موريتانيا – قراءة علمية في الآلية والنتائج

أخبار موريتانيا25 يوليو 2026آخر تحديث :
موريتانيا – قراءة علمية في الآلية والنتائج

اخبار موريتانيا – وطن نيوز

اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-25 22:09:00

منذ الإعلان عن خروج أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال من الساحل الموريتاني من حقل “السلحفاة الكبرى/أحميم” في مايو 2025، دخلت موريتانيا مرحلة جديدة في تاريخها الطاقي، تختلط فيها الآمال الاقتصادية بالأسئلة المشروعة حول حجم العائد الفعلي الذي ستجنيه الخزينة العامة من هذه الثروة. ولفهم هذا العائد بشكل دقيق، لا بد من العودة إلى الأساس القانوني والاقتصادي الذي يحكم استغلال الموارد الهيدروكربونية، ألا وهو عقود تقاسم الإنتاج، وهي الصيغة التعاقدية الأكثر شيوعاً في صناعة النفط والغاز في البلدان النامية، وترتكز على مبدأ أساسي مفاده أن الشركة المشغلة الأجنبية تتحمل كافة مخاطر وتكاليف الاستكشاف والتطوير، مقابل حقها في استرداد هذه التكاليف من الإنتاج المستقبلي قبل تقاسم الأرباح مع البلد المضيف. وبحسب هذا النموذج، ينقسم الإنتاج إلى قسمين: جزء مخصص لتغطية التكاليف، يعرف اصطلاحاً بـ«غاز التكلفة»، وهو الحصة التي تسترد بها الشركة استثماراتها التراكمية في التنقيب والتطوير والتشغيل، وجزء آخر يمثل فائض الاستثمار، المعروف بـ«غاز الربح»، وهو مقسم بين الدولة والشركة وفق نسب محددة سلفاً في العقد. وقد تبنت موريتانيا هذا النموذج منذ بداية الألفية، بدءا من حقل شنقيط النفطي، مرورا بعقود الاستكشاف البحري التي أبرمتها مع شركة كوزموس إنرجي ابتداء من عام 2012 في إطار مدونة المحروقات الصادرة بالقانون رقم 033 – 2010. وبما أن حقل الغاز يمتد عبر الحدود البحرية بين موريتانيا والسنغال، فقد استلزم ذلك توحيد استغلاله من خلال اتفاقية تعاون حكومي بين البلدين على غرار اتفاقية “الفريج” التي جمعت بريطانيا. والنرويج. وفي بحر الشمال، وقع الرئيس السنغالي خلال زيارته لنواكشوط مطلع عام 2018، اتفاقية لتقاسم إيرادات الحقل بنسبة خمسين بالمئة لكل دولة من إجمالي الإنتاج، مع خصم تكاليف الإنتاج من حصة كل دولة وفقا للعقد الذي أبرمته مع الشركة المشغلة. أما هيكل الملكية في رخصة الحقل، فهو موزع بين شركة BP البريطانية المشغل بحصة 56 في المائة، وشركة كوزموس للطاقة الأمريكية بحصة 27 في المائة، وشركة المحروقات الموريتانية بحصة 7 في المائة، وشركة بتروسين السنغالية بحصة 10 في المائة. ويقدر احتياطي الحقل بأكثر من 15 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، مما يمنحه مكانة بين أكبر الحقول البحرية في القارة الأفريقية، مع توقع استمرار استغلاله لعقود طويلة. آت. وهنا تكمن النقطة الأساسية التي يتجاهلها الكثير من النقاش العام، وهي أن الحصة “الاسمية” لموريتانيا من رأس المال، أي خمسين بالمائة من إجمالي الإنتاج كدولة وسبعة بالمائة كشركة وطنية شريكة، لا تعني حصولها الفوري على هذه النسب نقدا. وبموجب آلية استرداد التكاليف فإن سقف تغطية تكاليف الإنتاج المسموح بها في العقد الموقع مع شركة بي بي هو 62% من الإيرادات، مما يعني أن صافي حصة الدولة يبقى محدودا خلال السنوات الأولى من التشغيل. وبحسب البيانات الأخيرة، فإن حصة موريتانيا من الإنتاج عبر الشركة الموريتانية للمحروقات تقدر بسبعة بالمئة فقط خلال فترة استرداد التكاليف، أي المرحلة التي تسبق بدء الإنتاج التجاري، وسترتفع إلى 11.5 بالمئة بعد استكمال هذه المرحلة. وتشير التقديرات الأولية إلى أن صافي إيرادات الدولة من المشروع لسنة 2025 لم يتجاوز نحو 12 مليار أوقية قديمة، وهو رقم متواضع مقارنة بحجم الاحتياطي المعلن، ويعود السبب الرئيسي فيه إلى أولوية استرداد التكاليف في السنوات الأولى من التشغيل. ولا تخلو هذه الصيغة التعاقدية من تحديات بنيوية تستحق الاهتمام. الأول هو أن نموذج استرداد التكاليف يخلق حافزاً هيكلياً للشركات العاملة لتضخيم التكاليف المعلنة طالما تم تخصيص الإيرادات أولاً لتغطيتها قبل تقاسم الأرباح. وهي مشكلة تواجهها الدول الرائدة في هذا المجال مثل إندونيسيا التي كانت أول من اعتمد هذا النموذج عام 1966، والهند، مما دفعهما فيما بعد إلى مراجعة نظام استرداد التكاليف أو التخلي عنه جزئياً. ثانيا، لجأت شركة المحروقات الموريتانية إلى تمويل حصتها في المشروع من خلال قرض من الشريكين الأجنبيين. وبلغ هذا القرض وفوائده نحو 495 مليون دولار، بحسب تقرير مبادرة الشفافية في مجال الصناعات الاستخراجية للعام 2023، أي ما يعادل نحو 12 بالمئة من إجمالي الدين الخارجي الموريتاني لذلك العام. وسيتم سداد هذا القرض وفوائده من عائدات المشروع نفسه، مما يؤخر مرة أخرى تحصيل الدولة لصافي العائد الملموس. ثالثا، لا يزال النموذج الموريتاني يعتمد على أسلوب استرداد التكلفة الكلاسيكي المرتبط بوتيرة الإنتاج، على عكس النماذج الحديثة “الذكية” التي تربط تقاسم الإنتاج بالربحية الفعلية للمشروع وجدوى الاستثمار، وهو ما قد يوفر حماية أكبر لمصلحة البلد المضيف من ظاهرة تضخم التكاليف. ويوفر إطار الشفافية الحالي، من خلال النشر السنوي لتقارير الصناعة الاستخراجية والامتثال لمعايير مبادرة الشفافية الدولية، أساسًا جيدًا لرصد أداء القطاع. لكن تحويل الثروة الغازية إلى تنمية اقتصادية حقيقية يتطلب تعزيز قدرات الرقابة والتدقيق الوطنية على التكاليف المعلنة من قبل الشركات المشغلة للحد من مخاطر التضخم، والتفكير تدريجيا في نماذج تعاقدية أكثر توازنا للمشاريع المستقبلية مثل حقل بئر الله وغيره، وربط تقاسم الإنتاج بربحية المشروع وليس فقط وتيرة الإنتاج، بالإضافة إلى وضع إطار واضح ومعلن لاستخدام العوائد المتوقعة. بعد مرحلة استرداد التكاليف لضمان تحويلها إلى استثمار في رأس المال البشري والبنية التحتية، لتجنب تكرار تجارب “لعنة الموارد” التي عاشتها الدول النفطية الأخرى، وتكثيف التواصل المؤسسي مع الرأي العام بشأن تفاصيل هذه العقود بما يقلل من مساحة الارتباك والتفسيرات المتضاربة التي رافقت الجدل العام منذ بدء الإنتاج. خلاصة القول هي أن دخول موريتانيا الفعلي إلى “نادي الفاتح” العالمي يمثل معلما تاريخيا، لكنه لا يعني تلقائيا تدفقا فوريا وسخيا للإيرادات إلى الخزينة العامة، إذ إن الهيكل التعاقدي القائم على تقاسم الإنتاج واسترداد التكاليف يفرض واقعا تدريجيا ومعقدا لتحصيل الريع الوطني، وهو ما يتطلب متابعة علمية ورقابة صارمة ونقاشا عاما مستنيرا، بعيدا عن التبسيط المفرط أو المبالغة غير المستندة إلى بيانات.

اخبار موريتانيا الان

قراءة علمية في الآلية والنتائج

اخبار اليوم موريتانيا

اخر اخبار موريتانيا

اخبار اليوم في موريتانيا

#قراءة #علمية #في #الآلية #والنتائج

المصدر – الأخبار