اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-20 17:41:00
د. عبد المنعم عبد المحمود العربي الوالدين نعمة عظيمة في الدنيا ولكنها لا تدوم. إنهم مشروع كفاح مشترك معصوم من بركات السماء. اليوم الجمعة التاسع عشر من يونيو هو يوم عطلة رسمية وتحتفل السويد كلها، حتى خلال عطلة نهاية الأسبوع هذه، بمنتصف فصل الصيف. وهذا الاحتفال تقليد متوارث منذ السويد القديمة، لأن فصلي الربيع والصيف يعنيان “الخصوبة” وولادة الحب الذي يجمع بين الجنسين. يتعرفون على بعضهم البعض، ويتبادلون باقات الورود، ويرقص الناس فرحًا خلال هذا الموسم، ويغنون ويرتدون أزياء تحكي قصة تراث شعبي قديم لا تزال السويد تفتخر به. هنا في المملكة المتحدة يحتفل الناس بعيد الأب هذه الأيام. وما أدراك بمكانة هذا الأب العظيم الذي يحتفلون به! وسأحتفل معهم سرا وعلنا بوالدي رحمه الله. يقولون في المثل: كل فتاة معجبة بأبيها، أما أنا فأقول: لماذا لا يعجب كل ولد بأبيه؟ لقد كتبت سابقا عن أمي وأبي رحمهما الله. واليوم تتجدد في ذهني ذكرى والدي رحمه الله وكفاحه الطويل وهو بنى المشروع بكل إصرار وحكمة، حتى لو لم يكن يثق بأنه سيعيش ويجني ثمار ذلك الكفاح. ولكن الله أكرمه وأعزه، والحمد لله. وهو في مكانته الرفيعة، أعتقد أنه سيحظى برحمة الله بالفردوس الأعلى. وأغتنم هذه الفرصة لأتحدث بشكل خاص عن شخصيته وسلوكه الفريد، بهذه الكلمات: كل أب يندب على أسرته، وكل شاب يستعد لإكمال نصف دينه، “مشروع بناء البيت السعيد”. والحقيقة، ليكن هذا المقال خطاباً لكل الشباب، فأقول: الأب القدوة الذي أقصده هنا هو مشروع كبير للنضال اللامحدود، وبناء مستقبل أفضل لنفسه، ولكنه في الحقيقة كذلك للآخرين. والأب بناء قوي، إذ كان مكوناً من مواد مجمعة قشاً قشاً وطوباً لبنة. لم يتم بناؤه على أرض هشة ومقفرة؛ إنه مشروع بناء متين يمكنه تحمل الأعاصير والرياح القوية. إنها طاقة “نظيفة وودية”، وخدمة القسم، وعرق الجبين. بل هي أساس الحياة كلها، وأساس زرع البذار في أرض طيبة، ليست كأي أرض صحراوية تحرك رمالها الرياح، أو أرض قاحلة ميتة هالكة خبيثة. ولا يفوتني هنا من قراءاتي القديمة وأنا طالب في المرحلة الإعدادية أن أذكر الكاتب كاتب الدروس والنظريات (مصطفى لطفي المنفلوطي) رحمه الله حين قال: “لو زرع كل نبات في أرض غير أرضه، أو في ساعة غير أرضه، فإما أن ترفضه الأرض وتبصقه، أو ينبت فيه ويفسد”. فالأب القلق على المستقبل الجيد لمشروعه يختار ويختبر قبل أن يختار «الأرض الطيبة» ثم يزرعها في أفضل المواسم المناسبة». وهنا، عزيزي القارئ، اسمح لي، بعد هذه المقدمة الطويلة، أن أعود وأسرد بعض ملامح والدي كأب ورأس أسرة. وكان والدنا في نظري قدوة للأب المستقيم المهذب الخلق، العفيف الأخلاق، قليل اللسان، غير اللين واللين. لم يكن فضولياً ولا آكلاً للحشرات ويتدخل في شؤون الآخرين. ولم يتجسس ولا يغتاب أحداً، بل يغفل. ولم يكن كثير الكلام بالثرثرة التي لا فائدة منها، وكان صمته في بعض المواقف أبلغ من كل كلامه. وكان إذا دخل مجلس الناس أو بيته كان السلام والاحترام، وإذا تكلم استمع إليه الحاضرون وكأن العالم كله يستمع. تعلمنا منه أن الرجال لا يصنعون بالصوت العالي، بل بالمواقف والحكمة وتحمل المسؤولية، لا، ضحك لأنه كان يعتقد أن كثرة الضحك تقتل القلب، ورأينا في بريق أسنانه وكأن العالم كله يبتسم. والدنا شاهد على أنه لم يدخن أو يتعاطى التبغ ولم يشرب الخمر طوال حياته. “وداعاً لأبي”، و”وداعاً لموسى يا بنات البربر!” وأما عداله وحكمته وتضحياته كأب ومربي، فلم يكن والدي يعرف التفريق بين أبنائه حكمة القاضي العادل، الذي يسمع شكاواهم باهتمام، ولا يحكم بينهم حتى يتقصى الحقيقة. يعلمهم أن الخلاف لا يفسد الصداقة، وأن الرابط الذي يجمعهم أقوى من أي خلاف عابر. علمنا منذ الصغر احترام الآخرين ومساعدتهم، وعلمنا أن نحافظ على أنساب أقاربنا وأن نكرمهم ونفيدهم عند حلولهم ضيوفا في بيتنا في غيابه. لقد علمنا أن نحترم جميع النساء، بغض النظر عن أعراقهن وظروفهن الاجتماعية. قد تبدو هذه الرواية ضرباً من الخيال، لكنها حقيقة يشهد لها الله والناس: كم مرة خرج أبونا من البيت باكراً ولم نكن نعلم كم كان يحمل معه؟ وكم مرة رأيناه يعود متأخراً وفي عينيه أثر القلق والإرهاق، لكن الابتسامة التي دخلها إلينا مسحت تعب يوم كامل؟ كم مرة أخفى عنا وعن أهله الحاجة التي أصابته، لا يريد أن يرى الهم في وجوهنا أو يقرأ الخيبة في أعيننا، بل كانت أعيننا تراقب كل شيء وأجبرنا أنفسنا على الصمت حتى لا نؤذيه. أظهر الثروة والاكتفاء الذاتي أثناء عمله. وكان يتصدق على المساكين، ويؤدي الزكاة، ويحج، ويحسن إلى الناس، ويساعدهم. أما الطفولة فكانت الزهور تتفتح في عينيه. وكان سعيداً بوصول الطفل المنتظر. بل على العكس كان يفرح ويشكر الله على قدوم كل زهرة ظهرت لتزين بيته. واعتبر الفتاة وردة من الجنة وهبة من الله. واختار لها أجمل الأسماء، فحرص بشدة على رعاية نمو أبنائه وبناته. لقد خلق لنا بيئة صحية لتحقيق النمو الكامل والازدهار المتوقع. وكان يسهر مع زوجته إذا بكى طفل من الألم أو أصيب بحمى مثيرة للقلق. لقد قدم لنا فرصًا تعليمية وفرصًا للتعلم من البالغين في السلوك الجيد. لقد علمنا في وقت مبكر، دون أن يجبرنا على الصلاة، ثم الصيام عندما نبلغ. ولم تنس والدتي التي دعمته أن تشجعنا على الاجتهاد في القراءة والكتابة والتعلم، وكثيراً ما كانت تذكرنا بحكمة بيت. شعر: العلم يرفع بيوتاً لا عمد لها، والجهل يهدم بيت العز والشرف. تلقت تعليمها لأن والدها كان فقيهاً. أتذكر كم كان والدنا طيبًا وكريمًا وملجأ في أوقات الضيق، خاصة في ليالي الخريف المرعبة، وكذلك ليالي كل شتاء طويل قاسٍ. وكان يسهر الليل يفكر في كيفية حل هذه المشكلات وكيفية إرضاء هذا وذاك، ولكن في حدود ما يرضي الله فقط، ولا يتهاون في تطبيق العقوبة الصارمة إذا لزم الأمر. واليوم، وأنا أنظر إلى الشباب الذين يظنون أن الأب مجرد «نفقة» يجب دفعها، أو ظل ثقيل لا يطاق في البيت، أتساءل: كيف يمكن أن يعمي القلب ويغفل العقل عن عظمة هذا الكنز العظيم، الأب، الكنز الذي لا تعرف قيمته حتى تنتزعه يد القدر؟ القرآن الكريم: وردت الوصية الملزمة في قول الله تعالى: “ووصينا الإنسان بوالديه حسنا” حملته أمه على عسر ووضعته على عسر. ومدة حمله وفصاله ثلاثون». شهر حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي. وأن أعمل صالحا يرضيك وأحسن إلى ذريتي. إني تبت إليك وإني من المسلمين. [الأحقاف: 15]وكذلك في الحديث الشريف: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». من القلب، الوصية المجانية هنا: أنتم، شباب اليوم، أبنائي الصالحين، يجب أن تعضوا على أسنانكم ببركة هذا الكنز، (وجود الوالدين بين أيديكم)، قبل أن يغادروا هذا الشيء الفاني إلى الأبد. ومن تجربتي الشخصية يا شباب: الأب ليس مجرد رجل؛ بل هو وطن صغير يحوي زوجة وأبناء، وسنداً قوياً لهم الذين لا يهابون مصاعب الحياة. إنه مثل ماء الحياة ونور الشمس الدافئة. فالشمس هي هبة الله التي بها يكتمل نمو الحياة وتقدمها. وأي خسارة أعظم من خسارة من ظن أن الزمن ليس له نهاية وأن الغالي خالد؟ من لا يزال آباؤه وأمهاته منكم معك، فلا تنتظروا رحيل الأجساد حتى تعرفوا قيمة الأرواح. اجعل اليوم حصادًا وأجرًا بردّ الجميل قبل الغد، والبر قبل الخسران، فإن الدعوة الصادقة من الولد الصالح أبقى من كل ذخر، وأعلى من كل منصب وشرف. دعوة أخيرة وتذكير لكل من قصر في احترام والديه وأضاع الفرصة: تذكر يا بني أن السماء التي شهدت ذات يوم ارتباطك الحنون بوالديك على شاي الصباح، وعلى موائد الطعام الفاخرة مع الأحبة وكل الأهل الذين رحلوا، لن تنفعك دموعها عفواً بعد ندم، ولن تنفعك دموعك في عودة من رحلوا ولقائهم للاعتذار. سيبقى رصيد حياتك الذي تحمله يقصم ظهرك: “الخسارة الأبدية والغياب”. إنه عذاب وعقاب لا يطاق. أبي أسألك من القلب دعاء عظيما: عليك رحمة الله ومغفرته، ويجيرك من نار جهنم. والله أسأله أن تكون الفردوس الأعلى مسكنك والكوثر الفياض شرابك. إنه الرحمن الرحيم المعين عبد المنعم عبد المحمود العربي المملكة المتحدة Alarabi AAيونيو 2026©Sudanile نداء إنساني: نتيجة الحرب الملعونة سرق اللصوص جميع ممتلكاتنا وأمتعتنا الشخصية من المنزل في حي كافوري مربع 8. أقدم مناشدة للشخص الذي وجد صندوقًا حديديًا يحتوي على المخطوطة من نسب عائلتنا الكريمة بخط المرحوم الشيخ البدري عبد الله، آملين أن يتفضل بإعادتها إلينا. كانت محتويات المنزل ثمينة جدًا، وقد سُرقت جميعها، وهذا الصندوق على وجه الخصوص خصصه لي والدي للحفاظ عليه وتداوله عبر الأجيال. وعند التسليم ستكون هناك جائزة لمن يجدها. د. عبد المنعم عبد المحمود العربي drabdelmoneim@gmail.com الكاتب




