السودان – رداً على مقال الدكتور الوليد ماديبو “كيف صنعت دولة الجلابة أصنامها؟”

أخبار السودانمنذ 57 دقيقةآخر تحديث :
السودان – رداً على مقال الدكتور الوليد ماديبو “كيف صنعت دولة الجلابة أصنامها؟”

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-19 18:38:00

إبراهيم البرسي قرأت مقال صديقي الدكتور الوليد آدم ماديبو باهتمام حقيقي، وأعتقد أن الأهم فيه ليس فقط جرأته في الاقتراب من “الأصنام السودانية” كما أسماهم، بل أيضا محاولته التشكيك في البنية النفسية والثقافية التي جعلت قطاعات واسعة من السودانيين يستبدلون النقد بالتبجيل. وأنا أتفق مع العديد من ملاحظاته حول مركزية الهيمنة الرمزية، وكيف أن بعض النخب أعادت إنتاج نفسها من خلال اللغة والقرابة والهالة الاجتماعية أكثر من الإنجاز الفعلي. وهي قضايا شغلت عدداً من مفكرينا السودانيين، من منصور خالد إلى الخاتم عدلان، مروراً بخالد الكد ومحمد إبراهيم نقد، اللذين حاولا كل على طريقته تفكيك أزمة النخبة السودانية وعلاقتها بالسلطة والوعي والتاريخ. كما أن مقالته تفتح باباً ضرورياً لإعادة النظر في علاقتنا مع الشخصيات العامة خارج منطق القداسة. لكن، في الوقت نفسه، لدي تحفظات على بعض التعميمات القاسية، خاصة فيما يتعلق ببعض الرموز الأدبية والثقافية. المشكلة برأيي ليست دائما أن هناك هالة حول بعض الأسماء فقط. ويرتبط جزء من الأزمة أيضًا بطريقة قراءتنا لهذه الشخصيات، وعدم قدرتنا على إنتاج نقد متوازن يفصل بين القيمة الحقيقية لأي تجربة وبين الإفراط في تقديسها. الطيب صالح، على سبيل المثال، يمكن أن يكون موضع جدل نقدي، ويمكن تفكيك تمثيلات المركز في نصوصه، لكن اختزال حضوره بالكامل إلى كونه “صنماً ثقافياً” قد يكون غير عادل لجانب مهم من تأثيره الأدبي واللغوي والإنساني. ويكفي أن نتأمل إحدى طبقاته السردية والرمزية لندرك مدى انفتاح عالمه الخيالي على قراءات لا نهاية لها، وكم يحتاج فك رموزه من وقت أطول من الأحكام السريعة أو التصنيفات الجاهزة. «موسم الهجرة إلى الشمال» على سبيل المثال ليست مجرد رواية أبدعتها دعاية ثقافية عربية أو سودانية، ولكنها أيضًا من أكثر الروايات العربية حضورًا في فضاءات الأدب المقارن ودراسات ما بعد الاستعمار. ومع مرور السنين، أصبح نصاً يُدرس في الجامعات العربية والغربية، ضمن مناهج الأدب الأفريقي والشرق أوسطي وما بعد الاستعماري. كما تمت دراستها في مؤسسات أكاديمية مرموقة مثل جامعة أكسفورد، وجامعة الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) في لندن، وجامعة كامبريدج، إلى جانب أعمال كبار الكتاب والمفكرين مثل جوزيف كونراد، وتشينوا أتشيبي، وغابرييل غارسيا ماركيز، وإدوارد سعيد، وفرانتز فانون. علاوة على ذلك، تُرجمت أعمال الطيب صالح إلى أكثر من ثلاثين لغة حول العالم، بما في ذلك اللغة الصينية. وهذا أمر يصعب تفسيره إلا من خلال شبكات مركز النيل أو من خلال الاحتفال العربي التقليدي، لأن النص لا يعبر إلى كل هذه اللغات والجغرافيات صدفة، أو ببساطة بسبب الضجيج الثقافي حوله، إذا لم يكن لديه بعض القدرة على ملامسة أسئلة الإنسان خارج حدوده المحلية. كما أميل إلى النظر إلى الأزمة السودانية على أنها أكثر تعقيدا من اختزالها في «الجلابية» وحدها، لأن البنية التي حكمت السودان منذ الاستعمار لم تكن بنية «جلابية» بحتة، إن جاز التعبير، بقدر ما كانت، في جزء كبير منها، بنية «أفندية» صاغها المستعمر الإنجليزي بعناية، ثم ورثتها النخب السودانية بمختلف اتجاهاتها وتكويناتها الاجتماعية والعرقية، وأعيد إنتاجها داخل الدولة الحديثة. علاوة على ذلك، عمّق نظام الإنقاذ، خلال عقوده الطويلة، هذه البنية وعززها بطريقة أكثر عنفاً وتنظيماً، من خلال إعادة تدوير الامتيازات وربط الولاء السياسي بالمصالح الاقتصادية والعمالية والشبكات الاجتماعية المغلقة. إن فكرة الموظف المتفوق على مجتمعه، والمثقف الذي يرى نفسه حارسا للشعب، والسياسي الذي يتعامل مع الدولة كإرث شخصي أو طبقي، كلها امتدادات مباشرة لذلك النموذج الأفندي الذي نشأ داخل مؤسسات الاستعمار والتعليم والإدارة المركزية. ولذلك فإن المعضلة قد تكون أوسع من صراع المركز والهامش في شكلها التقليدي، لأنها تؤثر أيضاً على طبيعة الدولة نفسها، وطريقة تشكيل النخبة السودانية الحديثة، وعلاقتها باللغة والسلطة والشعب. كثير من الناس على الهامش، بمجرد اقترابهم من المركز، أعادوا إنتاج نفس العقلية المركزية والبيروقراطية التي كانوا ينتقدونها، وكأن الأزمة انتقلت من الجغرافيا إلى الوعي نفسه. وربما لهذا السبب رأينا شخصيات مثل حميدتي وجبريل إبراهيم ومالك عقار ومناوي يدخلون فضاء السلطة يحملون، بدرجات ومظاهر مختلفة، نفس العقلية الأفندية التي تشكلت داخل الدولة الاستعمارية وخارجها، حيث تتحول السلطة إلى أداة للارتقاء الاجتماعي والطبقي أكثر من كونها مشروعًا لتحرير المجال العام أو إعادة بناء الدولة على أسس جديدة. لكن يبقى المقال مهما لأنه يحاول كسر الخوف القديم من الاقتراب من الرموز، ويدفع النقاش السوداني نحو منطقة أكثر صراحة وجرأة، وهي خطوة يحتاجها السودان بشدة، خاصة بعد كل هذا الدمار. أعتقد أن السودان اليوم يحتاج إلى شجاعة النقد نعم، لكنه يحتاج أيضاً إلى قراءة عادلة، حتى لا ننتقل من صناعة الأصنام إلى صناعة المقصلة. Zoolsaay@yahoo.com الكاتب

اخبار السودان الان

رداً على مقال الدكتور الوليد ماديبو “كيف صنعت دولة الجلابة أصنامها؟”

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#ردا #على #مقال #الدكتور #الوليد #ماديبو #كيف #صنعت #دولة #الجلابة #أصنامها

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل