اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-24 12:05:00
منذ 20 ساعة عمر سيد أحمد 243 زيارة عمر سيد أحمد O.sidahmed09@gmil.com مارس 2026 لا يمكن قراءة إعلان لجنة تفكيك نظام 30 يونيو عن استئناف نشاطها كخبر عابر، بل كمؤشر على تحول محتمل في مسار العدالة في السودان. ويأتي هذا الإعلان في لحظة تتقاطع فيها العوامل الداخلية والخارجية: تصاعد الحديث عن تصنيف التنظيم إسلامياً، وظهور بوادر مسارات قانونية قد تمتد إلى ملاحقة الشبكات المالية، وربما -لأول مرة- إمكانية واقعية لاستعادة جزء من الأموال المنهوبة في الخارج. نحن لا نتحدث فقط عن إرث ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ، بل عن نظام من الفساد والتمكين عمقه انقلاب أكتوبر 2021، ثم توسع داخل اقتصاد الحرب، حتى أصبحنا أمام ما يقرب من أربعة عقود من التآكل المؤسسي المنهجي. من هذه الزاوية، تكتسب عودة لجنة التفكيك معناها الحقيقي: ليس كعودة إدارية، بل كإعادة فتح ملف مؤجل ومهدّد منذ لحظة اقترابه من مراكز النفوذ الحقيقية. أولاً: القطاع المصرفي أداة نهب وليس ضحية. الحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح: القطاع المصرفي لم يكن مجرد ضحية للفساد، بل كان أحد أهم أدواته. وتم هدمها وإعادة تشكيلها لخدمة منظومة التمكين، وتحويلها إلى قناة رئيسية لتوجيه الموارد العامة إلى الشبكات الخاصة. وكشفت لجنة التفكيك أن هذا القطاع كان منصة رئيسية لعمليات غسيل أموال واسعة وممنهجة، تم من خلالها إعادة تدوير عائدات الفساد داخل البلاد وخارجها، باستخدام هياكل وواجهات مالية معقدة تهدف إلى إخفاء المستفيد الحقيقي. ولعل أبرز ما كشفته اللجنة في هذا الملف هو التورط المباشر للرئيس المخلوع عمر البشير في توظيف الجهاز المصرفي كأداة شخصية للإثراء غير المشروع. وكشفت اللجنة أن البشير تحول -عبر نظام ممنهج- إلى أكبر تاجر للعملة الأجنبية في السودان، عبر لجنة سرية ضمت ممثلين عن الجهاز الأمني وبنك السودان والبنوك. وكانت شهادات العملة الأجنبية تخصص يوميا بالسعر الرسمي، وتوزع حصرا على شبكة صرافة مملوكة للأجهزة الأمنية، ومن ثم تعاد للمستوردين بسعر السوق السوداء، فيما يحول الفارق اليومي مباشرة إلى حساب خاص باسم المخلوع في أحد البنوك الإسلامية. واستخدمت هذه الأموال لشراء ولاء تجار الحرب في مناطق الصراع، ورشوة الأطراف الفاعلة في الملفات الأمنية والسياسية. بالإضافة إلى ذلك، شهد القطاع إعادة هندسة منهجية: دمج البنوك الحكومية في كيانات خاصة، وتفكيك المؤسسات المصرفية التعاونية وبيعها بأقل الأسعار، وبيع الأصول الاستراتيجية من خلال هياكل قانونية معقدة تخفي المستفيد الحقيقي. يكشف هذا النموذج أن الجهاز المصرفي كان عبارة عن آلة منظمة تعمل وفق بروتوكول يومي لتحويل الثروة العامة إلى حسابات خاصة، بعلم البنك المركزي، وتغطية الأجهزة الأمنية، وصمت المؤسسات المصرفية المشاركة. ثانياً: الانقلاب كوقف قانوني لمسار التفكيك. ولا يمكن فصل انقلاب أكتوبر 2021 عن المسار الذي تمثله لجنة التفكيك. وكانت اللجنة، رغم أدواتها المحدودة، مستمرة في كشف شبكات التمكين والاقتراب من مراكز النفوذ الحقيقية، وهو ما شكل تهديدا مباشرا يتطلب إيقافها. وبعد اندلاع الحرب في أبريل 2023، أصدر البرهان قراراً بتعديل الوثيقة الدستورية وإلغاء النص الخاص بلجنة التحقيق في جرائم قتل الثوار، وهو ما يقود قانونياً إلى سؤال جوهري: هل تم حل لجنة التفكيك رسمياً أم تجميدها؟ وهذا التمييز ليس إجرائيا فحسب، بل يحدد الأساس القانوني لاستمرارية قرارات اللجنة أو إمكانية إحيائها. الحل يعني إنهاء الشخصية الاعتبارية وسقوط جميع قراراتها، أما التجميد يعني تعليق الاختصاص مع بقاء الأساس القانوني قائما وإمكانية استئناف العمل. والثابت أن ما صدر رسمياً كان يتحدث عن التجميد وليس الحل، وهو فارق يخلق التزامات قانونية مختلفة تماماً فيما يتعلق بمصير القرارات الصادرة واسترداد الموجودات. ثالثاً: القضاء والفقهاء – عندما يصبح العدل سلعة. وتشير المعلومات الموثوقة إلى أن الحقوقيين الفاسدين كانوا أداة محورية في ترتيب صفقات نقض قرارات لجنة التفكيك من خلال التنسيق مع القضاة الذين عينتهم سلطة الانقلاب لإصدار الأحكام المدفوعة الأجر – والتي يقال إن المبلغ بلغ ثلاثة ملايين دولار لكل شخص، حصل هؤلاء الوسطاء على حصة تقديرية منها. وفي هذا النموذج، يتضح كيف تم استخدام الأطر القانونية والقضائية نفسها كأداة لتحصين الفساد وإضفاء الشرعية عليه: فعندما يتحول القاضي إلى طرف في الصفقة، ويتحول الحقوقي إلى وسيط ينظمها، فإن الأمر ليس حكما قضائيا بل جريمة تستخدم لغة القانون. وفي هذا السياق تحديداً، يمكن قراءة تصريح أحد الحقوقيين البارزين بعد الإعلان عن عودة لجنة التفكيك، حيث وصف العملية بـ”المهرج السياسي” بحجة أن البرهان ألغى اللجنة. لكن ما يكشفه الفحص القانوني هو أن من يستخدم هذا الوصف لمسار العدالة يعرف جيداً الفرق بين الحل والتجميد، إلا أنه يتعمد تجاهله. يُعرف هذا النوع من الخطاب في أدبيات العدالة الانتقالية بـ”تحييد المساءلة”، حيث يتم إفراغ العملية المحاسبية من محتواها من خلال تحدي أدواتها بدلاً من تقييم أدائها. وتتضح ازدواجية المعايير عندما نتذكر أن هذا الحقوقي نفسه، عندما كان يرأس لجنة التحقيق في مجزرة فض الاعتصام، كان يدعو علناً إلى التعاون الدولي والدعم الخارجي لفحص الأدلة الرقمية، بينما اليوم يصف تعاون لجنة التفكيك مع الهيئات الدولية لاستعادة الأموال المنهوبة بالخيانة. وكما يتساءل المستشار القانوني حضرة محمد الفاتح في تحليله الصريح: هل تغير القانون أم تغيرت المواقف؟ والأكثر دلالة هو صمته التام عندما أصدر البرهان قراراته بتعطيل عملية العدالة الانتقالية وتجميد اللجنة التي يرأسها، ولم نسمع منه نفس الشدة التي يظهرها اليوم عندما يتعلق الأمر بفتح ملفات المال. رابعاً: المنهج الإجرائي – كيف يكون التفكيك مشروعاً وفعالاً؟ وقد أثبتت التجربة أن تفكيك نظام بهذا التعقيد لا يمكن أن يتم بقرارات إدارية أو لجان محدودة الإمكانيات. أما النهج الإجرائي الأنسب فهو ربط إعادة تأهيل القطاع المصرفي بعملية مراجعة مستقلة تقودها بيوت الخبرة الدولية المعتمدة كشرط إلزامي، ويتضمن مرحلتين: أولاً، تقارير أولية لتصنيف البنوك حسب درجة الاختراق – المؤسسات السليمة، والبنوك عالية المخاطر، والمؤسسات المتسللة المجمدة أو الموضوعة تحت إدارة خاصة. ثانياً، تتضمن التقارير المالية الجنائية التفصيلية تتبع التدفقات المالية، وتحليل شبكات الملكية، وتحديد المسؤوليات القانونية، وتؤدي إلى شروط إعادة الترخيص التي تشمل إعادة هيكلة مجالس الإدارة، وإخضاع المالكين لاختبارات الملاءمة، وإحالة الملفات إلى القضاء. ومع ذلك، فإن أخطر ما يهدد هذه العملية ليس فقط حجم الفساد، بل إمكانية إعادة إنتاجه من خلال ما يمكن أن يسمى “المراجعات القسرية” – أي تقارير الامتثال الرسمية التي تعطي شرعية قانونية زائفة للبنوك التي يتم استجوابها. لذلك، من الضروري قانونًا تجريد سلطة الموافقة على المراجعات من الأطراف المتسللة، بما في ذلك البنك المركزي، واعتماد قائمة مغلقة من مراكز الفكر الدولية، وإلزام جميع البنوك بالخضوع لمراجعة جنائية شاملة تمتد إلى تحديد المستفيد الحقيقي وتتبع التدفقات عبر الحدود. وذلك لأن تزوير المراجعة ينتج شرعية زائفة يصعب تفكيكها لاحقاً – وهي أخطر من تجاوز العقوبات الخارجية التي يمكن التحايل عليها. خامساً: ما بعد السلاح – معركة النفوذ المالي. وفي اللحظة التي يتم فيها تحييد السلاح، تصبح السيطرة على القطاع المصرفي الأداة الأساسية لإعادة إنتاج النفوذ. لذلك، يمكن فهم محاولات تسريع التسويات السياسية دون حسم ملف التدقيق، على أنها جزء من سباق لإعادة ترتيب النظام المالي قبل فرض الرقابة الحقيقية. إن تحييد الأسلحة دون تحييد السيطرة على المال لا يغير ميزان القوى، بل يعيد تشكيله. الحقيقة التي لا يريد البعض مواجهتها هي أن أخطر ما في عودة لجنة التفكيك ليس تصريحاتها السياسية، بل احتمال فتح ملفات المال. لأن تتبع الأموال يكشف: من مول، ومن استفاد، ومن توسط، ومن شارك بصمت. عندها لن يكون الحديث عن الثورة، بل عن اللوم. ولهذا السبب تحول النقاش فجأة إلى التشكيك في الأدوات بدلا من مواجهة الحقائق، وهو ما يعرف قانونا بتحييد المساءلة أو الإفلات المنهجي من العقاب. الخلاصة: من لجنة إلى مشروع دولة المشكلة الأعمق لا تتوقف عند ردود الفعل، بل في الإطار الذي وضعت فيه هذه المهمة منذ البداية. إن تفكيك النظام الذي هيمن على الدولة منذ ثلاثة عقود تم تقليصه إلى لجنة ذات صلاحيات محدودة دون مرجعية قانونية متينة، ما أضعف التجربة وفتح الباب أمام إسقاطها. إن تفكيك هذا الإرث ليس مهمة لجنة، بل هو مشروع دولة برمتها مبني على إطار قانوني محصن، ومؤسسات مستقلة، وقدرات فنية حقيقية. هناك أسئلة قانونية لا يمكن الهروب منها: إذا كان التعاون الدولي خيانة، فكيف ستستعيد الدول أموالها المسروقة؟ وإذا كانت لجان التفكيك لا قيمة لها، فكيف تم تفكيك أنظمة الفساد في كل تجارب العالم؟ المعركة الحقيقية ليست على شخص أو لجنة، بل على سؤال واحد: هل ستفتح دفاتر الثلاثين سنة أم ستبقى مغلقة؟ لأن اللحظة التي تبدأ فيها مراجعة حركة الأموال منذ عام 1989 لن تكون لحظة سياسية – بل هي لحظة حساب. من يختصر هذا الخراب لا يقرأه… بل يتجنبه. مصادر ومراجع التحليل: إسماعيل عليه السلام. مضوي: العدالة على حافة الانهيار – بين تفكيك الدولة العميقة وصعود القلق الإجرامي 20/03/2026 المستشار القانوني محمد الفاتح حضرة: نبيل أديب وصرخة الخوف من عودة لجنة إزالة التمكين وثائق ومعلومات من لجنة تفكيك نظام 30 يونيو أنظر أيضا سيطرة التنظيم الإسلامي على الاقتصاد السوداني من خلال المؤسسة العسكرية شهادة من الداخل: تشريح نظام 30 يونيو نهج النهب الممنهج…



