اخبار سوريا اليوم – وطن نيوز
سوريا اليوم – اخبار سوريا عاجل
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-15 11:25:00
الحصول على مياه الشرب في مدينة الحسكة لم يعد تحدياً عابراً، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية يستنزف دخل السكان، ويضطرهم إلى الاختيار الصعب بين تحمل التكاليف الباهظة أو المخاطرة باستخدام مياه مجهولة المصدر. وبعد عامين من توقف وصول المياه عبر محطة علوك، أصبحت الصهاريج الخاصة المصدر الرئيسي لمياه الشرب والاستخدام المنزلي لأغلب سكان المدينة، في وقت تحذر السلطات الصحية من ارتفاع الأمراض المرتبطة بتلوث المياه. وبينما تتواصل أعمال تأهيل محطة علوك وخطوط الجر الممتدة بين مدينة رأس العين والحسكة، تمهيداً لإعادة تشغيلها، لا يزال الأهالي يعتمدون بشكل شبه كامل على شراء المياه، وسط غياب السيطرة الكافية على مصادرها، والارتفاع المستمر في أسعارها، ما يضيف عبئاً اقتصادياً جديداً إلى الأزمات المعيشية المتراكمة. تعتبر مياه الشرب بندًا ثابتًا في ميزانية الأسرة. ويبلغ سعر خزان المياه الواحد بسعة ألف لتر داخل مدينة الحسكة نحو 60 ألف ليرة سورية، بينما يرتفع في الأحياء المجاورة والأرياف إلى نحو 100 ألف ليرة سورية، وفي المناطق البعيدة يصل إلى 150 ألف ليرة سورية، بحسب الأسعار المتداولة حالياً. وتحتاج كل أسرة، بحسب عدد أفرادها، إلى عدة خزانات شهرياً، سواء للشرب أو الطبخ أو الاستخدامات المنزلية، ما يجعل الإنفاق على المياه عنصراً ثابتاً يستهلك جزءاً مهماً من الدخل، في محافظة تعاني أصلاً من ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية. ورغم التكلفة الباهظة، لا يوجد لدى معظم السكان بديل آخر، إذ انقطعت المياه القادمة من محطة علوك منذ نحو عامين، بعد سلسلة طويلة من الانقطاعات شهدتها المحطة خلال الأعوام السابقة، لتصبح الصهاريج والآبار الخاصة هي الوسيلة الوحيدة لتأمين المياه. ومؤخراً، بدأت الجهات المعنية بتنفيذ أعمال تأهيل محطة علوك وخطوطها، والتي تضمنت إزالة التعديات على خطوط الجر وإصلاح أجزاء من الشبكة الممتدة بين رأس العين والحسكة، في خطوة يأمل الأهالي أن تمهد لإعادة ضخ المياه وإنهاء واحدة من أطول أزمات الخدمات الأساسية في المحافظة. “راتبي كله يذهب للمياه.” ويقول أحمد السالم، وهو موظف حكومي يسكن في حي غويران بالحسكة، إن أسرته المكونة من ستة أفراد تحتاج إلى شراء أربعة إلى ستة خزانات مياه شهرياً. وأضاف لعنب بلدي، “قبل سنوات كنا ندفع مبلغًا بسيطًا مقابل المياه، لكننا اليوم نحسب استهلاكنا يومًا بيوم، وأحيانًا نؤجل شراء احتياجات منزلية أخرى لأنه علينا تأمين سعر المياه أولاً”. وأشار إلى أن الأسرة مضطرة إلى ترشيد استخدام المياه في كافة الأنشطة المنزلية، وأن الأطفال أصبحوا معتادين على التقليل من الاستحمام وغسل الملابس لتقليل عدد الخزانات المطلوبة كل شهر. ويرى أحمد السالم أن الأزمة لم تعد مرتبطة بانقطاع الخدمة فقط، بل بالكلفة التي تتزايد باستمرار، في ظل غياب أي حلول مستقرة. القلق المستمر بشأن نوعية المياه. ولا تتوقف معاناة الأهالي مع ارتفاع الأسعار، إذ يصاحبها خوف دائم من جودة المياه التي تصل عبر الصهاريج. وتقول سعاد المحمد، ربة منزل من حي الصالحية، إنها لم تعد تثق بالمياه التي تشتريها، لكن لم يعد أمامها خيار آخر. وأضافت: “أحياناً نلاحظ تغيراً في لون أو رائحة المياه، لذا نضطر إلى غليها قبل الشرب. نشتري المياه المعبأة للأطفال عندما نستطيع، لكن ذلك يزيد النفقات أكثر”. وأوضحت أن الأسرة شهدت حالات إسهال لدى الأطفال أكثر من مرة، دون أن تتمكن من التأكد من مصدر العدوى، لكنها رجحت أن يكون السبب هو المياه المستخدمة يوميا. وأضافت أن الناس بدأوا يتبادلون المعلومات حول أصحاب الصهاريج الذين يعتقدون أن مياههم “أنظف”، في ظل عدم وجود جهة تضمن جودة المياه أو تعلن نتائج الفحوصات الدورية. أرقام صحية مثيرة للقلق تعكس بيانات مديرية الصحة في الحسكة حجم المشكلة الصحية المرتبطة بأزمة المياه. وأحصت المديرية 16350 حالة إسهال حاد ودموي بين الأطفال والكبار منذ فبراير وحتى اليوم، وأرجعت هذه الحالات إلى الاعتماد على مياه الخزانات والآبار غير الآمنة. وقال رئيس دائرة الأمراض الانتقالية في مديرية الصحة بمحافظة الحسكة، إلياس كروم، إن السبب الرئيسي لارتفاع حالات التسمم والإسهال يعود إلى عدم موثوقية مصادر المياه التي يعتمد عليها السكان. وأوضح: “معظم أهالي الحسكة يعتمدون على المياه الصهريجية، لذا لا نستطيع ضمان جودتها من الناحية البكتريولوجية، وهذا من أبرز أسباب زيادة حالات التسمم والإسهال”. وأضاف أن جميع السكان معرضون للإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه، لكن الأطفال يظلون الفئة الأكثر عرضة للخطر بسبب حساسيتهم العالية للجفاف الناتج عن الإسهال المتكرر. ودعا أولياء الأمور إلى مراقبة نوعية المياه التي يشربها أطفالهم، والتأكد قدر الإمكان من سلامتها قبل الاستخدام. كما حذر من الإسهال المائي الحاد، موضحاً: “أكثر ما يقلقنا في هذه الفترة هو الإسهال المائي الذي قد يكون حالة اشتباه بالكوليرا، أما باقي أنواع الإسهال فإن استمرارها قد يؤدي إلى حالات جفاف خطيرة خاصة عند الأطفال”. وبحسب إحصائيات المديرية، فقد تم منذ شهر فبراير تسجيل 181 حالة إسهال دموي بين الأطفال، و169 حالة بين البالغين، إضافة إلى نحو 9000 حالة إسهال حاد بين الأطفال، و7000 حالة بين البالغين. مياه الآبار ليست الحل. وفي محاولة لتقليل الاعتماد على الخزانات، لجأ عدد من سكان المدينة إلى حفر الآبار السطحية داخل الأحياء السكنية أو في المنازل. لكن هذه الخطوة لم تقدم حلا دائما، إذ تتميز المياه في العديد من الآبار بارتفاع نسبة الملوحة أو التلوث، مما يجعلها غير صالحة للشرب، وأحيانا حتى للاستخدام المنزلي. ويقول الشاب محمد العبد من حي الناصرة، إن عائلته حفرت بئراً بعد انقطاع المياه المتكرر، لكنها اكتشفت لاحقاً أن المياه غير صالحة للشرب. وأضاف: “نستخدم مياه الآبار فقط للتنظيف وري الحديقة. أما بالنسبة للشرب، فعلينا شراء مياه الصهاريج، لأن مياه البئر طعمها مالح، كما أصيب بعض أفراد الأسرة بمشاكل جلدية بعد استخدامها لفترة”. وأشار إلى أن حفر البئر كلف الأسرة ملايين الليرات، لكنه لم ينه مشكلة المياه، إذ لا تزال الأسرة تشتري الماء للشرب بشكل منتظم. بين الأمراض والديون، أما خولة الأحمد، وهي أرملة تعيل ثلاثة أطفال وتسكن في حي العزيزية، فتقول إن أكثر ما يرهقها هو الاختيار بين شراء الماء أو توفير احتياجات أخرى للعائلة. وأضافت: “أحياناً أقترض ثمن خزان المياه لأنني لا أستطيع تأجيل شرائه، فالأطفال يحتاجون إلى الماء للشرب والطبخ والغسيل، ولا يوجد بديل”. وأشارت إلى أن أحد أبنائها أصيب بالإسهال أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية، ما اضطرها لزيارة المراكز الصحية وشراء الأدوية، مما حول أزمة المياه إلى عبء صحي ومالي في الوقت نفسه. وترى خولة الأحمد أن عودة ضخ المياه عبر الشبكة ستكون كافية لتخفيف جزء كبير من معاناة الأسر ذات الدخل المحدود. غياب الرقابة يزيد المخاوف. خليل العلي، اختصاصي في الصحة العامة، أكد في حديث إلى عنب بلدي أن جزءًا من المشكلة لا يتعلق فقط بمصدر المياه، بل بآلية نقلها وتخزينها. وبحسب العلي، فإن الخزانات الخاصة تختلف في مستوى النظافة والصيانة، ولا يتم الإعلان دائماً عن مصادر تعبئتها، ما يجعل المستهلك غير قادر على معرفة نوعية المياه التي يشتريها. ويرى العلي أن نقل المياه الصالحة للشرب يحتاج إلى إجراءات رقابية دقيقة، تشمل فحص مصادر المياه بشكل دوري، وتعقيم الخزانات، وإجراء الفحوصات المخبرية الدورية، وهو ما يقول السكان إنه لا يتم تطبيقه بشكل كافٍ حاليًا. مضيفاً أن غياب هذه السيطرة يؤدي إلى زيادة احتمالية انتقال الأمراض المنقولة بالمياه خاصة خلال فصل الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة، وهو ما ينعكس على زيادة حالات الإسهال والتسمم الغذائي. الآمال معقودة على عودة محطة علوك. ورغم استمرار الأزمة، ينتظر أهالي الحسكة نتائج أعمال تأهيل محطة علوك وخطوط نقل المياه، على أمل انتهاء سنوات الاعتماد على الصهاريج. ويعتقد السكان أن عودة المحطة إلى التشغيل المستقر لن يعني توفير المياه فحسب، بل سيخفف العبء الاقتصادي على آلاف الأسر ويحد من انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه غير الآمنة. لكن إلى أن يتحقق ذلك، يظل سكان المدينة يواجهون واقعاً يومياً يتمثل في شراء المياه بأسعار مرتفعة، مع القلق المستمر على جودتها، في أزمة تجمع بين الأبعاد الخدمية والاقتصادية والصحية، وتثقل كاهل حياة مئات الآلاف من السكان الذين ينتظرون انتهاء إحدى الأزمات الأكثر إلحاحاً في الحسكة. متعلق ب




