اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-28 12:00:00
منذ 22 ساعة نزار عثمان السمندل 244 زيارة نزار عثمان السمندل لم يعد الوطن في السودان جغرافيا يتم القتال عليها بالبنادق، بقدر ما أصبح فكرة يتم استنفادها. حرب تمتد إلى المعنى نفسه، إلى الشعور بالقواسم المشتركة، إلى الثقة التي تجعل من الناس شعبًا وليس مجرد أفراد يتشاركون الخوف. إن الحرب في بلدنا المنكوب لا يمكن إحصاؤها بعدد القتلى وحدهم، ولا يمكن اختزالها في البيانات العسكرية التي تتكرر كل يوم. وتمتد النار عبر الجغرافيا والذاكرة معًا، فتقتلع الإنسان وتترك فراغًا واسعًا في النفس. سنتين فأكثر؛ ومن القتال بين الجيش و”الدعم السريع”، غيروا السؤال من تاريخ النهاية إلى جدلية البقاء نفسه.. أي أمة ستنهض بعد هذا الاستنزاف؟ وأي معنى يبقى للاسم عندما تتآكل أعمدته حجرا حجرا؟ تفكيك بارد لمكونات الحياة يسير بإيقاع ثابت. فالبلد المعروف بسلاله المليئة بالقمح والقطن يشهد انكماشاً زراعياً يتجاوز الأربعين في المئة، وخسائر بمليارات الدولارات في قطاع كان العمود الفقري للاقتصاد. مشروع الجزيرة، الاسم المرتبط بخصوبة الأرض واتساع الحلم، أخرج أكثر من نصف مساحتها من الإنتاج. فقد تم تدمير بنوك الجينات التي حافظت على تنوع البذور، وسُحبت آلات الحصاد من الحقول إلى أسواق الظل، وشُرد المزارعون على أرصفة الانتظار الإنسانية. الأرض التي منحتهم الاستقرار دفعتهم إلى التيه. والاقتصاد يتفكك على وقع المدافع. لقد فقد الجنيه السوداني معظم قيمته، والتضخم يلتهم المدخرات كالنار في الهشيم. الرواتب تتبخر، والأسواق تمتلئ بالندرة، وطبقة وسطى كانت متمسكة بتوازن المجتمع تنزلق إلى العلن. لقد شكلت هذه الطبقة ذات يوم جسرًا للأفكار والحرف والمهن؛ وقد خلق انهيارها فراغا كبيرا في بنية الدولة. في المقابل، تنمو شبكات اقتصاد الحرب، وتتغذى على الفوضى وتراكم الأرباح في الجيوب الضيقة، بينما يتسع طابور الفقراء بلا نهاية واضحة. المأساة تتجاوز الخبز والعملة. والذاكرة الوطنية نفسها معرضة للاقتلاع المنهجي. وتغلق مختبرات الأبحاث أبوابها، وتتحول المدارس إلى ملاجئ أو ثكنات، ويُطرد الأطفال من المدارس بالملايين. يتم انتشال جيل كامل من نور المعرفة إلى ظلمة المجهول. يستخدم العنف الجنسي لإذلال المجتمعات وكسر إرادتها، وهي جراح نفسية تتعمق في جسد الوطن وتبقى فيه لفترة طويلة. إن كرامة الإنسان تستهدف في جوهرها، وينشأ شعور عام بأن الأمان أصبح ترفًا بعيد المنال. النزوح يعيد رسم الخريطة السكانية بيد مرتعشة. وقد أُجبر أكثر من اثني عشر مليون شخص على ترك منازلهم قسراً، وأغلبهم من النساء والأطفال. وتفقد القرى نسائها اللاتي حملن عبء الزراعة وإعالة الأسر، مما أدى إلى تعطيل دورة إنتاج الغذاء بأكملها. إن علاقات الجوار التي تشكلت على مدى عقود من الزمن تتفكك، ويتعرض التضامن المدني لاختبار شديد تحت ضغط الحاجة والخوف. تستقبل المدن حشودًا مثقلة بالخسارة، وفجأة يشيخ الريف بعد أن أفرغ من شبابه ونسائه. وهنا يظهر جيل الشباب الذي ظن أنه سلب حقه في الحلم. شباب ديسمبر الذين ملأوا الساحات وهم يهتفون بالحرية، يجدون أنفسهم أمام زمن يتناقض مع كل ما طالبوا به. جامعات مغلقة أو معطلة، مختبرات صامتة، مسارات دراسية تلاشت في دخان القتال. يقف آلاف الخريجين أمام اقتصاد مبتدع، أو أمام طرق هجرة محفوفة بالمخاطر، أو أمام البطالة الطويلة التي تلتهم حياتهم ببطء. الصدمات النفسية تتحرك بصمت داخل هذا الجيل. كل من شهد أعمال عنف في الشوارع، أو من فقد صديقًا أو قريبًا، أو من عانى من النزوح أو الجوع، يحمل في داخله صدمة لا تظهر في التقارير. ويتسلل فقدان الثقة إلى الشعور بالانتماء، وتضعف القدرة على تخيل غد مختلف. وحين يتآكل الأفق يصبح البقاء هدفاً يومياً، ويتراجع الطموح إلى حدود البقاء. ومع ذلك، فإن الطاقة لا تنطفئ تماما. وتحمل «التكايا» التي انتشرت في الأحياء بصمة شبابية واضحة. تقوم المبادرات بتنظيم الطعام، وتوثيق الانتهاكات، ومحاولة إبقاء الفضاء العام حياً رغم ضغط السلاح. وتتجسد أهم عاصمة للسودان في هذه الحيوية العنيدة. إن استبعاد هذا الجيل من طاولة صنع القرار يضاعف الخسارة، وإدراجه يعمق الفجوة شكلياً. هناك حاجة إلى إعادة ترتيب عقولهم وأولوياتهم وأسئلتهم المقلقة. الوطن يخوض معركة الغد، والغد يعيش على وجوههم. ووسط الدمار الهائل، تتشبث محاولات الإنقاذ بما تبقى من خيوط. ويسعى مشروع “ثبات” الذي يديره البنك الدولي إلى تنشيط الزراعة في الدول الأكثر استقرارا من خلال دعم البذور والأسمدة وآلاف المزارعين. مبادرات وقف إطلاق النار وجمع المقاتلين ونزع السلاح مطروحة على الطاولة. لكن عندما يعلو الرصاص، يتلاشى كل اقتراح، ويصبح إعادة الإعمار فكرة مؤجلة إلى أجل مجهول. إن جوهر الأزمة يكمن في غياب الإرادة السياسية لتقرير خيار السلام. تفقد خطط التعافي الاقتصادي معناها في بيئة تتنافس فيها الأسلحة. الطرق غير الآمنة تخنق حركة البضائع، والمشاريع الصغيرة تتعثر قبل أن ترى النور، وغياب العدالة يجعل الضحايا معلقين بين الألم والانتظار. فالجريمة دون محاسبة تتحول إلى بذرة جريمة أخرى، وتستمر دائرة العنف في الدوران بقوة متجددة. وتمتد جذور الحرب إلى تربة قديمة من التهميش، وعدم المساواة، واحتكار السلطة. معالجة السطح تترك العمق يغلي. إن إعادة بناء الدولة على أسس مدنية عادلة تبدو مهمة شاقة، ولكنها السبيل الوحيد إلى الاستقرار القابل للحياة. إن إشراك كافة المكونات في صياغة العقد الوطني يعطي الفكرة فرصة للنضوج، ويكسر احتكار القرار الذي أدى إلى الانفجار. السودان يقف على مفترق طرق حاسم. إن استمرار النزيف يؤدي إلى تراكم الخسائر التي يصعب تعويضها، وخيار السلام الشامل يفتح نافذة ضيقة على التعافي. اللحظة تفرض شجاعة سياسية وأخلاقية تعترف بحجم الكارثة وتواجه جذورها دون غموض. إن الأمة التي أنهكتها الحرب تحتاج إلى عقد جديد يعيد تعريف السلطة والعدالة والمواطنة، ويعطي شعبها سبباً حقيقياً للبقاء على قيد الحياة. شاهد أيضاً: نزار عثمان السمندل: السودان يقلب على جمر التعنت. وتأكل الحرب أطراف البلاد منذ نيسان/أبريل 2023،…




