اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-18 11:26:00
خالد أبو أحمد السودان لا يحتاج إلى من يرثيه، يحتاج إلى من يفهمه، والفرق بين الاثنين شاسع – الرثاء سهل ومتاح لكل من له قلب رقيق ولسان حر، لكن الفهم يحتاج إلى ما هو أصعب ونادر، يحتاج إلى من عاش الجرح من الداخل ولم يفقد البصيرة فيه، ومن لديه الشجاعة لتسمية الأشياء بأسمائها في زمن يكافئ فيه التخفيف ويعاقب فيه الوضوح. والأخت الفاضلة الكاتبة الأستاذة رشا عوض هي من هذا النوع النادر، لكن قبل الحديث عنه لا بد من الحديث عن المشهد الذي تكتبين فيه وعنه، لأنه لا يمكن فهم الظاهرة بمعزل عن اللحظة التي أنتجتها. إن التمزق والحرب والانهيار الذي يعيشه السودان اليوم هو في جوهره فوضى مصنعة بعناية فائقة. أراد أصحابها أن تكون هكذا تمامًا. فالإسلاميون الذين حكموا السودان ثلاثة عقود لم يبنوا دولة بالمعنى الحقيقي، بل بنوا نظام التبعية والولاء والسيطرة. وعندما شعروا بأن الأرض تهتز من تحتهم لجأوا إلى ما هو أخطر من السلاح. لقد خلقوا صراعا قبليا وعرقيا، وحشدوا المجموعات العرقية ضد بعضهم البعض. لقد خلقوا واقع تعدد الجيوش والميليشيات، ليس عن عجز أو إهمال، بل بحسابات مدروسة يعرف أصحابها بالضبط ماذا يفعلون ولماذا يفعلون ذلك. بطاقة الضغط. وكان الهدف من كل ذلك واضحا في أذهان مهندسيها، وهو إقناع السودانيين بأنهم الوحيدون الذين لديهم الحل والحل، وأن أي محاولة لمحاسبتهم أو تجاوزهم ستجر البلاد إلى الهاوية. وهكذا حولوا جريمتهم إلى ورقة ضغط، وحولوا الفوضى التي اخترعوها إلى درع يحتمون به. ولتسويق هذا الوهم بين البسطاء والمخدوعين، جندوا ضعاف النفوس لترسيخ هذا الفهم المقلوب في أذهانهم، بأن المشكلة ليست فيهم، بل فيهم. ومن يريد أن يحاسبهم وأن السودان لن يقوم بدونهم؟ وأضافت أن من أخطر أدواتهم في هذه المعركة محو الذاكرة الجماعية وتعطيل المؤقت السياسي. يريدون أن يتخيل الناس أن التاريخ بدأ في 15 أبريل 2023، وأن ما نزل على السودان في ذلك اليوم هو شيء جاء من العدم. أما الجرائم التي سبقت ذلك في جنوب السودان قبل الانفصال، في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، وفي دارفور، والتي قتل فيها مئات الآلاف، وأدت إلى مطالبة المجتمع الدولي بمحاكمة رأس النظام، فكل هذا مقصود منه النسيان أو النسيان. وهو مهمش وكأن الجنجويد نزلوا فجأة من السماء دون أن يكون لهم أب أو أم أو تاريخ، كما ذكرت في أحد مقاطع الفيديو. الظاهرة والنظام ..!! وأمام نظام التضليل ومحو الذاكرة وتجنيد ضعاف النفوس، استخدم القدر الأستاذة رشا عوض بقلم يرفض الصمت والمجاملة، حتى أصبحت من أكثر الأقلام تأثيرا في المشهد السوداني الحالي، وحين نقول إنها ظاهرة فإننا لا نغالي ولا نبالغ، بل نستخدم الكلمة بمعناها الدقيق، الكاتب الذي يتجاوز حدود موهبته الفردية ليصبح تعبيرا عن حاجة جماعية كامنة، حاجة المجتمع إلى من يقول ما يفكر فيه كثير من الناس، لكنهم لا يجدون لساناً له، ولا يملكون تعبيراً عنه. الظاهرة لا تخلق بالجهد وحده، بل تصنعها اللحظة التاريخية التي تجد فيها من يقف لها من هو في مستواها، ولحظة السودان اليوم، بكل ما تحمله من مأساة وتعقيد، وجدت في رشا بدلا من من هو في مستواها. ما يجعلها ظاهرة وليست مجرد كاتبة موهوبة هو ذلك المزيج النادر من ثلاثة أشياء نادراً ما تجتمع في كاتب واحد. الأول هو الحضور الصحفي اليومي المستمر، فهي لا تكتب من مسافة آمنة، ولا تنتظر تطور الأحداث قبل أن تتناولها، بل هي في قلب اللحظة، تتابعها، وتواكبها، وتنخرط معها يوما بعد يوم. والثاني موقف فكري ثابت – فلا تجد في كتابتها التذبذب الذي يصيب الكثير من الكتاب عندما تتغير الظروف وتتغير موازين المصالح، حيث تكتب رشا عوض من بوصلة ثابتة لا تتحرك مع الريح ولا تنحني للضغط. والثالثة هي القدرة على التبسيط دون المساس بالعمق، وهذه هي الموهبة الأصعب والأندر. العديد من المفكرين يفهمون ولكن لا يبسطون، والعديد من الصحفيين يبسطون ولكن لا يفهمون بعمق. أما من يفهم بعمق ويتواصل ببساطة، فهو الكاتب الذي يترك أثراً حقيقياً في الوعي الجمعي ويفتح أعين من لم يكن منفتحاً. نموذج حي للاستبداد. ولعل مقالها المنشور في صحيفة التغيير الإلكترونية في أكتوبر 2025 بعنوان “الطغيان عندما يصل إلى مرحلة التعري” هو خير مثال على ما نقول. يبدأ المقال بشخصية من رواية “الحرافيش” لنجيب محفوظ -الفتوة المستبدة التي انتهى بها الأمر إلى الخروج على الناس عراة- وهذه المدخلة ليست زينة أدبية ولا عرضا للثقافة، بل هي سلاح متقن الصنع، فهي لا تقول بشكل مباشر أن الإسلاميين وصلوا إلى مرحلة الانهيار، بل تتيح لك رؤية ذلك بنفسك من خلال صورة إنسانية مألوفة في الوجدان العربي، وعندما تنتقل إلى الواقع السوداني، يكون القارئ قد رسم الصورة في كتابه. العقل قبل أن تقول ذلك. ثم تبني حجتها بتسلسل لا مفر منه – من الفتوة في الرواية إلى مقطع فيديو لأحد أفراد ألوية الظل وهو يتفاخر بقتل الناس دون تحقق، إلى صحفيي السلطة الذين يتنافسون في منطق الذبح – وفي كل خطوة تضغط على المفتاح نفسه: التفاخر بالجريمة دليل سقوط وليس دليل قوة، وهي لا تتهرب من التسمية المباشرة لـ “الصحافة الأمنية والعسكرية الكيزانية” “ألوية الظل الكيزانية” – لأنها تدرك أن الملطف في وصف الجريمة هو شراكة فيها، وتختتم بجملة تجمع بين الواقعية. وبإصرار تعترف بعدم جدوى الحوار مع هؤلاء، لكنها تعلن أن الصمت ليس خيارا، لأن معركتها الحقيقية ليست مع الشعب نفسه، بل مع السودانيين الطيبين الذين قد يخونون. التنوير بمعناه الحقيقي. ولا تقتصر رشا عوض على انتقاد الإسلاميين. بل تذهب إلى ما هو أعمق وأخطر عليهم. إنها تعلم قراءها كيفية التفكير، وكيفية العمل، وكيفية تمويه أنفسهم. رشا تفكك أدواتهم، وتكشف آلياتهم، وتسمي ما يترددون في تسميته، بلغة واضحة لا تحتاج إلى قاموس أو خلفية أكاديمية لفهمها. وهذا هو التنوير بمعناه الحقيقي، ليس فقط نشر المعلومات، بل فتح البصيرة وتحرير العقل من الأوهام التي زرعها من هم في السلطة بعناية ومهارة على مدى عقود طويلة. وهنا يكمن سر خطورتها على منظومة التضليل الإسلامي، ليس لأنها تهاجمها بعنف، بل لأنها تجعل القارئ العادي يراها بوضوح، ومن يراها بوضوح لن ينخدع بها مرة أخرى. بصمة لا يتجاوزها التاريخ. ولعل من أبرز ما يميز رشا عوض أنها لم تنتظر أن يكتب عنها التاريخ فيما بعد. بل هي من تكتب التاريخ الآن، وتوثق وتحلل وتكشف وقت وقوع الأحداث، وهذا أصعب بكثير من التحليل اللاحق المريح. وهكذا تركت بصمتها الحقيقية في تاريخ السياسة السودانية، ليس من خلال موقف سياسي أو موقف رسمي، ولكن من خلال قلم صادق لا يتنازل ولا يتراجع. بصمة في مواجهة آلة التضليل الإسلامي بأدوات فكرية وليست عاطفية، وبصمة في الحفاظ على الذاكرة الجماعية السودانية في زمن أراد أن تمحى، وبصمة في إيصال الحقيقة السياسية المعقدة إلى القارئ البسيط بلغة ليست معقدة ولا منفرة. الأستاذة رشا تكتب عن السودان من داخل الجرح وليس من خارجه، وهي مستمرة على هذا المستوى رغم كل التمزق والانقسام الذي يعيشه السودان، دون أن يجرفها التيار أو تفقد بوصلتها. وهذا في حد ذاته إنجاز يستحق التأمل، ولكل هذا وليس لسبب واحد، تستحق رشا بدلاً من أن تقول عنها بكل ثقة واطمئنان: إنها ظاهرة. حفظها الله ورعاها ومتعها بالصحة والعافية.. وحفظ جميع أقلامنا الوطنية الشريفة.. ليلة الأحد 17 مايو 2026 khssen@gmail.com




