تونس – بين الخطاب الرسمي عن «الثورة الثقافية» وواقع المهرجانات الصيفية: أين اختفت الأغنية الملتزمة؟

اخبار تونس18 يوليو 2026آخر تحديث :
تونس – بين الخطاب الرسمي عن «الثورة الثقافية» وواقع المهرجانات الصيفية: أين اختفت الأغنية الملتزمة؟

اخبار تونس- وطن نيوز

اخر اخبار تونس اليوم – اخبار تونس العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-18 00:56:00

كتب فاهم بوكدوس سيتكرر الخطاب الرسمي حول «الثورة الثقافية» كمشروع وطني يهدف إلى إعادة بناء الوعي، ومقاومة مظاهر التسطيح والجهل، وترسيخ الثقافة كأحد مكونات السيادة الوطنية، وجعلها رافعة للهوية والفكر والإبداع، وليس مجرد نشاط ترفيهي موسمي أو مناسبات للاستهلاك الفني. لكن قراءة البرمجة الفنية للمهرجانات الصيفية تكشف عن مفارقة يصعب تجاهلها. وتكاد الأغنية الملتزمة أن تغيب بشكل شبه كامل عن أهم التظاهرات الثقافية، رغم أنها تمثل أحد أهم أشكال التعبير الفني الذي ارتبط تاريخيا بقضايا الحرية والكرامة والعدالة، ومقاومة الاستعمار والاستبداد، والدفاع عن القضية الفلسطينية وقضايا الشعوب. ولم تكن تونس دولة عابرة في تاريخ هذا الفن، بل كانت إحدى أهم حاضناته العربية. من سباقات قرطاج والحمامات، ومن عشرات المهرجانات الإقليمية، تعاقبت الأسماء التي خلقت ذاكرة أجيال بأكملها، من الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، إلى مارسيل خليفة وأحمد قعبور وخالد الهبر وفرقة العشاق الفلسطينيين، وغيرها من التجارب العربية التي وجدت في تونس مساحة طبيعية للقاء جمهور واسع متفاعل مع هذا الشكل الفني. وعرف المشهد التونسي بدوره بتجاربه الرائدة، ومن بينها فرقة أولاد المجنم والبحث الموسيقي والحمام الأبيض وحمادي العجيمي وأزهر الضاوي والهادي قولة والزين الصافي وغيرهم من الفنانين الذين جعلوا من الأغنية الملتزمة مساحة للإبداع والمقاومة والدفاع الإنساني. ولم يقتصر تأثير هذه الأعمال على المسارح، بل امتد إلى المعاهد والجامعات والبيوت الثقافية والأندية الفكرية، حيث نشأت أجيال بأكملها على كلماتها وألحانها، وأصبحت جزءا من تكوينها الثقافي والسياسي. وكانت الأغنية الملتزمة مدرسة وعي، وصوتاً لقضايا التحرر والعدالة، ورافداً أساسياً من روافد الثقافة الوطنية والعربية. واليوم، يغيب هذا الإرث بشكل شبه كامل عن برمجة المهرجانات الصيفية، التي أصبح معظمها رهينة منطق العرض السريع والعروض التجارية والأسماء الأكثر شعبية، في حين يُستبعد جنس فني يحمل تاريخا طويلا من الإبداع والالتزام، دون أي نقاش حول أسباب هذا الغياب أو مدى انسجامه مع الخطاب الرسمي الذي يدعو إلى بناء وعي جديد وتعزيز السيادة الثقافية. ويصبح هذا السؤال أكثر إلحاحا عندما يتعلق الأمر بالمهرجانات الممولة من المال العام. المهرجانات الوطنية والدولية التي تحظى بدعم الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العامة ليست مشاريع خاصة تخضع فقط لمنطق السوق أو الربح. بل هي مؤسسات ثقافية تؤدي وظيفة عامة، ومن الطبيعي أن تخضع اختياراتها للنقاش والمساءلة. من يحدد اتجاهات البرمجة؟ ما هي المعايير المستخدمة لاختيار الفنانين؟ كيف يمكن أن نفسر غياب نوع فني كامل كان على مدى عقود جزءا من الهوية الثقافية لتونس وإشعاعها العربي، في حين يحظى بدعم شعبي يفترض أن يخدم المصلحة الثقافية العامة بكل تنوعها؟ ولا يتعلق الأمر بالدعوة إلى استبعاد أي نوع موسيقي أو فرض الوصاية على الذوق الفني، إذ تبقى التعددية شرطا أساسيا لحيوية المشهد الثقافي. لكن التعددية نفسها تفقد معناها عندما يتم استبعاد أحد أهم الاتجاهات الفنية التي ساهمت في تشكيل الوعي الجماعي، في حين تهيمن الأساليب الأخرى بشكل شبه مطلق. ويفرض هذا الواقع سؤالاً آخر لا يقل أهمية: هل غياب الأغنية الملتزمة يعكس فقط تحولاً في الذائقة الفنية، أم أنه يعبر أيضاً عن تراجع حضور القضايا الكبرى داخل الفضاء الثقافي؟ ولم تكن الأغنية الملتزمة قط مجرد شكل موسيقي، بل كانت التعبير الفني الأبرز عن القضية الفلسطينية وحركات التحرر الوطني ومكافحة الاستعمار والعنصرية، والدفاع عن العدالة الاجتماعية وحقوق الشعوب. ومع تراجع حضور هذه القضايا في السياسات الثقافية، تراجع معها الفن الذي حملها وأعطاها بعداً إنسانياً وجمالياً. لكن المفارقة تبدو أكثر وضوحا اليوم. وفي الوقت الذي تستعيد فيه القضية الفلسطينية مكانة مركزية في ضمير الشعوب العربية، وفي وقت يشهد فيه العالم تضامنا واسعا مع الشعب الفلسطيني، يبدو أن المهرجانات الثقافية تنأى بنفسها عن هذا الإرث الفني الذي ارتبط تاريخيا بفلسطين وبكل قضايا التحرير. وكأن البرمجة الثقافية تسير في اتجاه موازٍ لا يعكس التحولات المجتمعية ولا الخطاب الرسمي الذي يربط الثقافة بالسيادة والوعي الوطني. إن الثورة الثقافية، إذا أريد لها أن تكون مشروعاً حقيقياً، لا يمكن اختزالها في شعارات أو تصورات عامة، بل تقاس بما تعكسه السياسات الثقافية من حيث الاختيارات الفعلية في البرمجة، والدعم العام، وتوزيع المساحات الثقافية. المهرجانات ليست مجرد مناسبات للترفيه، بل هي مؤسسات لخلق الذوق العام، وإنتاج المعنى، والحفاظ على الذاكرة الجماعية. لذلك، فإن إعادة تأهيل الأغنية الملتزمة لا تعني الحنين إلى الماضي، ولا تعني إقصاء بقية الأنماط الفنية، بل تعني إعادة التوازن داخل المشهد الثقافي، والاعتراف بمكانة فن ساهم في تشكيل ضمير أجيال بأكملها، وجعل من تونس، على مدى عقود طويلة، الحاضنة العربية الأبرز للأغنية الملتزمة ومنبراً للفنانين الذين حملوا صوت الحرية والكرامة وقضايا الناس.* فهيم بوكدوس، المدير التنفيذي للمؤسسة النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين.