اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-26 12:40:00
📝 أواب عزام البوشي عندما تصبح الحرب مرآة لبنية الدولة لم يكاد ملف السودان يغيب عن عناوين الأخبار العالمية منذ اندلاع الصراع المسلح في أبريل 2023، لكن السؤال الذي ظل حائرا بين مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام الكبرى هو: لماذا لا تنتهي هذه الحرب رغم الوساطات العديدة؟ هل هو صراع على السلطة بين جنرالين، أم أنها أزمة أعمق تمتد جذورها إلى عقود من الزمن؟ وفي قراءة استثنائية لمجلة لوبوان الفرنسية، خرج التحليل عن السرديات التقليدية ليقدم تشخيصا مختلفا: لم تعد الحرب في السودان صراعا عسكريا تقليديا، بل تحولت إلى أزمة معقدة يغذيها “بنية أيديولوجية هجينة” تمتد داخل المؤسسة العسكرية منذ عهد البشير. يفتح هذا التشخيص الفرنسي الباب أمام سؤال أكثر جوهرية: هل يستطيع الجيش السوداني العودة إلى دوره الوطني ما دامت هذه البنية الهجينة موجودة؟ أم أن الإخوان -كما يصفهم التقرير- يمثلون «العقدة» التي تعيد إنتاج الحرب كلما اقترب الحل؟ أولاً: قراءة تقرير «لوبوان» ماذا كشف؟ ونشرت مجلة لوبوان الفرنسية التي تتمتع بمصداقية في السياسة الدولية تقريرا استندت فيه إلى مصادر مطلعة على هيكلية الجيش السوداني. ولم يقتصر التقرير على رصد اشتباكات قوات الدعم السريع والجيش، بل دخل في الطبقات العميقة للتنظيم المؤسسي. أبرز ما توصل إليه التحليل الفرنسي: · وجود “توسع تنظيمي” للعناصر المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين داخل الجيش السوداني. · ظهور “البنية الأمنية الهجينة” التي تمزج بين العسكري والأيديولوجي، وهو ما جعل الجيش السوداني مختلفاً عن النوع الكلاسيكي للجيوش الوطنية. · استمرار الصراع لا يفسر فقط بالخلافات الشخصية أو التنافس على الموارد، بل بطبيعة هذه البنية التي تجعل التسوية السياسية تشكل تهديداً لمصالح الكيانات الأيديولوجية الراسخة. هذه القراءة الفرنسية لم تأت من العدم؛ وسبق أن أشارت تقارير أممية وإفريقية إلى صعوبة فصل الجيش السوداني عن الإرث السياسي لحكم البشير (1989-2019)، إذ كان الحزب الحاكم آنذاك (المؤتمر الوطني) يعمل على أسلمة المؤسسة العسكرية وبسط نفوذ الإخوان فيها باعتبارها ركيزة أساسية للبقاء في السلطة. ثانياً: «البنية الهجينة» – من أيديولوجية الدولة إلى دولة داخل الجيش. إن المفهوم الذي استخدمه التقرير الفرنسي -“البنية الهجينة” – ليس مجرد وصف صحفي، بل هو مفهوم تحليلي يعبر عن تحول المؤسسة العسكرية من جهاز فني قائم على الكفاءة والولاء الوطني إلى كيان متشابك مع مشروع سياسي أيديولوجي. وفي الحالة السودانية، يمكن تتبع هذه الظاهرة عبر مراحل: عصر الإنقاذ (1989-2019): نفذ نظام البشير سياسة “إخوانية” الجيش بشكل ممنهج، من خلال تعيين ضباط موالين للجماعة في المناطق الحساسة، وإنشاء أجهزة أمنية موازية (مثل جهاز الأمن والمخابرات الوطني)، أصبحت أشبه بـ”دولة داخل دولة”. الفترة الانتقالية (2019 – 2021): بعد سقوط البشير، جرت محاولات لتفكيك نفوذ الإخوان من خلال قانون إزالة التمكين، لكن هذه المحاولات اصطدمت بصلابة البنية الهجينة التي أثبتت قدرتها على الصمود والتحايل. بعد انقلاب 2021: مع عودة الجيش بقيادة البرهان إلى الواجهة السياسية، عاد الجدل حول دور الإخوان داخل المؤسسة؛ وبينما تعتقد إحدى المجموعات أنها فقدت نفوذها، تشير تقارير من “لوبوان” وغيرها إلى أنها أعادت تنظيم نفسها مستفيدة من حالة الحرب. اللافت أن هذه البنية الهجينة لا تظهر فقط في التركيبة القيادية، بل في طريقة إدارة الحرب نفسها: فالحرب تجري أحياناً وفق اعتبارات أيديولوجية وليس عسكرية، ويتم توظيف الخطاب الديني لحشد بعض الفصائل المسلحة، ما يجعل أي تسوية سياسية تبدو وكأنها تهديد لـ«الهوية» بقدر ما هي تهديد للمصالح. ثالثاً: لماذا تعقد “عقدة الإخوان” عودة الجيش إلى دوره الوطني؟ والفرضية التي طرحها التقرير الفرنسي، والتي تتفق مع ما يراه المراقبون الميدانيون، هي أن استمرار وجود هذه البنية الهجينة يجعل الجيش غير قادر على الانسحاب من السياسة أو العودة إلى دور المهنية الوطنية البحتة. وذلك لثلاثة أسباب رئيسية: الولاءات المتداخلة: الولاء للجماعة أم للوطن؟ فعندما يرتبط بعض الضباط تنظيمياً بجماعة ذات مشروع سياسي (الإخوان)، فإن الولاء للجماعة يتقدم أحياناً على الولاء للمؤسسة. وفي هذه الحالة فإن أي قرار بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية أو تطبيق معايير الكفاءة المهنية يصطدم بجدران الحماية التي أقامتها هذه الشبكات لعقود من الزمن. الخوف من المساءلة لا يقتصر الهيكل الهجين على تقاسم السلطة فحسب، بل يتعلق أيضاً بالحماية المتبادلة. ويتورط العديد من الضباط المرتبطين بنفوذ الإخوان في قضايا فساد أو انتهاكات لحقوق الإنسان تعود إلى عصور سابقة. لذلك فإن العودة إلى الجيش المهني تعني الخضوع لمراجعات وتدقيقات قد تمسهم شخصياً. وهذا الدافع الشخصي يجعلهم أكثر تعلقاً بالحرب كوسيلة لتأجيل أي تسوية سياسية قد تؤدي إلى تفكك الحسابات. الرؤية الأيديولوجية للدولة: بالنسبة لحركة الإخوان داخل الجيش، فإن الدولة ليست مجرد مؤسسات محايدة، بل هي مشروع حكم له أيديولوجيته الخاصة. ولذلك فإن أي انتقال نحو تمدين الدولة أو إخضاع الجيش للسلطة المدنية يُقرأ على أنه «تراجع عن مشروع» وليس مجرد إصلاح مؤسسي. وهذه النظرة تجعلهم طرفاً عنيداً في أي مفاوضات سلام حقيقية. رابعاً: من القراءة الفرنسية إلى القراءة الميدانية – ماذا يعني ذلك بالنسبة للسلام؟ إن ما ذكره تحليل لوبوان ليس مجرد تنظير خارجي؛ بل إنه ينسجم مع ما يراه السودانيون على أرض الواقع: لم يعد من الممكن قراءة تعقيد المشهد على أنه صراع تقليدي بين جيش وميليشيا، بل أصبح صراعا طويل الأمد استغلته أيادي أيديولوجية لإعادة إنتاج نفسها. وإذا كان هذا التشخيص دقيقاً فإن دلالاته عميقة: · لن تنجح الوساطات التقليدية (جدة، والمنتدى الأفريقي، وغيرهما) في إنهاء الحرب إذا اقتصرت على محاولة ترتيب وقف إطلاق النار دون معالجة البنية الهجين داخل المؤسسة العسكرية. · أي حل سياسي لا يتضمن تفكيك نفوذ الإخوان في الجيش والأجهزة الأمنية سيظل هشا، وسرعان ما سيعيد إنتاج الصراع في شكل جديد. · إن إعادة بناء الجيش كجيش وطني محترف تحت قيادة مدنية يشكل شرطاً ضرورياً، إن لم يكن كافياً، لاستقرار السودان. وهذا يتطلب إرادة سياسية داخلية غير متوافرة حالياً، ودعماً إقليمياً ودولياً يأخذ في الاعتبار تعقيدات البنية الداخلية، بدلاً من التعامل مع الجيش ككتلة متجانسة. خامساً: هل من طريقة لفك العقدة؟ والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت «العقدة الإخوانية» داخل الجيش هي العائق الأكبر أمام السلام، فكيف يمكن تفكيكها؟ أولا، لا بد من الاعتراف بأن تفكيك الهياكل الهجينة ليس عملية إدارية بحتة، بل هو عملية سياسية تتعارض مع مصالح القوى المتنفذة. ولذلك فإن الأمر يحتاج إلى: · إجماع وطني على مشروع إصلاح المؤسسة العسكرية، يتجاوز التحالفات المؤقتة بين الأطراف المتصارعة اليوم. · آليات انتقالية تضمن محاسبة المتورطين في الانتهاكات وفق معايير عادلة، تميزهم عن الضباط المحترفين الذين ظلوا ملتزمين بواجبهم. · الدعم الدولي لا يقتصر على الضغط لوقف القتال، بل يمتد إلى دعم عملية إصلاح بنيوي طويلة الأمد، تتضمن إعادة النظر في عقيدة الجيش، وعلاقته بالسلطة المدنية، وإنهاء أي تداخل بين العمل العسكري والعمل الحزبي. والثمن يدفعه الشعب السوداني وحده. منذ اندلاع الحرب، دفع السودانيون أثماناً باهظة: عشرات الآلاف من القتلى، وتشريد أكثر من عشرة ملايين، وانقسام اجتماعي غير مسبوق، وانهيار شبه كامل للخدمات الأساسية. وفي خضم هذه المأساة، يبقى سؤال “من يمنع السلام” مطروحا باستمرار. إن القراءة الفرنسية التي قدمتها لو بوان تضع الإصبع على جرح عميق: فطالما ظلت الهياكل الهجينة التي تمزج بين العسكري والإيديولوجي في مكانها، فإن أي سلام سيكون مؤقتا، وسيظل أي جيش أسيراً لولاءات متعددة لا تتوافق مع دوره الوطني. إن تفكيك نفوذ الإخوان في مؤسسات الدولة ليس انتقاما سياسيا، بل هو شرط ضروري لإنقاذ السودان من مصير الحروب التي لا نهاية لها. ولعل المفارقة تكمن في أن المجلة الفرنسية القادمة من خارج المنطقة تمكنت من تقديم تشخيص أكثر جرأة مما تسمح به التحليلات الرسمية العربية أو الأفريقية. لكن السؤال الأصعب يبقى في أيدي السودانيين أنفسهم: هل لديهم القدرة على فك هذه العقدة قبل أن تستمر الحرب في التهام كل شيء؟ wabazzam456@gmail.com




