) ضمانَ الاعتراف الواجب بحقوق وحريات الآخرين واحترامها، والوفاءَ بالعادل من مقتضيات الفضيلة والنظام العام ورفاه الجميع في مجتمع ديمقراطي». كما أن المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمتعلقة بالذات بالمشاركة السياسية، تقبل أن يخضع هذا الحق لـ«قيود معقولة». وبالمثل، تنص المادة 19 من العهد، المتعلقة بحرية التعبير، على إمكان إخضاع هذه الحرية «لبعض القيود (…) الضرورية (…) لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة». وقد استقر التفسير المعتمد لهذه النصوص، أي تفسير لجنة حقوق الإنسان، على تعداد مبررات مقبولة للقيود على الحقوق المدنية والسياسية، تشمل على وجه الخصوص سمعة الغير، والنظام العام، والأمن القومي، والآداب العامة، والصحة العامة.وهي قيود منسجمة تمامًا مع أفضل الممارسات المقارنة التي أرستها المحاكم الدستورية عبر العالم.ب) تقييد الحقوق المدنية والسياسية مبرر تمامًا وأشد وجاهة بالنسبة للعسكريين:يظل واجب التحفظ، كرديف لمبدأ الحياد، أشد صرامة بالنسبة للعسكريين منه بالنسبة لبقية فئات الموظفين. وليس في ذلك إنكار لهذه الحقوق أو مصادرة لها. فالعسكريون، كسائر المواطنين، يتمتعون بحقوقهم المدنية والسياسية، غير أن ممارستها تُقيد، بحكم صفتهم العسكرية، إما بالحظر الكامل (كحق الإضراب)، أو بالتقييد المشدد (كالحقوق السياسية). فالعسكري، مثلًا، يتمتع بحق التصويت ويمارسه بحرية، لكنه ممنوع من الانضمام إلى تنظيم سياسي. ويستطيع أن يتبنى ما يشاء من آراء ومعتقدات سياسية وفلسفية، لكنه لا يجوز له أن يعبّر عنها داخل الجيش. وأي تعبير خارج المؤسسة يجب أن يظل منسجمًا مع واجب التحفظ الذي يقتضيه وضعه العسكري: الاعتدال والرزانة، والولاء المؤسسي، والحياد السياسي.وعليه، فواجب التحفظ ليس نفيًا للحقوق، بل هو تأطير لها، يوضح الحدود التي تُمارس داخلها الحقوق المضمونة. فمثلًا، يُعتبر الطعن في سياسة الدفاع الوطني من طرف عسكري انتهاكًا لواجب الولاء للمؤسسات المنتخبة ديمقراطيًا، وهي وحدها المخولة بتحديد تلك السياسة. وتقوّم الاجتهادات القضائية المقارنة جسامة مخالفة هذه الالتزامات وفق جملة من المعايير، من بينها رتبة العسكري المعني؛ فكلما علت الرتبة في السلم الهرمي، ازدادت جسامة المخالفة، ومن هنا تبرز أهمية الأحكام الخاصة بالضباط العامين.ولهذا قام المشرّع الفرنسي بتقنين هذه الالتزامات، على النحو السابق بيانه، في مدونة الدفاع (المواد L4121-1 إلى L4121-8). ).وقد اعتبر المجلس الدستوري الفرنسي أن «مبدأ التصرف الحر الضروري بالقوة المسلحة (…) يقتضي أن يُحظر أو يُقيَّد على العسكريين ممارسة بعض الحقوق والحريات المعترف بها للمواطنين» (القرار رقم 2014-450 QPC بتاريخ 27 فبراير 2015، الفقرة 5).وللاقتراب أكثر من الصورة العملية للقيود المفروضة اليوم على ضباطنا الأعلون في الاحتياط الأول، يمكن استحضار اجتهاد حديث لمجلس الدولة الفرنسي في حالة شديدة الشبه: يتعلق الأمر بجنرال في الجيش الفرنسي، الجنرال بيكمال، الموجود أثناء الوقائع التالي سردها في القسم الثاني من الاحتياط – أي النظير الفرنسي للاحتياط الأول الموريتاني. شارك هذا الجنرال، في مايو 2016، في مظاهرة سياسية غير مرخصة، وهو خارج الخدمة ويرتدي لباسًا مدنيًا. وقد ألقى كلمة علنية انتقد فيها سياسة السلطات الفرنسية في مجال الهجرة. ولما كانت المظاهرة غير مرخصة، فقد حوكم المعني أمام محكمة جنح برأته. وبدل طي الصفحة، اعتبر الجيش الفرنسي أن الإجراءات الجنائية لا تغطي كل الواجبات الواقعة على عاتق هذا الجنرال، وبالذات واجب التحفظ.وبناءً عليه، باشرت القوات المسلحة الفرنسية، بالتوازي، إجراءات تأديبية انتهت بصدور مرسوم رئاسي بشطبه من قيود الجيش بسبب «الإخلال بواجبات التحفظ والولاء». ولما طعن الجنرال المعني في هذا القرار بدعوى الإلغاء، أيد مجلس الدولة العقوبة. واعتبر أن الجنرال المعني «لا يمكنه أن يجهل، خلافًا لما يدعيه، الصدى الإعلامي الواسع لتصريحاته». وبعد امتحان مدى تناسب العقوبة مع المخالفة المرتكبة، قرر المجلس أنه «نظرًا لخطورة هذه الإخلالات، وبالرغم من الخدمة الطويلة (…) وعدم صدور أي عقوبة تأديبية بحقه من قبل، فإن السلطة التأديبية لم تفرض عقوبة غير متناسبة، كما لم تنل من حرية التعبير المكفولة له بموجب المادة 10 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان ما دام القيد المفروض على حرية التعبير، بحكم واجب التحفظ الملقى على عاتقه، يسعى إلى تحقيق هدف مشروع» (مجلس الدولة، الغرفتان السابعة والثانية مجتمعتان، 22/09/2017، رقم 404921).ومن ثم، فإن مقاربة القانون الموريتاني الجديد تمثل خطوة إضافية في تأكيد الطابع الجمهوري لقواتنا المسلحة، من أجل جعلها أكثر احترامًا للديمقراطية، وأشد خضوعًا للقانون، وأكثر تفانيًا في حماية الدولة وصونها.3- إنشاء مرحلتين داخل قسم الاحتياطينشئ القانون الجديد قسمًا للاحتياط خاصًا بالضباط الأعلون الذين غادروا الخدمة الفعلية – لبلوغ السن القانونية، أو لاعتبارات شخصية، أو لأسباب صحية – «مع بقائهم تحت تصرف وزير الدفاع بالنسبة للجيش الوطني، أو الوزير المكلف بالداخلية بالنسبة للحرس الوطني» (المادة 22 جديدة، 2°-§1). ويُقسَّم هذا الاحتياط إلى مرحلتين: الأولى مدتها خمس سنوات وتبدأ مباشرة بعد انتهاء الخدمة النشطة، والثانية تبدأ بعد انقضاء هذه المدة.وإذا قارنا هذه المقاربة بالتشريعين السنغالي والفرنسي، مثلًا، فإنها تبدو خصوصية موريتانية، حيث لا يعرف هذان النظامان، بالنسبة للضباط الأعلون، إلا قسمًا واحدًا للاحتياط، هو القسم الثاني. أما «القسم الأول» فيضم، في هذين البلدين، الجنرالات الذين لا يزالون في الخدمة النشطة. وكما أوضحنا أعلاه، يبدو من صريح المادة 22 الجديدة، 2°-§6 أن الضباط الأعلون الموضوعين في الاحتياط الأول هم وحدهم الذين تُقيَّد حقوقهم المدنية والسياسية بموجب هذا القانون. وهي مقاربة تتميز بالاعتدال من جهة (أ)، وبالسخاء المحسوب من جهة أخرى (ب):أ) مقاربة معتدلة:باعتماده المقتضيات التي تطرقنا لها أعلاه، يكون المشرّع الوطني قد قيّد الحقوق المدنية والسياسية للضباط العامين لمدة خمس سنوات بعد انتهاء خدمتهم الفعلية، وذلك بشكل مبدئي، حيث يمكنهم التخلص من هذه القيود بمبادرتهم الخاصة، أي بطلب يوجّهونه إلى الوزير الوصي. ومن هذه الزاوية، يبدو القانون أكثر اعتدالًا بكثير من قوانين عدد من البلدان الإفريقية واللاتينية التي اشترطت، أو كانت تشترط في وقت من الأوقات، فترة انتظار على العسكريين قبل السماح لهم بالانخراط في السياسة. وتتراوح هذه المهلة بين سبع وثماني سنوات في فرنسا والسنغال.وفي بعض الأنظمة، قد تنطبق هذه المهلة أحيانًا حتى على مجرد تعيين جنرال سابق عضوًا في حكومة؛ فمثلًا، يشترط قانون الأمن القومي الأمريكي فترة انتظار مدتها سبع سنوات بالنسبة للجنرالات قبل تعيينهم في منصب وزير للدفاع. وأي استثناء من هذه القاعدة – كما حدث مؤخرًا في حالتي الجنرالين جيمس ماتيس ولويد أوستن – يستلزم قانون إعفاء خاص يصدره الكونغرس.وتتمثل علة مهلة الانتظار هذه في الأمل بأن تختفي الشبكات والولاءات والتأثيرات التي يحتفظ بها الضابط المعني داخل الجيش حمايةً للحياد السياسي لهذا الأخير.وهنالك أسباب أكثر جدية تبرر، في نظر بعض خبراء القانون العسكري، الاستبعاد الدائم للعسكريين، حتى بعد التقاعد، من التنافس السياسي: حيث لن يتردد البعض، عند انطلاق المسار السياسي للضابط السابق المعني، في إعادة قراءة مساره العسكري بأثر رجعي لاكتشاف، وربما اختلاق، كل ما قد يوحي بأن مساره العسكري لم يكن، في الحقيقة، إلا تحضيرًا لخدمة طموح سياسي مستقبلي. وتعمل هذه الحجة في الاتجاه المعاكس أيضًا: فالتفكير في الالتحاق مستقبليًا بالعمل السياسي قد يؤثر في سلوك بعض العسكريين، ويدفعهم إلى ممارسات تخدم طموحات بعيدة المدى أكثر مما تخدم مقتضيات الخدمة الراهنة للمؤسسة.ب) مقاربة سخاء محسوب:يُظهر المشرّع، من جهة أخرى، قدرًا لافتًا من السخاء تجاه الضباط الأعلون الموضوعين في المرحلة الثانية من الاحتياط، إذ يواصلون الاستفادة من مزايا مادية مهمة دون أن تترتب عليهم التزامات خاصة إزاء الجيش. والواقع أن القانون قد يسرّ الاستفادة من تلك الامتيازات للضباط الأعلون الموجودين اليوم في وضعية التقاعد، حيث نص على دمجهم التلقائي، بحكم القانون، في المرحلة الثانية من الاحتياط (المادة 22 الجديدة، 3°-§3).وبذلك يبدو أن المشرّع اعتمد مقاربة تدرجية ترمي إلى وضع هؤلاء الضباط في أفضل الظروف المادية، تجنبًا لأي انجذاب إلى النشاط السياسي غير المحظور عليهم أصلًا.4- ماذا عن حجة تطبيق هذا القانون بأثر رجعي؟ذهب بعضهم إلى أن إنشاء مرحلتين للاحتياط داخل القوات المسلحة الوطنية، بما يترتب عليهما من التزامات ومزايا مختلفة، يشكل مخالفة لمبدأ عدم رجعية القانون. وهي مقولة يصعب الدفاع عنها قانونيًا.فعدم رجعية القانون تعني أنه لا يطبّق إلا على الأوضاع الجارية والمستقبلية، ولا يعود إلى الماضي ليقلب أوضاعًا قانونية اكتملت فيه واستقرت، وذلك صونًا للأمن القانوني. ويجب التوضيح أن مبدأ عدم الرجعية لا يتمتع بالقيمة القانونية نفسها في فروع القانون المختلفة، غير أن ذلك نقاش لا داعي للخوض فيه هنا. فالمبدأ ببساطة لا ينطبق على القانون محل البحث.يكون القانون الجديد المتعلق بالنظام الأساسي لضباط القوات المسلحة الوطنية مطبقًا بأثر رجعي لو أنه مسّ حقوقًا مكتسبة، لا مجرد توقعات. كان سيكون تطبيقه بأثر رجعي لو أنه ألغى، مثلًا، انتخاب رئيس الجمعية الوطنية الحالي، أو عاقب جنائيًا ضابطًا أعلى سابقًا لأنه انتمى، قبل نفاذ القانون، إلى حزب سياسي.غير أن الواقع هو أن الضباط الأعلون السابقون، الموجودون اليوم في مناصب انتخابية، يُدرجون بحكم هذا القانون في الاحتياط الثاني المعفى من القيود على الحقوق السياسية، وفقًا للمادة 22 الجديدة، 2°-§6.أما الضباط الموضوعون في الاحتياط الأول، فلا يُعاقبون على الأنشطة التي سبق لهم القيام بها منذ انتهاء خدمتهم الفعلية وقبل إصدار القانون. كان هذا التشريع سيكون رجعيًا في حقهم لو ألغى، قانونًا، انتماءً إلى حزب، أو أبطل شغل وظائف داخل هيئاته، أو ألغى مشاركتهم في انتخابات سبقت صدوره. أما في الحالة التي نحن بصددها، فنحن أمام قانون يُنشئ فئة نظامية، ويضع فيها أشخاصًا أنهوا الخدمة الفعلية منذ أقل من خمس سنوات، ويفرض عليهم، للمستقبل، واجبات التحفظ وحفظ السر المهني وقيودًا على الحقوق السياسية. وهذا ما يسمى بالتطبيق الفوري للقانون. ومن ثم فإن مجرد التطلع المحتمل إلى المشاركة في الحياة السياسية لا يصلح الاحتجاج به كحق مكتسب في مواجهة قانون يفرض على الضباط الأعلون الموضوعين تحت تصرف الوزير الوصي التزامات تحفظ.في الختام، تكشف القراءة المتجردة لهذا القانون أنه يكرّس، للمرة الأولى في نظامنا القانوني، مبدأ حياد القوات المسلحة الوطنية، وما يترتب عليه من واجب التحفظ وحفظ السر المهني والابتعاد عن التجاذبات السياسية، وقد حدده هنا بصورة صريحة ومفصلة. ولإضفاء الفاعلية على هذا النظام، يقيّد القانون الحقوق المدنية والسياسية للضباط الأعلون، بفرضه عليهم، من حيث المبدأ، مهلة انتظار مدتها خمس سنوات تبدأ من تاريخ انتهاء خدمتهم الفعلية. وهذه ترتيبات تمنح الأثر الكامل للمبادئ الديمقراطية الأساسية التي ينص عليها دستورنا، وهي منسجمة كذلك مع أفضل الممارسات المقارنة.قد نأسف، بطبيعة الحال، لقصر مدة الانتظار نسبيًا، ونأمل أن تمارس السلطات الوصية سلطتها في تحرير أفراد الاحتياط الأول بقدر كبير من التروّي. وينبغي أن يكون التداعي المنطقي الأول لمثل كل هذه التدابير هو الاحترام المطلق لهذه الالتزامات من قبل العسكريين الذين لا يزالون في الخدمة النشطة قبل غيرهم، وكذلك تعزيز برامج التربية على الديمقراطية، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان، لفائدة قواتنا المسلحة الوطنية. فالحياد، وواجبات التحفظ، والولاء للنظام الدستوري، هي ما يصنع شرف الجيش الجمهوري وكرامته، جيش مكرّس للمهام التي كلّفته بها الأمة. ومن المهم جدًا أن يتناول النقاش العام هذه المسائل، غير أنه من المناسب أن يتم ذلك مع القدر المطلوب من المسؤولية. فبلدنا يستحق نقاشًا جادًا، رصينًا، وملتزمًا بالحد الأدنى من معايير الجودة والجدية.

اخبار موريتانيا الان

قانون النظام الأساسي لضباط الجيش العامل والاحتياطي: محاولة لتقييم مستقل

اخبار اليوم موريتانيا

اخر اخبار موريتانيا

اخبار اليوم في موريتانيا

#قانون #النظام #الأساسي #لضباط #الجيش #العامل #والاحتياطي #محاولة #لتقييم #مستقل

المصدر – الأخبار