السودان – السودان وحتمية المصالحة الوطنية: من الانتقاء الأيديولوجي إلى الدولة الكفؤة

أخبار السودانمنذ 49 دقيقةآخر تحديث :
السودان – السودان وحتمية المصالحة الوطنية: من الانتقاء الأيديولوجي إلى الدولة الكفؤة

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-29 10:42:00

د. الوليد آدم ماديبو إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس الحرب وحدها، بل العجز البنيوي عن إنتاج رجال دولة حقيقيين. من يملك القدرة على إدارة المفاوضات وتقديم التنازلات وبناء المؤسسات وإدارة التعقيد السياسي والاجتماعي بعقل الدولة وليس بشغف المنبر أو أهواء البندقية. السودان، بعد عقود من الانهيارات المتتالية، يواجه الآن لحظة تأسيسية جديدة، لكن أدوات هذه اللحظة لا تزال أسيرة في أيدي الهواة والدعاة والناشطين والجنود الجامحين. لقد انتهى زمن الشعارات. والمرحلة التالية ليست مرحلة تعبئة جماهيرية أو خطاب ثوري، بل هي مرحلة تنفيذ حاسمة تتطلب كادراً محترفاً من ذوي الخبرة في الحكم، والإدارة العامة، والتخطيط الاستراتيجي، وإدارة التنوع، والتفاوض، وبناء المؤسسات. وهي مهارات لا يتم اكتسابها من خلال الهتاف أو الولاء الإيديولوجي، بل من خلال الممارسة المهنية، والخبرة المتراكمة، والانضباط المؤسسي. لكن المشكلة الأساسية التي يجب الاعتراف بها بشجاعة وهدوء هي أن السودان، لأسباب بنيوية ومؤسسية وتاريخية معقدة، لم ينجح في تشكيل طبقة سياسية محترفة بالمعنى المؤسسي الحديث. ولذلك فإن أي نقاش جدي حول المستقبل يجب أن ينطلق من هذه الحقيقة: لا يوجد حزب سياسي واحد، أو تيار فكري واحد، يملك وحده الكادر القادر على إدارة المرحلة المقبلة بكل تعقيداتها. فالكفاءات -رغم ندرتها- تتوزع بين فصائل متعددة وخلفيات فكرية وتنظيمية مختلفة، ولا يمكن احتكار الخبرات التي تتطلبها عملية إعادة بناء الدولة ضمن معسكر سياسي واحد مهما كانت قوته أو حضوره. من هنا تنبع ضرورة المصالحة الوطنية، ليس باعتبارها تسوية قسرية أو محاصصة مؤقتة، بل كشرط لبقاء الدولة نفسها ومنع المجتمع من الانزلاق إلى التشرذم الذي يصعب علاجه. لقد أثبتت التجربة السودانية، على مدى عقود طويلة، أن الإقصاء لا ينتج الاستقرار، وأن احتكار المجال السياسي ـ مهما كانت مبرراته ـ يؤدي دائماً إلى إعادة إنتاج الأزمة بطريقة أكثر تعقيداً وتكلفة. ولذلك، فإن الاتفاق المنشود ليس اتفاقاً رسمياً بين النخب، بل هو رؤية وطنية جديدة تعيد تعريف السياسة كفضاء للشراكة والمسؤولية المشتركة، وليس ساحة للهيمنة والاستحواذ. ولكي نفهم كيف وصل السودان إلى هذا المأزق، لا بد من العودة إلى جذور الأزمة البنيوية التي رافقت نشوء الدولة السودانية الحديثة. منذ إجهاض الروح الوطنية المبكرة التي عبرت عنها جمعية الراية البيضاء، اتجهت البلاد نحو إعادة إنتاج الولاءات التقليدية والطائفية، بدلاً من بناء مفهوم حديث للمواطنة. ثم جاءت النخب المركزية لتحتكر السلطة والثروة والرمزية الثقافية، في حين تُركت الأطراف تعاني من الفقر والتهميش والحروب، مما عمق الشعور بالظلم ورسخ الانقسام بين المركز والأطراف. مع مرور الوقت، تحولت الدولة إلى مساحة لإدارة الامتيازات، وليس لبناء الوطن. ولم يتم بذل أي جهود حقيقية لمعالجة “الذاكرة الجريحة” التي خلفها تاريخ طويل من التفوق العنصري، والتمييز الطبقي، والعبودية، والحروب الأهلية. بل تم الاستثمار السياسي في هذه الانقسامات بشكل قبيح، حتى أصبح الانتماء القبلي أو المناطقي أو الطائفي يتقدم على الانتماء الوطني. وبدلا من أن تتحول الدولة إلى إطار شامل يتساوى فيه المواطنون، أصبحت بالنسبة للكثيرين رمزا للاحتكار والإقصاء وعدم التوازن. ثم جاءت حكومة الإنقاذ الوطني لتدفع هذا التشويه إلى مستوياته القصوى. جرفت الحياة السياسية، ودمرت الخدمة المدنية، واستبدل الولاء بالكفاءة، وتحولت النقابات والمجتمع المدني إلى أذرع سلطوية، إضافة إلى عزل السودان عن العالم وحرمان أجياله المتعاقبة من التراكم المهني والمؤسسي السليم. وهكذا فإن الإنقاذ لم يدمر مؤسسات الدولة فحسب، بل أفسد فكرة العمل العام نفسه، لدرجة أن الوصول إلى السلطة أصبح عند الكثيرين هدفا للرزق أو الهيمنة وليس وسيلة لخدمة المجتمع، واختفت تدريجيا فكرة المسؤولية الوطنية المرتبطة بالخدمة العامة. لكن الأزمة السودانية لا يمكن تفسيرها بالعوامل السياسية والمؤسساتية وحدها، فهناك بعد سلوكي وثقافي لا يقل خطورة. وهنا تبرز أهمية ما أشار إليه المفكر اللبناني علي حرب عندما تحدث عن ثقافة الخضوع والامتثال في المجتمعات العربية، حيث ينشأ الفرد على الطاعة أكثر من الانتقاد، والمتابعة أكثر من المبادرة، والخوف من المواجهة أكثر من ممارسة العقلانية الحرة. إنها الثقافة التي تضعف قدرة المجتمع على إنتاج مؤسسات حقيقية تقوم على المساءلة والكفاءة، لأن الفرد ينشأ فيها وهو يبحث عن الحماية داخل الجماعة أكثر من بحثه عن استقلاله الفكري والأخلاقي. هذه الثقافة التي تتغلغل في المؤسسات الاجتماعية والدينية والتعليمية غير الرسمية، تنتج أفراداً يميلون إلى التبعية والتخلي عن المسؤولية، خوفاً من الاصطدام بالسلطة أو التشكيك فيها. وهكذا يضعف الحس النقدي وتتراجع روح المبادرة الفردية. وعندما تنتقل هذه الخصائص إلى المجال السياسي، يصبح من السهل إنتاج جمهور يهتف أكثر مما يفكر، ويتبع أكثر مما يحاسب، ويبحث عن «الزعيم» أكثر مما يبحث عن المؤسسة. وبمرور الوقت، تتحول السياسة نفسها إلى امتداد للهياكل التقليدية، وليس إلى أداة لتحديث المجتمع والدولة. ولذلك فإن معركة السودان الحقيقية ليست معركة وقف الحرب فحسب، بل هي أيضاً العمل المؤسسي والانتماء الوطني الذي يتجاوز الهويات الضيقة. إن إعادة بناء الدولة لا يمكن أن تنجح إلا إذا رافقتها إعادة بناء الثقافة السياسية والاجتماعية التي تحدد علاقة المواطن بالسلطة، وعلاقته بالمجال العام، وفهمه لفكرة المسؤولية الوطنية. إن الدولة المستقرة ليست مجرد أداة إدارية فعالة، ولكنها أيضاً مساحة أخلاقية يشعر الناس من خلالها بالانتماء والاعتراف المتبادل. وعندما يفقد المواطن هذا الشعور، تتحول الدولة في نظره إلى كيان بعيد أو متحيز، وتصبح الروابط الأولية – قبلية أو مناطقية أو أيديولوجية – أكثر حضورا من الرابط الوطني الموحد. ختاما، الوطن اليوم يحتاج إلى رجال دولة أكثر من حاجته إلى نجوم الخطابة، وإلى عقلية البناء أكثر من عقلية القهر، وإلى مشروع وطني يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية نحو إقامة دولة تتسع للجميع. إن الدول الخارجة من الحروب لا تنهض بالثأر أو الشعارات، بل تنهض بالتوافق العقلاني، والعمل المؤسسي، والإرادة الوطنية التي تدرك أن مستقبل السودان أعظم من أي حزب، وأبقى من أي سلطة، وأعمق من أي خلاف عابر. 29 مايو 2026 auwaab@gmail.com الكاتب

اخبار السودان الان

السودان وحتمية المصالحة الوطنية: من الانتقاء الأيديولوجي إلى الدولة الكفؤة

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#السودان #وحتمية #المصالحة #الوطنية #من #الانتقاء #الأيديولوجي #إلى #الدولة #الكفؤة

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل