اخبار البحرين – وطن نيوز
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-12 00:10:00
بقلم: عيسى بن عبد الرحمن الحمادي للأوطان حرمات، وللسيادة أعظم الحرمات بينها. فهو ليس حدوداً مرسومة على الخرائط، ولا علماً مرفوعاً على ساريات، بل هو عهد تحمي به الأرض، وتحفظ به السماء، ويأمن به الإنسان. إذا انتهكت سيادة أمة، فلن يتم الاعتداء على ترابها فحسب، بل سيتم الاعتداء على كرامة شعبها، وهيبة دولتها، وحقها في أن تكون سيدة قراراتها. والبحرين، كما عرفها شعبها، وكما عرفها التاريخ، دولة جعلت من الحفاظ على سيادتها أخلاق الدولة، وعقيدة المؤسسات، والولاء للشعب. ولذلك انكسرت يد إيران، يد العدوان التي بسطت الأذى. فلا تنتصر إذا كُسرت، ولا تنعم إذا ظُلمت، ولا تأمن إذا عادت. (وما يصيب إلا من فعله من فعله). لم يكن ذلك الاعتداء زلة قرار عجلت به ساعة غضب، ولا رد فعل أملته لحظة اضطراب. بل كانت صفحة جديدة من سجل قديم، لم يتغير فيه إلا التاريخ، وبقي الفعل، والهدف واحد. مشروع يغير أقنعته ولا يغير وجهه، ويغير شعاراته ولا تغير أهدافه، ويلبس لكل مرحلة ثوباً جديداً، حتى إذا انكشف الثوب ظهر العدوان. إذا ضاقت الحجة لجأت إلى الصاروخ، وإذا فشل منطقها لجأت إلى المسيرة، وإذا انكشف أمرها لجأت إلى الظلم، حتى أصبح العدوان سياسة، والتدخل عقيدة، والولاية رسالة. لقد أخطأ المعتدي عندما ظن أن الصاروخ يكسر إرادة الأمم؛ أخطر ما في الصاروخ ليس أنه يشق السماء، بل أنه يكشف ما على الأرض. فهو يكشف صدق القيادة إذا قيادتها، وصلابة الدولة إذا اختبرتها، ووحدة الشعب إذا واجهتها. فكم من سهام أطلقت لتشتيت الصفوف فجمعتهم، وكم من نيران أوقدت لبث الرعب، ولكنها عندما تستيقظ العزيمة تكشف قوة الرجال وصلابة المؤسسات، وتسقط آخر الأقنعة عن المعتدي. وما أقصر المسافة بين الصاروخ والطائرة، إذا انطلقا من عقل واحد، فلا يرى في الأوطان إلا ساحات النفوذ، ولا في الشعوب إلا أوراق التفاوض. يرسل الأولى إلى البحرين والكويت وإلى بقية دول الخليج العربي تارة أخرى، ثم يرسل الثانية إلى صنعاء، ويكتب على جناحها: «رحلة إنسانية». أي إنسانية هذه، التي فيها خبير الحرس الثوري يسبق الطبيب، وفيها صوت الوصاية أعلى من صوت الإغاثة، وفيها يفتح الطريق أمام المليشيا قبل أن يفتح أمام الدولة؟ ليست الإنسانية هي التي تضمد جراح الأمم، بل السياسة هي التي تضمد جراح المشروع، وتطيل عمر التبعية، وتستثمر في إدامة الفوضى. لقد غيروا الأسماء كثيرًا لدرجة أنهم ظنوا أن الحقائق ستتغير إذا تغيرت كلماتهم. ووصفوا العدوان بالرد، والمساعدة بالتدخل، وشراكة الوصاية، والمقاومة المليشياوية. ولم يعلموا أن الاسم لا يغير الاسم، وأن الصاروخ لا يصبح حمامة إذا كتب عليه “سلام”، وأن الجسر الجوي لا يصبح جسر رحمة إذا كان هدفه الأسمى ترسيخ النفوذ، وإدامة الصراع، واختطاف القرار، وإضعاف الدولة لصالح الجماعة. وعلمتنا التجارب أن المشروع الإيراني لا يبدأ بدولة ثم بناء ميليشيا، بل يبدأ بميليشيا ثم يدمر دولة. فهو لا يزرع الاستقرار ثم يحصد السلام، بل يزرع الاضطراب ثم يحصد النفوذ. فهو لا يقيس نجاحه بالبلدان التي يعيد بناءها، بل بالمؤسسات التي يعطلها، ولا بالأشخاص الذين يجمعهم، بل بالصفوف التي يقسمها. إذا رأى دولة قوية نازعها، وإذا وجد جماعة أجنبية اعتنقها، وإذا رأى فراغاً في السيادة ملأها بالولاء لا للوطن، بل لغير الوطن. من هرمز إلى باب المندب، ومن البحر الأحمر إلى خليج عدن، ومن سماء البحرين إلى جسر صنعاء، فقط الأسماء تتغير، لكن البصمات واحدة، والوسائل وإن تعددت فالهدف واحد. مشروع لا يقوى إلا إذا ضعفت الدولة، ولا يتسع إلا إذا تراجعت السيادة، ولا يزدهر إلا إذا تفرقت الكلمة. إنها لا تبني جاراً، بل تخلق تابعاً، ولا تقيم شراكة، بل تفرض الوصاية، ولا تصنع سلاماً، بل تؤجل حرباً لتلد أخرى. ولعل أخطر ما كشفه هذا العدوان هو أنه لم يكن اعتداءً على مملكة البحرين وحدها، بقدر ما كان اختباراً لفكرة أكبر منها؛ فكرة أن أمن الخليج العربي قابل للتقسيم، وأن سيادة دولة واحدة يمكن أن تتأثر دون التأثير على الدول الأخرى. وهذا وهم لا يعيش إلا في أذهان أصحابه. لأن الأخطار لا تعرف حدودا، والتهديدات لا تقف عند خطوط الخريطة، وما يؤثر على أمن إحدى دول الخليج العربي لا يوقظ في الباقي سؤال المصير قبل سؤال الجوار. لقد أثبت الزمن أن الصواريخ تطلق في دقائق، لكن بناء الردع يستغرق سنوات؛ فالعدوان قرار متهور، أما الأمن فهو يبنيه دول تعرف قيمة الدولة وتدرك أن السيادة لا تحفظ بردود الفعل وحدها، بل بالرؤية والجاهزية وتكامل القدرات ووحدة الإرادة. فالطامع لا يطمح إلى جوار متماسك، بل يطمح حيث يرى انشقاقاً في الصفوف، أو ضعفاً في المنصب، أو تردداً في القرار. ومن هنا، لم يعد تعاون دول الخليج العربي ترفاً سياسياً، ولا مجاملة دبلوماسية، ولا موقفاً تمليه الظروف العابرة؛ بل أصبح ضرورة أملتها الجغرافيا، وأكدتها التجارب، وفرضتها طبيعة الأخطار التي لم تعد تفرق بين سماء وأخرى، أو بين ساحل وآخر. ليس المأمول وحدة تستيقظ عند انطلاق صفارات الإنذار، ثم تختفي عندما تهدأ الأصوات؛ بل هي وحدة تجعل من الردع نهجا، والتكامل ثقافة، والأمن المشترك مسؤولية يومية، حتى يدرك كل من يجرؤ على العبث بأمن هذه المنطقة أن ما يواجهه ليس حدودا متجاورة، بل إرادة موحدة، ورؤية متوافقة، ومصير واحد. وستبقى البحرين بقيادة سيدي صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين المعظم حفظه الله ورعاه، وطنًا لا يمكن المساس به، وسيادة لا يمكن المساس بها. أنت تساوم، ولا يتم اختطاف القرار. ونتطلع دائما إلى تضامن أقوى بين دول الخليج العربي، لا يتوقف عند رد الفعل، بل يخلق الفعل، ولا يقتصر على نقل التضامن، بل يبني قوة التآزر. إذا هوجمت إحدى سماء الخليج العربي شعرت بها كل سماء، وإذا تعرض ساحل للتهديد ارتفع إليه كل ساحل، وإذا أطلق المعتدي وجد أمامه خليجا عربيا واحدا في يقظته، وواحدا في ردعه، وواحدا في مصيره.




