اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-28 14:16:00
وجه الحقيقة إبراهيم شقلاوي منذ أن أصدر الرئيس عبد الفتاح البرهان، في 18 يوليو 2025، قرارا بإخلاء عاصمة التشكيلات العسكرية خلال فترة محددة، توقع مراقبون أن يكون القرار خطوة نحو استعادة الحياة المدنية. كما اعتبروه اختباراً لقدرة الدولة على استعادة سيطرتها على مركزها الأمني والسياسي بعد حرب وجودية حرم المواطن من أمنه واستقراره. لكن تداعيات القرار لا تشبه منطقه، فهو يصطدم بواقع أكثر تعقيدا على الأرض. ورغم انتهاء مظاهر الحرب، إلا أن شبكات النفوذ التي أنتجتها لا تزال حاضرة داخل الخرطوم، حيث تتقاطع أدوار قوات الشرطة مع قوات الحركات والمصطفرين وغيرها. ولذلك فإن تنفيذ القرار يتطلب إخراج السلاح من الشوارع، إضافة إلى تفكيك التوازنات التي قامت خلال الحرب. وهذا ما يحدد ما إذا كانت العاصمة قادرة على استعادة استقرارها، أم أنها ستبقى عالقة في حالة من «السيطرة المشتركة بين عدد من الأطراف» التي تقوض سلطة الدولة. الخرطوم اليوم، رغم كل ما يقال عن استعادتها، لم تخرج بعد من الحرب. بل رحل بعض جوانبها المخزية، وبقيت آثارها كامنة في تفاصيل المشهد اليومي، وفي بنية السلطة داخلها، وفي ذاكرة ساكنيها. ولذلك، أصبح من الضروري أن تستعيد الدولة احتكارها للسلطة داخل مركزها السياسي. ولا يمكن لعاصمة أن تستعيد عافيتها وهي تتقاسم مساحتها مع تشكيلات مسلحة، بعضها يعمل في الإطار الرسمي، وبعضها يتحرك على هامشه، وبعضها يفرض وجوده بقوة الواقع وليس بشرعية القانون. في المقابل، تتزايد مؤشرات عودة المواطنين إلى الخرطوم، وهي عودة تبدو أنها تحمل حنيناً طبيعياً إلى الوطن، كما أنها تعبير عن الاستعداد النفسي لمنح الولاية فرصة جديدة. لكن هذه العودة بكل تفاصيلها وتحدياتها تظل مشروطة: أن يجد العائد إلى الخرطوم مدينة مختلفة عن المدينة التي غادرها. فمن غير المقبول أمنياً أو سياسياً أو أخلاقياً أن يعود المواطن إلى منزله إلا ليواجه نفس المظاهر العسكرية الخارجة عن السيطرة والتي كانت أحد الأسباب المباشرة لرحيله لاجئاً أو نازحاً. وذلك لأن العودة، إذا لم تبنى على شعور حقيقي بالأمن والأمان، تتحول إلى وجود حذر ومؤقت داخل دائرة القلق. لقد غيرت الحرب بشكل جذري علاقة المواطن بمفهوم الأمن. ولم يعد الأمن يقاس بكمية الأسلحة المنتشرة، بل بمدى غيابها عن الحياة اليومية. الوجود المسلح داخل الأحياء، حتى لو طُرح تحت رايات مختلفة، قوبل بالريبة والريبة، لأنه يعيد ذكرى حديثة لجراح لم تلتئم بعد. ومن هنا فإن استمرار هذه المظاهر لا يُقرأ كإجراء احترازي، بل كفشل في الانتقال من منطق إدارة الحرب إلى منطق صنع السلام. في قلب هذا المشهد، لا تبدو المخاوف وكأنها تقييمات أو هواجس، بل هي واقع حي يتحدث عنه الناس. وتواصل عدد من قراء نافذة “وجه الحقيقة”، معبرين عن قلقهم الصادق على أهاليهم، حيث رصدوا ظهور عناصر مسلحة داخل الأحياء التي كان من المفترض أن تستعيد حضارتها، في مناطق مثل الثورة ومدينة النيل والرياض وبحري، وهم يرتدون زيا يحمل دلالات ثقيلة في الوجدان، مثل “قدمول”. وذكر بعضهم سماع إطلاق نار دون معرفة تفاصيله، إذ أصبح التحرك ليلاً محفوفاً بالمخاطر. وهي مشاهد تعيد إنتاج الخوف في نفوس الأطفال، وتثقل كاهل النساء بقلق لا يلين ومشاعر لا تطاق. وهذه الشهادات ليست موقفاً ضد الدولة، بل هي دعوة إليها. تعبيراً عن الرغبة في نجاح هذه المرحلة، وتحول القرارات إلى واقع ملموس. لكن القلق لم يعد مكبوتاً بشكل كامل، إذ أبدى بعضهم، مع آخرين، استعدادهم لتنظيم احتجاجات في الشوارع، وحول المدارس، وداخل الأحياء السكنية، رافضين عودة التظاهرات المسلحة مهما كانت مبرراتها. ولا يُقرأ هذا التطور على أنه تصعيد بقدر ما هو إنذار مبكر للمسؤولين عن الأمر، بأن المسافة بين الثقة والتوتر بدأت تضيق، وأن الصبر الذي خلقته المعاناة بدأ ينفد. لكن التحدي لا يتوقف عند حدود إزالة المظاهر العسكرية، بل يتجاوزها إلى كيفية ملء الفراغ الذي تتركه. وتظهر التجارب القريبة والبعيدة أن الانسحاب غير المدروس للقوة قد يفتح الباب أمام فوضى جديدة أكثر تعقيدا من الفوضى السابقة. ولذلك، فإن نجاح القرار يعتمد على قدرة الدولة على إعادة بناء نظام أمني مدني، يعتمد على شرطة محترفة، وقضاء فعال، وأجهزة قادرة على تطبيق القانون دون أن تصبح في حد ذاتها مصدراً للقلق. فالأمن، في النهاية، ليس فقط غياب الخطر، بل أيضا وجود العدالة. ومن هنا، وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن الدعوة اليوم موجهة بشكل واضح إلى المسؤولين الحكوميين وقيادة الدولة لاتخاذ إجراءات عاجلة قبل تفاقم المشهد. لم يعد الناس، بكل بساطة ومؤلمة، يحتملون الاختبار مرتين: مرة عندما يُطردون من منازلهم تحت ضغط الخوف، ومرة عندما يُطلب منهم العودة دون تغيير شروط السلامة. وإدارة هذه المرحلة لا تحتمل التردد، لأن ما يتم اختباره الآن ليس فقط استقرار العاصمة، بل مصداقية الدولة وقيادتها. دمتم بخير وعافية. الإثنين 27 إبريل 2026م Shglawi55@gmail.com




