اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-31 23:37:00
د. الوليد آدم مدبولا يحاول هذا المقال تقديم وصفة دستورية جاهزة أو الدفاع عن شكل معين من أشكال الحكم بقدر ما يسعى إلى فهم التحول العميق الذي أحدثته الحرب في بنية الدولة السودانية وفي الوعي الجماعي للسودانيين. يهتم الجزء الأول بتشريح ما فعلته الحرب بفكرة السودان الموحد نفسه، وكيف أعادت تشكيل العلاقات بين مكوناته الاجتماعية والسياسية بما يجعل العودة إلى ما قبل الحرب أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً. أما الجزء الثاني فينطلق من السؤال الذي يطرح بعد ذلك مباشرة: إذا لم تعد العودة إلى السودان القديم ممكنة فما البديل؟ ومن هذا المنطلق يتحول الحديث إلى الكونفدرالية كإحدى الصيغ الممكنة لإدارة الواقع الجديد، والاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى التي واجهت انقسامات مماثلة، والتوقف عند الظروف والتحديات التي قد تجعل مثل هذه الرؤية قابلة للتطبيق أو عرضة للفشل. الجزء الأول: تشرذم الفكرة الوطنية ولعل أكثر ما كشفته الحرب السودانية هو أنها لم تخلف منتصرين، حتى بين من يظنون أنهم يقتربون من النصر العسكري. ولا تقاس الحروب بما تكسبه الجيوش من حيث الأرض فحسب، بل أيضا بما تفقده الدول من معنى. إن ما خسره السودان خلال هذه الحرب يتجاوز المدن المدمرة والقرى المحروقة والبنية التحتية المنهارة، إلى شيء أعمق وأبعد أثرا. لقد تآكل الحيز الأخلاقي الذي سمح للسودانيين، على الرغم من اختلافاتهم الكثيرة، أن يتخيلوا أنفسهم كجزء من وطن واحد ومستقبل واحد. لقد أضاعت هذه الحرب، بكل جوانبها، فرصة حكم السودان الموحد. الدعم السريع، مهما كانت دوافعه السياسية أو شعاراته المعلنة، أصبح في وعي شرائح واسعة من السودانيين مرتبطا بالفوضى والانتهاكات وانهيار مؤسسات الدولة التي شهدتها الخرطوم وغيرها من المدن. وبغض النظر عن اختلاف التقديرات بشأن حجم هذه الانتهاكات أو الجهة التي ساهمت في تضخيم صورتها إعلاميا، إلا أن الأحداث على الأرض وما رافقها من حملات التعبئة والدعاية رسخت صورة ذهنية ستبقى حاضرة في الذاكرة الجماعية لسنوات طويلة. ومن ناحية أخرى، لم يخرج الجيش من الحرب محتفظاً بالصورة التقليدية التي واصل تقديم نفسه فيها كمؤسسة وطنية موحدة. إن استهداف الحاضنات الاجتماعية للدعم السريع، والمضايقات والتمييز الذي تعرض له الكثير من الناس في غرب السودان بسبب أصولهم الإقليمية، خلق بدوره شعورًا متزايدًا بالغربة تجاه الدولة التي كان من المفترض أن تمثل الجميع. ومن الصعب أن نتصور أن هذه الجروح ستختفي بمجرد توقف العمليات العسكرية أو صدور بيانات المصالحة. وهكذا انتهت الحرب في مفارقة ملحوظة. وسعى كل طرف إلى السيطرة على السودان كله، لكنه عمليا ساهم في تقليص فرص حكم السودان كله. ولم تقتصر نتائج الحرب على إعادة رسم خرائط النفوذ العسكري، بل أعادت تشكيل الخريطة النفسية والاجتماعية للبلاد. لقد كشفت، بشكل ربما لم يحدث من قبل، أن الاصطفافات القائمة ليست أيديولوجية بالمعنى الذي يحاول كل طرف تصويره به. فالجيش لا يقاتل جيشاً من الإسلاميين وحده، كما أن الدعم السريع لا يعتمد حصراً على معسكر مناهض للإسلاميين. وعلى جانبي الحرب يقف أفراد وجماعات توحدهم اعتبارات المنطقة والقبيلة والموقع الاجتماعي والمصالح أكثر من البرامج السياسية أو الرؤى الفكرية. كما أن قطاعاً كبيراً من أنصار الدعم السريع لا ينظرون إليه باعتباره مشروعاً سياسياً متكاملاً، بقدر ما يرونه أداة لكسر الاحتكار التاريخي للسلطة الذي تمارسه النخب المركزية. لذا فإن الاصطفافات الحالية تعكس، في جوهرها، أزمة سلطة وهوية وتمثيلاً أكثر مما تعكس صراعاً إيديولوجياً محضاً. ويبدو أن هذا التحول لم يكن بعيداً عن حسابات بعض أوساط الحركة الإسلامية، التي رأت في الحرب فرصة لإعادة تشكيل المجال السياسي والاجتماعي على أسس أكثر تجانساً من وجهة نظرها، من خلال التخلص مما تعتبره بؤر تمرد مزمنة على الهامش، تمهيداً لإعادة إنتاج سلطة تهيمن على شمال البلاد وشرقها. لكن مثل هذه الرؤية، حتى لو حققت مكاسب عسكرية مؤقتة، لن تؤدي إلى استقرار دائم، لأن الحرب نفسها أطلقت العنان لديناميات تفكك يصعب احتواؤها أو السيطرة عليها. ما حدث خلال العامين الماضيين لم يكن مجرد مواجهة بين جيش وقوة متمردة، بل انفجار مؤجل لأزمة الدولة السودانية نفسها. تتراكم الأزمات منذ الاستقلال، كلما تأجلت الأسئلة المتعلقة بتوزيع السلطة والثروة، والاعتراف بالتنوع، وإدارة التعددية الثقافية والاجتماعية. وعندما تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة، لا يصبح السؤال الحقيقي هو كيفية استعادة ما فقدته، بل كيفية التكيف مع الواقع الجديد الذي خلقته الصراعات. بعض الحروب تنتهي بعودة الأطراف إلى ما كانت عليه قبل اندلاعها، بينما الحروب التي تعيد تشكيل الوعي الجماعي والعلاقات الاجتماعية تفتح الباب على مرحلة تاريخية مختلفة تماما. ومن هنا، ربما تصبح الشجاعة السياسية الحقيقية هي الاعتراف بأن العودة إلى السودان الذي عرفناه قبل الحرب لم تعد ممكنة بالمعنى القديم للكلمة. ليس لأن فكرة السودان انتهت، بل لأن شروط بقائه أصبحت مختلفة عما كانت عليه. (يتبع) auwaab@gmail.com الكاتب




